إدلب... في مرمى نيران سوتشي

فرق الإغاثة ومدنيون يبحثون عن ناجين تحت الأنقاض عقب قصف إدلب (غيتي/الفرنسية)

لم يبقَ من مناطق خفض التصعيد، المتفق عليها في اجتماعات آستانا وسوتشي بين الدول الضامنة الثلاث، سوى إدلب ومناطقها، إضافة إلى ريف حلب الغربي، وهي مناطق تسيطر عليها الفصائل المعارضة بما فيها هيئة تحرير الشام المصنفة كتنظيم إرهابي، حيث كُلفت تركيا بالترتيبات اللازمة للحفاظ على وقف إطلاق النار أولاً، وخلق الظروف المناسبة لإعادة فتح الطرق الدولية بين حلب دمشق، وحلب اللاذقية ثانياً.

نادراً ما عاشت إدلب ومناطقها يوماً من دون قصف مدفعي أو صاروخي من النظام، رغم التزام جميع الفصائل فيها بعدم قصف مناطق سيطرة النظام، وقد نجحت تركيا في إبعاد الأسلحة الثقيلة من البلدات الواقعة على جانبي الطريق الدولي إلى المسافة المُتفق عليها بين الدول الضامنة (حوالي 15 كم) واستبدالها بنقاط عسكرية تركية، لكن فرض هيئة تحرير الشام سيطرتها على هذه المدن والبلدات، بداية العام الحالي، أضاف تعقيداً من نوع جديد، لكونها تنظيماً مصنفاً ضمن قائمة الإرهاب، حتى من قبل تركيا، ناهيك عن وجود فصائل صغيرة متشددة ترفض اتفاقات آستانا وسوتشي وما يترتب عنهما، وبالتالي فهم مستبعدون من وقف النار، لا بل مطلوب الخلاص منهم. 

تشكّل إعادة فتح الطرق الدولية بين حلب ودمشق، وحلب اللاذقية، قضية مهمة للأطراف الضامنة كلها

تشكّل إعادة فتح الطرق الدولية بين حلب ودمشق، وحلب اللاذقية، قضية مهمة للأطراف الضامنة كلها، وهي من القضايا التي نوقشت منذ تشرين الأول 2017 في آستانا بين النظام والمعارضة، بإشراف الدول الضامنة الثلاث، وتم الاتفاق عليها فيما بعد في الاجتماع بين الرئيسين بوتين وأردوغان في أيلول 2018، حيث ورد في أحد بنود الاتفاق: ستجري استعادة طرق نقل الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب -اللاذقية) وإم 5 (حلب -حماة) بحلول نهاية عام 2018. وبالتالي صار واضحاً أن قضية فتح الطرق مسألة وقت وترتيبات. 

وتأتي أهمية فتح الطرق هذه بالنسبة إلى روسيا في المرتبة الأولى، نظراً لما يمكن أن تشكله من معنى لما تبحث عنه جاهدة كنتيجة سياسية لعملها العسكري المستمر منذ أيلول 2015، ولما تفتحه من إمكانيات تعاون اقتصادي وتجاري مع الدول المجاورة تساهم في إعادة تأهيل النظام، وهو الأمر الذي تضغط روسيا على العديد من الدول وخاصة العربية منها، لإعادة نظام الأسد إلى دوائرها. أما بالنسبة إلى تركيا، فأهميتها مرتبطة بفتح طريق غازي عنتاب حلب، ممّا يسهل العمليات التجارية والترانزيت مع الدول المجاورة، ويعطي أهمية خاصة للاتفاق، ولتعهد الطرفين الالتزام به.

بعد أكثر من عام من الاتفاق -حوالي 15 شهراً- لم تُفتح الطرق، على الرغم من تحقيق بعض الخطوات في ذلك الاتجاه، ويعود ذلك جزئياً إلى أن تركيا مشغولة أكثر بالترتيبات لمعركة شرق الفرات، بعد إعلان ترامب سحب قواته من المنطقة، وما نجم عنه من مشاكل ينبغي حلها بين تركيا والولايات المتحدة، من جهة، ومع روسيا من جهة أخرى، التي تمارس ضغوطاً شتى على تركيا من أجل إعادة العلاقات مع نظام الأسد، بحجة إضفاء شرعية على الوجود التركي في سورية. 

المدن والبلدات الواقعة على جانبي الطرق المطلوب فتحها، هي سراقب ومعرة النعمان وخان شيخون، وصولاً إلى أطراف مورك التي تتبع محافظة حماة على طريق حلب -دمشق، أما على طريق اللاذقية فهناك أريحا وجسر الشغور، وجميع هذه المدن واقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام منذ بداية العام الحالي، وتتعرض للقصف اليومي من قوات النظام.

مع اقتراب إعلان الولايات المتحدة عن الهزيمة العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية في سورية والعراق، تأتي الهجمات الأخيرة على مناطق إدلب وحماة التي يشنها النظام وداعموه وكأنها تكملة لتنفيذ ما اتفق عليه في اجتماعات آستانا وسوتشي من جهة، لكنها في جوهرها ضغط على تركيا بهدف تقديم مزيد من التنازلات وأهمها إعادة العلاقات مع النظام، ولو تحت صيغة اتفاقية أضنة، والاتفاق على ترتيبات شرق الفرات، ومن جهة ثانية محاولة روسيا تصفية هيئة تحرير الشام المصنفة كتنظيم إرهابي، بعد أن سيطرت على معظم محافظة إدلب فضلاً عن الريف الغربي لحلب والفصائل الأخرى الصغيرة المتشددة، وبالتالي الإعلان النهائي عن خلاص سورية من التنظيمات الإرهابية، وهو ما يمهد الطريق نحو البدء بترتيبات الحل النهائي.

ضمن هذا السياق، تندرج دعوة بوتين لتشكيل مجموعة عمل حول سورية، التي ظهرت للعلن بعد زيارة نتياهو لموسكو والتنسيق معه بخصوص شكل الحل في سورية، حيث تُفرض فيها رؤية روسيا للحل القائمة على إعادة تأهيل النظام الأمني غير المشروط بوجود بشار الأسد.

جميع الدول المتواجدة على الأراضي السورية تسعى لتأمين نفوذها ومصالحها

لم يعد التصارع على سورية وفيها أمراً مخفياً، فجميع الدول المتواجدة على الأراضي السورية تسعى لتأمين نفوذها ومصالحها، وما سيجري في إدلب اليوم أو غداً، باسم فتح الطرق الدولية والخلاص من التنظيمات الإرهابية يأتي ضمن هذا التصارع. وقد سعت تركيا وما تزال لتجنيب إدلب أي عمل عسكري من النظام وروسيا، يجنب المدنيين المزيد من الخسائر والنزوح، وبالتالي تدفق المزيد من السوريين نحو تركيا، التي تعاني بالأساس من مشاكل اجتماعية وسياسية نتيجة التواجد الكثيف للسوريين على أراضيها.

تكمن مصالح السوريين، وخاصة في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام، وفي إدلب تحديداً، بالتنسيق الجيد مع تركيا، كونها الأقرب للسوريين، ومن يسعى لحمايتهم من الهجمات الروسية، من خلال تفهم العلاقات الدولية والاتفاقات التي تبرمها الدول، وإيلاء مصالح ومطالب السوريين أهمية أكبر، وبالتالي الاهتمام بتوفير إمكانيات مواجهة من نمط آخر مع النظام وداعميه، تقوم على تأسيس كيان مدني موحد لإدارة كافة المناطق الحالية (من إدلب حتى جرابلس) بشكل يؤسس لحكم مستقبلي لسورية، وجهاز قضائي مستقل، ونظام تعليمي بعقلية منفتحة، والخلاص من حالة التشرذم الفصائلي الضار، والتصارع بين "الحكومتين". 

شارك برأيك

الأكثر مشاهدة

أشهر الوسوم