التحاق دي مستورا بفشل عنان والإبراهيمي

المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي مستورا (رويترز)
مركز حرمون للدراسات المعاصرة - وحدة دراسة السياسات

بعد أربع سنوات من إدارته لملف المسألة السورية، بصفته مبعوثًا للأمم المتحدة، قرر ستيفان دي مستورا أن يتخلى عن مهمته، ملتحقًا بالمبعوثين الأمميين السابقين كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي. وقد ختم مسيرته الدبلوماسية بمحاولة تشكيل اللجنة الدستورية، لكنّ نظام بشار الأسد، بدعم من حليفيه، روسيا وإيران، عطّل مهمته، حين رفض وصاية الأمم المتحدة على تشكيل هذه اللجنة، معتقدًا أنه يمكن أن يستغل الفترة الفاصلة بين اللحظة الراهنة ومباشرة المبعوث الأممي الجديد لعمله، لتغيير المعطيات التي يمكن أن تتجه نحو عملية الانتقال السياسي.

محاولات الأسد وروسيا وإيران تعطيل اللجنة الدستورية

ابتدعت روسيا مساري أستانا وسوتشي لإبعاد الأمم المتحدة عن ملف المسألة السورية، بهدف إيقاف مسار جنيف، خاصة ما يتعلق بعملية الانتقال السياسي في سورية. ومن أجل ذلك طرحت اتفاقات خفض التصعيد في أستانا، التي ساعدت نظام بشار الأسد على تجزئة جبهات المعارضة، وفرض المصالحات المذلّة واحدة بعد الأخرى، وصولًا إلى اعتبار روسيا مسار سوتشي بديلًا واقعيًا عن مسار جنيف.

في مطلع العام 2018 عقدت روسيا مؤتمر “الحوار الوطني السوري” في سوتشي، وقبِل ممثل الأمم المتحدة دي مستورا حضور المؤتمر، مقابل موافقة روسيا على عدة شروط منها: أن يعقد المؤتمر لمرة واحدة فقط، وأن تكون صلاحيات اختيار أعضاء اللجنة الدستورية ومعاييرها من خلال العملية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف. وافقت موسكو على أمل تفريغ الشروط من محتواها، بحيث تكون اللجنة الدستورية أداة بيد نظام بشار الأسد، لإجراء تعديلات شكلية على دستور سنة 2012. ومن هنا نلاحظ التباطؤ الروسي، الذي عبّر عنه وزير الخارجية، سيرغي لافروف، حين قال “لا نرى أي سبب لاستعجال هذه العملية، وطرح مواعيد مصطنعة لبدء العمل.. المهم هنا الجودة”. وبذلك كان يمهّد، في حال فشل تشكيل اللجنة الدستورية تحت إشراف أممي وفق مسار جنيف، لتشكيل اللجنة وفق مسار سوتشي.

وفي الاجتماعات التي عقدها ثلاثي أستانا، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أشاد المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرينتييف بما وصفه بـ “النهج البنّاء الذي أبدته الحكومة السورية، في ما يتعلق بمسألة تشكيل وإطلاق عمل اللجنة الدستورية”. لكنه قال إن موسكو “ليست مستعجلة” لإطلاق عمل اللجنة، قبل إنجاز التوافقات اللازمة لذلك. وجاء في بيان وزارة الخارجية الروسية عن الاجتماع أن الأطراف “بحثوا تطورات الأوضاع السورية على الأرض بصورة مفصلة، إلى جانب بحثهم مجمل القضايا المتعلقة بتشكيل اللجنة الدستورية السورية وإطلاق عملها، وفقًا لقرارات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي”. ولتغطية الحديث عن مسار سوتشي ذكّر البيان بـ “قرار مجلس الأمن 2254” وبضرورة “التنسيق مع المبعوث الأممي دي مستورا”.

في عقب الاجتماع، أدلى المندوب الإيراني حسين جابري أنصاري بتصريحٍ أكد فيه أن إيران “وقفت بكل جدية وما تملك من طاقات إلى جانب سورية طوال السنوات الماضية، وبذلت الجهد لتفعيل السلام في إطار محادثات أستانا”.

وخلال جلسة مجلس الأمن الدولي حول سورية، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، بعد تقديم دي مستورا إفادته عن زيارته الفاشلة إلى سورية، قال مندوب روسيا فاسيلي نيبنزييا “نجدد التأكيد على أنه لا يوجد هناك أي أساس لمواعيد مفتعلة لتشكيل اللجنة الدستورية بعد مؤتمر الحوار السوري في سوتشي، ومن المستحيل فرضها بشروط تتعارض مع إرادة الأطراف السورية ذاتها”. كما حذّر من يرغبون في تحقيق “مكاسب مشبوهة من خلال التأجيج المفتعل للأزمة”، وحدّد من يقصد بـ “المجموعة المصغّرة” للدول السبع: أميركا، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، السعودية، الأردن، مصر. وأشار إلى أن حكومتي روسيا وسورية اتفقتا على أن ضامني أستانا الثلاثة والحكومة السورية سوف يعدّون مقترحًا بشأن قائمة المجتمع المدني “الثلث الأوسط”، وسيقدمونه إلى الأمم المتحدة لـ “تيسيره”.

ومن الواضح أن دي مستورا كان يريد تشكيل اللجنة الدستورية، قبل مغادرة منصبه في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، لذلك زار دمشق، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر. وقد أشارت صحيفة “الوطن”، التابعة للنظام، إلى أن زيارته كانت لـ “التشاور والوداع”. وعن اختياره لممثلي المجتمع المدني في اللجنة الدستورية، لفتت الصحيفة إلى أن النظام يرفض هذا التدخل، باعتبار أن مهمته تنحصر في “تسهيل الحوار وليست اختيار شخصيات وأسماء المتحاورين”.

كان لافتًا أن وزير الخارجية وليد المعلم أبلغه أن “كل هذه العملية يجب أن تكون بقيادة وملكية سورية، باعتبار أن الدستور وكل ما يتصل به هو شأن سيادي بحت يُقرره الشعب السوري بنفسه من دون أي تدخل خارجي”. كما أبلغ المبعوث الأممي أن القيادة السورية “تتمسك بأغلبية الثلثين ورئاسة اللجنة”.

وهكذا، بعد أن أكد مساعد المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، أن دي مستورا سيبقى في سورية بضعة أيام، غادر دمشق بعد ساعات، ما يعكس عدم الارتياح من لقائه مع وليد المعلم، وعدم تمكّنه من اللقاء مع أي مكوّن من مكوّنات المرشحين في قائمة المجتمع المدني. بحيث بدا أن نظام بشار الأسد راهن على “انتصاراته” الميدانية، والمقاربات العربية الجديدة تجاهه.

كان دي مستورا صريحًا في إفادته الأولى أمام مجلس الأمن الدولي، في 17 تشرين الأول/ أكتوبر، بالقول: إن الحكومة السورية تتحمل مسؤولية تعطيل إطلاق اللجنة الدستورية، التي يأمل أن يتم البدء في أعمالها قبل نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، موعد استقالته، مشيرًا إلى أن التعطيل يعود إلى عدم الموافقة السورية وأيضًا الروسية على إضافة 50 مشاركًا في اللجنة الدستورية، تختارهم الأمم المتحدة من الفئات المستبعدة من طرفي النزاع.

في إفادته الثانية أمام المجلس، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، قال “التقيت بالوزير المعلم في دمشق في 24 تشرين الأول/ أكتوبر، ركّزنا على العملية السياسية والجهد الرامي لعقد اللجنة الدستورية. لقد أكد بقوة على مبدئي سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وعدم التدخل في شؤونها. وأكد على أن الدستور السوري يعتبر مسألة السيادة الوطنية بالغة الحساسية”. وحيث أن الوزير المعلم أشار إلى أن المنهجية المفضلة، بالنسبة إلى الحكومة السورية، هي العمل مع ضامني أستانا على قائمة المجتمع المدني، فإن هناك الآن “مسؤوليات وتوقعات كثيرة تقع على كاهلهم، تتعلق بكيفية تنفيذ بيان سوتشي، بما يمكّن من المضي قدمًا في تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254، ومن إعطاء مفعول عملي للنقاط الأساسية التي قامت الأمم المتحدة على أساسها بدعم سوتشي”.

اللافت في حديث دي مستورا أنه ترك الباب مفتوحًا أمام تصوّر الحكومة السورية، إذ أكد “استعداد الأمم المتحدة لسحب اقتراحها الخاص بتشكيل الثلث لمرة واحدة فقط، شريطة وجود توافق على لائحة جديدة، تراعي مخرجات مؤتمر سوتشي والقرار الأممي 2254”.

في الجلسة نفسها، دان مندوبو الدول الغربية، أميركا وبريطانيا وفرنسا، عرقلة النظام السوري لـ “الحل السياسي”. ولم يسلم النقد الغربي من تحذير المندوب الروسي من استغلال “المجموعة المصغّرة” لهذا الملف للإضرار بـ “العملية السياسية”. كما وجّه انتقادات لدي مستورا بسبب حديثه علنًا عما دار في المحادثات مع أطراف النزاع، واعتبر أن زيارته لدمشق “كانت جيدة ومثمرة”. أما المندوب السوري بشار الجعفري فقد نفى أن تكون حكومته رافضة لدور الأمم المتحدة.

وهكذا، يبدو واضحًا أن روسيا تتشارك مع نظام بشار الأسد التخوّف من ذهاب الدستور الجديد إلى مدى غير مرغوب فيه، أي نحو حلٍّ يستند إلى قرارات الشرعية الدولية، كما تعلن مجموعة الدول الغربية، ينطوي على طي صفحة بشار الأسد، ويفتح في المجال للانتقال إلى سورية مختلفة. وقد عبّر وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، عن هذا المسعى الغربي، حين وصف روسيا بأنها “تفتقر إلى الرغبة الصادقة في التزام أهم المبادئ الأخلاقية، في ضوء استعدادها لتجاهل الأعمال الإجرامية للأسد تجاه شعبه”.

مضمون الخلافات حول اللجنة الدستورية

من المتوقع أن تشهد اللجنة الدستورية، إذا شُكِّلت وعُقِدت، خلافات عديدة حول الدستور المقبل لسورية، خاصة ما يتعلق بطبيعة النظام المقبل ودور الأجهزة الأمنية. كما ستشهد خلافات على حصتي المجتمع المدني والمعارضة، إذ يعمل نظام بشار الأسد وروسيا على إدخال عناصر “مستقلة” ممن شاركت في مؤتمر سوتشي و”منصة موسكو”. كما سيجري الالتفاف على المرجعية الأممية للجنة، وكذلك على مهماتها، حيث أعلن بشار الجعفري أن اللجنة “ستعمل على إجراء إصلاحات على دستور 2012″، بينما ترغب المعارضة في “صوغ دستور جديد”.

أظهرت رسالتان بعث بهما وزير الخارجية السوري وليد المعلم وبشار الجعفري، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، ومجلس الأمن الدولي، في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، مسعى نظام بشار الأسد لتعطيل عمل اللجنة، إذ ورد في الرسالتين “للأسف بينما كنا نسعى إلى معالجة الأمور في شكل رسمي ومدروس من دون القفز على الواقع أو حرق المراحل، كان المبعوث الدولي في عجلة من أمره”. وتضمنت الرسالتان تمسّك النظام بأربعة شروط لتشكيل اللجنة الدستورية: الالتزام القوي بسيادة الجمهورية العربية السورية واستقلالها (!!) ووحدتها أرضًا وشعبًا، والشعب السوري صاحب الحق الحصري في تقرير مستقبله من دون تدخل خارجي، وعدم فرض أي شروط مسبقة أو استنتاجات مسبقة في شأن عمل اللجنة والتوصيات التي تقررها، ورفض فرض جداول زمنية متسرعة لعمل اللجنة.

هنا بدا عدم التطابق بين موقفي نظام بشار الأسد وروسيا، حيث ترغب موسكو في دور صريح للأمم المتحدة بتشكيل اللجنة الدستورية، قبل استقالة دي مستورا في نهاية الشهر، بما في ذلك تسميته للثلث المخصص للمجتمع المدني. واتضح هذا الموقف الروسي في أثناء زيارة مبعوث الرئيس بوتين ألكسندر لافرنتييف إلى دمشق وطهران، في 4 و5 تشرين الثاني/ نوفمبر، بموجب التزامات بوتين خلال القمة الرباعية في إسطنبول، والعودة إلى الالتزامات الروسية للأمم المتحدة في مؤتمر الحوار السوري بسوتشي.

ويبدو أن نظام بشار الأسد طلب من المبعوث الروسي التريث، إلى حين تسلّم المبعوث الأممي الجديد مهماته، لأن النظام لا يطمئن لتوجهات ممثلي المجتمع المدني، الذين اختارهم دي مستورا. وكانت صحيفة “الوطن” السورية قد قدمت عشر نصائح للمبعوث غير بيدرسون، في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر، كررت فيها شروط نظام بشار الأسد للتعاون مع الأمم المتحدة، خاصة أن “يدرك أنّ نجاحه مرتبط بشكل مباشر برضى الدولة السورية عن عمله”. بل إن كاتب المقال هدده بفشل مهمته مسبقًا “إذا لم يلحظ النصائح العشر”.

هذا الحراك يعكس خلافات عميقة تتعلق بجوهر الحل السياسي واستبعاد مسألة الانتقال السياسي. إذ بات واضحًا تداول رؤيتين: أولاهما روسية، تدعو إلى عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وإعادة الإعمار. وثانيتهما غربية، تدعو إلى تحقيق انتقال سياسي، وفق قرارات الشرعية الدولية، يفتح الباب أمام إبعاد بشار الأسد عن السلطة وخروج الميليشيات التابعة لإيران من الأراضي السورية. ولكن من اللافت للنظر ما أعلنه مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، في أثناء زيارته الأخيرة إلى موسكو، إذ أكد على “توسيع مساحة التنسيق بين البلدين في سورية… وعلى وضع آليات محددة لتوسيع تنسيقهما”.

التحاق دي مستورا بفشل كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي

بدأ الانخراط الأممي في ملف المسألة السورية مع تعيين كوفي عنان مبعوثًا مشتركًا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، في 23 شباط/ فبراير 2012، ولكنه استقال في 2 آب/ أغسطس، بعد إفشال إعلان المبادئ الذي وضعه في وثيقة جنيف الأولى، حيث كشف للعالم خلاصته “العسكرة المتزايدة على الأرض والافتقار الواضح للوحدة داخل مجلس الأمن غيّرا بشكل جذري ظروف ممارسة مهماتي بشكل فعّال”، حيث استخدمت موسكو وبكين حق النقض لتعطيل ثلاثة قرارات بشأن المسألة السورية.

لم يكن أداء المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي أفضل من سابقه، حيث حاول إنجاح مهمته طوال ما يقرب من سنتين، من أيلول/ سبتمبر 2012 إلى أيار/ مايو 2014. وتمكن، بعد جهد كثيف، من تنظيم أول مفاوضات بين ممثلي الحكومة السورية وممثلي المعارضة، تحت رعاية أميركية – روسية. لكنّ المفاوضات تعثرت بسبب رفض البحث في مصير بشار الأسد، ونتيجة الانقسام الدولي الحاد. وهكذا، فضّل الإبراهيمي الانسحاب، بعد إدراكه أن إجراء “الانتخابات” الرئاسية، في حزيران/ يونيو 2014، وإعادة “انتخاب” بشار الأسد سوف يعنيان نهاية جهده.

فور بدء مهمته، استلم دي مستورا ملفات ووثائق ومحاضر مؤلفة من عشرات آلاف الصفحات وثّقها المبعوث الذي سبقه الأخضر الإبراهيمي، وأكثر منها وثّقها المبعوث الأسبق كوفي عنان، ضمّت آراء ومواقف كل التيارات والقوى والأحزاب السورية، ومقترحات ورؤى المئات من أبرز المعارضين والناشطين من جميع التيارات والأديان والقوميات والمنابت الطبقية والخلفيات العلمية والمرجعيات، لكنه قرر أن يتخلى عن هذه الأطنان من الوثائق والملفات والمحاضر، والبدء من الصفر في رحلة بحثه عن حل للأزمة السورية.

تقدّم دي مستورا بوصفه مبعوثًا للأمم المتحدة بعدة مبادرات، فشلت جميعها قبل أن يتم تنفيذ أي بند فيها، دعا في المبادرة الأولى إلى السماح بإدخال مقاتلين من خارج سورية، من دون قيد أو شرط، ليقاتلوا إلى جانب أكراد سورية في أثناء معارك مدينة عين العرب (كوباني)، وشرّع بذلك للنظام بإدخال مقاتلين إيرانيين ولبنانيين وعراقيين، وقال إن على المجتمع الدولي التفرغ لحماية هذه المدينة الصغيرة شمال سورية، ونسي أن كل المدن السورية في حاجة ؟إلى الحماية، إما من التنظيمات الإسلامية الإرهابية المتشددة التي قتلت عشرات الألوف من السوريين، أو من نظام بشار الأسد والميليشيات الإيرانية التي قتلت مئات الألوف.

وفي مبادرة أخرى، دعا إلى تشكيل أربع مجموعات عمل من النظام والمعارضة، تبدأ بتجزئة المسألة السورية لمناقشتة عناصرها بصورة منفصلة، وتجاهل عن عمد بيان جنيف الذي اتفقت الدول الكبرى على أنه المرجعية المتفق عليها للمسألة السورية، وهو البيان الذي يُحاول نظام بشار الأسد وإيران وروسيا الهروب منه وإلغاءه بأي ثمن.

تكمن المشكلة في أنه حتى لو كان الرجل يتلقى أوامره من القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا، أو أنّه يُنفّذ أجندة غير معلنة، دولية أو أممية، فإنه ينفذها بطريقة فيها الكثير من العبث والتناقض وسوء الإدارة والتقدير والكثير من الاستهتار، وكل هذا يؤكد على أنه كان يتّبع أسوأ الاستراتيجيات والوسائل وأكثرها فشلًا وركاكة وضعفًا.

تؤكد الوقائع أن دي مستورا وجد أن المفاوضات تراوح في مكانها، وليس هناك أمل حقيقي بأن يغيّر نظام بشار الأسد موقفه في ظل غياب ضغط دولي جاد عليه. ونتيجة ذلك قدم استقالته، تعبيرًا عن فشل مهمته، ليلتحق بالتالي بكوفي عنان والأخضر الإبراهيمي. إذ لم ينجح في “تركيب التسويات” عبر التأقلم مع الموقف الروسي، ولو على حساب المرجعيات الدولية، حيث شكل غطاء لمسار أستانا، تحت حجة فصل الجانب الإنساني عن الجانب السياسي، ما سهّل الحسم العسكري التدريجي لمصلحة نظام الأسد. ومن جهة أخرى، قبل فكرة تعدد منصات المعارضة، ما كرّس التلاعب الإقليمي والدولي في المسألة السورية، عبر اللعب في ملاعب جنيف وأستانا وسوتشي، وطرح السلال الأربع، مع تجاوز أولوية عملية الانتقال السياسي، وصولًا إلى اختزال المسألة السورية بـ “اللجنة الدستورية”.

لا يعود فشل دي مستورا إلى قلة خبرته، وإنما إلى طريقة تعاطيه مع المسألة السورية، حين انطلق من أن جوهر المسألة هو صراع مسلح بين السلطة والمعارضة، متجاوزًا الأصل وهو وجود سلطة مستبدة، واجهت شعبها بالخيار الأمني القاتل منذ الأيام الأولى لانتفاضته السلمية المطالبة بالحرية والكرامة. ما يشير إلى أنه انطلق من نتائج المقتلة السورية، من دون أن ينتبه إلى أسبابها وجذورها. والأخطر من ذلك أنه سوّق للادعاءات القائلة بـ “انتصار نظام الأسد”.

على الرغم من مداخله السابقة، فإن ممثلي نظام بشار الأسد استمروا في انتقاده، إذ قال نائب وزير الخارجية فيصل المقداد “سورية، كما تعاونت مع المبعوثين الخاصين السابقين، ستتعاون مع المبعوث الأممي الجديد غير بيدرسون، بشرط أن يبتعد عن أساليب من سبقه، وأن يعلن ولاءه لوحدة أرض وشعب سورية، وألا يقف إلى جانب الإرهابيين كما وقف سلفه”.

وتناغم مندوب روسيا في الأمم المتحدة، فاسيلي نبينزيا، مع الخطاب الرسمي لنظام بشار الأسد، إذ قال للصحافيين، في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر، “من غير المهم ما نفكر فيه بشأن المبعوث الجديد، المهم أن الحكومة السورية مستعدة للعمل معه، وأن يكون محايدًا ونزيهًا، وموضوعيًا، وديبلوماسيًا، وأن يحاول الدفع قدمًا بعملية السلام”.

تهافت سرديات ممثلي المعارضة السورية الرسمية

أدى ارتهان المعارضة السورية الرسمية للقوى الإقليمية والدولية إلى القبول بمناقشة الدستور السوري الدائم، بعد أن كانت تصرّ على إنجاز عملية الانتقال السياسي، وفق بيان جنيف 1 والقرار 2254، اللذين يؤكدان على إنشاء هيئة حكم كاملة الصلاحيات، تضع دستورًا لسورية خلال المرحلة الانتقالية. ومن أمثلة هذا الارتهان، أن بعضهم، بعد زيارة وفد من هيئة التفاوض إلى موسكو، قال “وجدنا تفهمًا لدى الروس بأنه لا يكفي صوغ دستور، إنما نحتاج إلى بيئة آمنة ومحايدة لإجراء الانتخابات”.

كان رئيس هيئة التفاوض، عشية زيارة موسكو في 26 تشرين الأول/ أكتوبر، قد عبّر عن أمله بأن يكون لقاؤه وزير الخارجية الروسي نقطة تحوّل “فعّالة ومثمرة”، من أجل الوصول إلى حلٍّ سياسي يرضي طموحات السوريين. كما أن رئيس وفد المعارضة في أستانا قال “الكرة الآن في ملعب ضامني أستانا، وعلى رأسهم الروس، وكذلك الرعاة الدوليون للجنة الدستورية، فهم الذين سيضمنون تعاطي النظام بجدية مع اللجنة، والتخلّي عن شروطه اللامنطقية”. بل إن هؤلاء الضامنين “لن يقبلوا طرح النظام بأنه لا يقبل دورًا للأمم المتحدة في اختيار قائمة المرشحين إلى اللجنة، ولن يقبلوا عدم انخراطه في الجهد الدولي وإضاعة الوقت”.

إن تهافت هذه السرديات، التي تشخّص هشاشة المعارضة وارتهانها للقوى الإقليمية والدولية، ساعدت دي مستورا على “هندسة هيئة المفاوضات ووفدها المفاوض وفق المقاييس المطلوبة روسيًا”، انتظارًا منه لحدوث توافق أميركي – روسي حول المسألة الروسية.

خاتمة

يشير التحاق دي مستورا بالمبعوثين الأمميين السابقين، كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي، إلى محدودية تأثير الأمم المتحدة وعدم احترام مبادئها الخاصة بحفظ الأمن والسلم الدوليين، خاصة في مجال الحماية الإنسانية للمدنيين السوريين. ويبدو أن الفشل يترجم مواقف ومصالح القوى الكبرى وطموحات القوى الإقليمية، إلا أن روسيا تتحمل مسؤولية كبيرة عن امتناع نظام بشار الأسد عن التزام متطلبات عملية الانتقال السياسي، بما فيها رفضه التعاون مع الأمم المتحدة لإنجاز تشكيل اللجنة الدستورية، التي هي منتج روسي في مسار سوتشي. وربما يكون هذا الامتناع جزءًا من أجندة روسية، توفر لها ورقة مساومة مع الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.

ويبدو أن ثمة سجالًا غربيًا – روسيًا يدور حول اللجنة الدستورية، إذ ترى القوى الغربية فيها مدخلًا إلى عملية الانتقال السياسي، بينما تريد روسيا منها تعويم نظام بشار الأسد. وربما يؤدي هذا السجال إلى تعطيل مسار جنيف، لمصلحة مسار سوتشي موقَّتًا ريثما يتم التوافق الأميركي- الروسي. لكن، في جميع الأحوال، لا تتصل المأساة السورية بالدستور فحسب، وإنما بصورة أساسية بضرورة إلغاء نظام الحكم الشمولي وإعادة هيكلة النظام الأمني في سورية، واحترام حقوق الإنسان والحريات الخاصة والعامة.

 

للاطلاع على المادة من المصدر اضغط هنا

شارك برأيك

أشهر الوسوم