إدلب بين التفاهمات الإقليمية والمساومات الدولية

يخيم الترقب والقلق على أهالي إدلب وسكان الكثير من البلدات المحيطة بها وتتوزع بين أرياف حلب واللاذقية وحماة، في الوقت الذي تستعد الأطراف الأخرى للهجوم على آخر معاقل المعارضة المعتدلة باستغلال ذريعة محاربة الإرهاب، مع استمرار انتشار عناصر جبهة النصرة هناك.

لم يعد سرا أن منطقة خفض التصعيد الرابعة المتبقية، والممتدة بين أرياف إدلب وحلب وحماة واللاذقية، تعتبر الأكثر تعقيدا اليوم، لما فيها من تداخل بين ملفات الأمن والمشاريع الاقتصادية والانتقال السياسي، وكونها ساحة الاختبار الأبرز للتفاهمات الإقليمية، والمساومات الدولية.

تريد موسكو حماية قاعدتها العسكرية في حميميم، بتأمين المنطقة المجاورة - حيث اتهمت وزارة الدفاع الروسية جماعات مسلحة متواجدة في منطقة خفض التصعيد الرابعة بالقيام بعمليات القصف التي تستهدف قاعدتها العسكرية - من أجل الانتقال إلى الخطوة التالية في المسار السياسي، بعد إنهاء ملف جبهة النصرة والجماعات الأخرى المشابهة، وهو ما قد يمهد وفق الكثير من المصادر إلى جعل طريق حلب- دمشق الدولي آمناً، بكل ما يحمله ذلك من دلالات ورسائل اقتصادية سياسية في الوقت نفسه.

المتابع لتسلسل الأحداث على الأرض السورية في الأشهر القليلة الماضية، لا يمكنه تجاهل خارطة طريق، أبرز ملامحها، اتفاق إقليمي، دولي واضح بإنهاء أي عمل عسكري في سورية، مع إيجاد حل اليوم لانتشار عشرات آلاف المقاتلين هناك، وهذا يشكل جزءا من اتفاق، روسي – أميركي أيضا.

تتجه الأنظار إلى قمة رؤساء الدول الضامنة لمحادثات أستانا (روسيا، تركيا، إيران) المقررة في السابع من أيلول، القادم في العاصمة الإيرانية طهران، وكان آخر لقاء جمع رؤساء هذه الدول، في نيسان أبريل الماضي، في العاصمة التركية أنقرة، بحثوا خلاله تطورات الملف السوري، حيث كانت الدول الثلاث، باعتبارها «ضامنة»، توصلت في محادثات «أستانة» إلى اتفاق «خفض التوتر» في عدد من المناطق السورية، وما يزال الاتفاق نسبياً نافذًا في محافظة إدلب التي يجري الحديث مؤخرًا عن حملة عسكرية قد يشنها النظام عليها.

تعتبر هذه القمة استمراراً لاجتماعات قادة الدول الضامنة لمحادثات أستانة والتي بدأت في سوتشي الروسية، واستضافت تركيا القمة الثانية، وإشارة المحافظة على رابطة الأستانة، الرسالة الأبرز في هذا الاجتماع خاصة في ظل السياق الاقتصادي الدولي الراهن وما يفرضه من أزمات على تلك الدول.

أهمية هذه القمة الثلاثية تنبع من توقيتها ولاسيما مع دخول محادثات أستانة مرحلة جديدة في ظل بقاء منطقة خفض تصعيد واحدة فقط في إدلب، وللقمة أهمية جوهرية إضافية، أن ثلاثي أستانة (روسيا تركيا إيران) مازال هناك الكثير أمامه في الساحة السورية وخصوصاً إدلب التي يخيم الغموض على مصيرها حتى اليوم في ظل استمرار وجود منظمات مصنفة على قائمة الإرهاب فيها وهو ما يجعلها هدفاً عسكرياً لأكثر من طرف.

فعلى الرغم من تعرض مسار أستانة السوري، بين أنقرة وموسكو وطهران، لهزات عدة في الآونة الأخيرة،

كثير من الغموض يخيّم على مصير مناطق كثيرة في الشمال السوري الممتد على أربع محافظات، إدلب وحلب وحماة واللاذقية، لا سيما بعد سيناريو درعا وتخلي واشنطن العلني عن دعم المعارضة في الجنوب السوري.

إلا أنه يبقى حاجة مشتركة ثلاثية، تتقاطع في أكثر من جانب مع حاجة سورية – سورية (نظام وفصائل عسكرية معارضة) في شق منها لوقف التمدد الانفصالي الاستيطاني الذي تدعمه واشنطن، تحت غطاء محاربة "داعش".

كثير من الغموض يخيّم على مصير مناطق كثيرة في الشمال السوري الممتد على أربع محافظات، إدلب وحلب وحماة واللاذقية، لا سيما بعد سيناريو درعا وتخلي واشنطن العلني عن دعم المعارضة في الجنوب السوري، بعد أن كانت طرفاً ضامناً في اتفاق التهدئة هناك، إلا أن مستقبل إدلب بات يتصدر معظم التصريحات السياسية والإعلامية، بالإضافة إلى تحذيراتٍ من مختلف الأطراف بشأن الكارثة الإنسانية التي تتربص بالمدينة، في حال شن أي هجوم عسكري عليها.

ولعل أبرز تعقيدات شن عملية عسكرية واسعة على إدلب تكمن في المساحة الشاسعة للمحافظة، وامتلاك المعارضة هناك أعدادا كبيرة من المقاتلين، وكميات ضخمة من السلاح الثقيل، وتعزّزت قوتها أكثر، بعد نزوح آلاف المقاتلين إليها من مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، وهو الشيء الذي يجعل أي هجوم عسكري عليها باهظ الثمن للطرف المهاجم.

استشعرت أنقرة مبكراً، الخطر الذي يحيق بإدلب، وبعض مناطق الشمال، واتصال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل أسابيع، بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وإشارته إلى أن تقدُّم قوات النظام السوري نحو الشمال، بشكل مماثل لما حصل في الجنوب، يعني تدمير جوهر اتفاق أستانة، لم يكن سوى خطوة استباقية، في ظل التركيز الإعلامي الكبير على مصير الشمال السوري، وفي ضوء التقارير التي تعلن محافظة إدلب وجهة عسكرية مقبلة.

لا يرضي الوضع في إدلب اليوم وانتشار المنظمات المصنفة على قوائم الإرهاب تركيا، لكن ما تخشاه أنقرة، هو وقوع كارثة إنسانية هناك، بذريعة وجود تلك المنظمات، خصوصا بعد حشر كل أصناف المعارضة فيها، بالإضافة إلى كل الرافضين أي تسوياتٍ وتهجيرهم إلى إدلب من باقي المناطق والمدن السورية.

وبالتأكيد العواصم الأوروبية الفاعلة أقرب إلى تسوية بإشراف تركي، حتى لا تشهد المنطقة موجة نزوحٍ جديدة، على غرار ما حصل في العام 2015، إلا أن هناك صعوبة كبيرة أمام المهمة التركية، وخصوصا في ما يتعلق بمصير عناصر هيئة تحرير الشام الأجانب.

ومن الواضح أن الروس أعطوا الأتراك الكثير من الوقت للتعامل مع ما يجري داخل منطقة خفض التصعيد الوحيدة المتبقية في إدلب من انتشار لمجموعات مصنفة ضمن قوائم الإرهاب الدولي فيها، والكرة لم تزل حتى اليوم في الملعب التركي، إلا أن الواضح كذلك أن أنقرة لا تريد الدخول في صدام مباشر مع تلك المجموعات على الرغم من أنها أيضاً تقع ضمن التصنيف التركي بأنها إرهابية.

ولا يخفى أن المعارضة السورية لم تعد تتحكم باتجاه الأوضاع داخل سورية،

كل من تركيا وروسيا بحاجة للسلام في المنطقة، ويشكل هذا الأمر نقطة تلاقٍ رئيسية، بالإضافة إلى الشق الاقتصادي والطاقة، وهو ما يصبح أساساً للتعاون السياسي بين البلدين.

منذ ظهور التنظيمات الإرهابية، المتطرّفة منها والانفصالية، وسيطرتها على مناطق واسعة في الجغرافيا السورية، وهو ما جعل الأولويات تتغيّر لدى القوى العظمى والإقليمية في تعاملها مع الحالة السورية.

كل من تركيا وروسيا بحاجة للسلام في المنطقة، ويشكل هذا الأمر نقطة تلاقٍ رئيسية، بالإضافة إلى الشق الاقتصادي والطاقة، وهو ما يصبح أساساً للتعاون السياسي بين البلدين، ومزيد من استمرار الحرب في سورية يجلب مزيدا من الخسائر في الجنود الروس، وكذلك انتشار الإرهاب والانفصال وعدم الاستقرار في تركيا، وفي المنطقة، على نطاق أوسع.

وتدرك موسكو أنها تغوص، يوماً بعد يوم، أكثر فأكثر، في التفاصيل السورية التي تتحول إلى مستنقع، ولدى بوتين قلق من أن أكثر من طرف إقليمي ودولي يرغب في أن يتحول التدخل الروسي في سورية، مع مرور الوقت، إلى استنزاف.

أجلت تركيا وروسيا بعض المشاكل في الملف السوري (الانتقال السياسي، وضع المعارضة العسكرية المدعومة تركياً، علاقة موسكو بالامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني، وأزمة إدلب) وتمكنت الدولتان من العمل بشكل "منسجم"، ما أوصل إلى المرحلة الحالية من الحرب السورية.

من المؤكد، أن انتشار نقاط عسكرية تركية حول إدلب ومناطق أخرى تسبب بالإزعاج لطهران، في حين أن روسيا دعمت الوجود التركي في المنطقة لأنها تنظر إلى الأمور من منظور مختلف، يكشف أن التفاهمات التركية الروسية في أفضل أحوالها، وقد تجاوزت الملف السوري و تعقيداته.

يبقى القول، بينما أفسدت الحروب السورية ذات بين تركيا والولايات المتحدة، عززت وعمقت علاقات أنقرة- موسكو على نحو غير مسبوق.

شارك برأيك

أشهر الوسوم