وقفات خاطفة مع العدوان الإسرائيلي على غزة

تاريخ النشر: 07.06.2021 | 06:17 دمشق

ما زال الفلسطينيون والإسرائيليون يجرون عملية التقييم الداخلية للعدوان الأخير على غزة، بين الإيجابيات والسلبيات، المكاسب والخسائر، وهو سلوك طبيعي تجريه مختلف الأطراف المتقاتلة بعد أن يذهب غبار المعركة، وتتوقف المدافع والطائرات عن القصف.

لعل الوقفة الأولى التي ينشغل بها الإسرائيليون حتى اليوم أن الحرب على غزة انتهت من دون حصول إسرائيل على ما تسمى "صورة انتصار"، لأنه طوال الوقت واجهت إسرائيل صعوبة في تقديم روايتها للمجتمع الدولي، رغم محاولاتها الحثيثة لإقناعه عبر وسائل شتى، والنتيجة الإجمالية أن صورة النصر تعني صفرا، ليس أكثر، رغم أن صورة النصر هذه بدت لإسرائيل مهمة جدا، بدليل أنها أطالت أمد المواجهة، ودخلت فيما يشبه توترا مع إدارة بايدن للخروج بها، ولكن دون جدوى.

في ذروة حرب غزة، تلقت المنظومة الدعائية الإسرائيلية ضربات قاسية عندما واجهت جملة انتقادات من أقطاب في الأوساط الثقافية والفنية حول العالم، مما أكدوا بأنه لا ينبغي لإسرائيل قصف غزة، خاصة الأبراج السكنية الشاهقة، لأن تدمير مبنى سكني يعتبر جريمة حرب، نعم جريمة حرب، ولا أقل من ذلك.

من الواضح أن إسرائيل اختارت عدم القيام بعدة أمور حتى خسرت هذه الصورة، رغم أن التحدي الاستخباري الذي قدمته المقاومة لم يمنح إسرائيل صورة النصر المنشودة، كما أنه لم يكن هناك زعيم إسرائيلي يقف أمام الكاميرات، ويجيب على الأسئلة في أثناء القتال، في الوقت الذي انتشرت فيه الهاشتاغات (أنقذوا الشيخ جراح) و(غزة تتعرض للهجوم).

رواية الطرف الآخر أبسط، فقط قل "فلسطين حرة"، وحينها سيصفق الجميع لأنها مرتبطة بالروايات التقدمية حول العالم

يوجه الإسرائيليون انتقادات حادة إلى أن الجهود الحكومية للرد على الحملات الفلسطينية والعربية لم تكن موحدة، وبدا عملها غير منظم مقارنة بالطرف الآخر، فلم تستخدم إسرائيل الأدوات التكنولوجية الأساسية لجمع المعلومات، ونشرها على مختلف الجماهير المستهدفة، ولم يكن هناك أحد يتحكم في الرواية الإسرائيلية التي تصدر، في حين أن رواية الطرف الآخر أبسط، فقط قل "فلسطين حرة"، وحينها سيصفق الجميع لأنها مرتبطة بالروايات التقدمية حول العالم.

كما أن حسابات الحروب الحديثة لا تتعلق بـ "القضاء على المسلحين" أو "تدمير الأنفاق"، مما أوجد صعوبات جمة أمام موقف الاحتلال على صعيد ما تسمى بـ "معركة الوعي والحرب على الرواية"، لأنه بعد انتهاء القتال في غزة، كان السؤال الأكثر إلحاحا بين الإسرائيليين عمن انتصر في المعركة، دون توفر إجابة حاسمة، لأنه قبل الإجابة عن السؤال يتذكر الإسرائيليون أن المعركة الأخيرة خلقت تقاربا بين القدس وغزة، وطالما أن هذا التقارب ثابت في العقل، فإسرائيل في مشكلة صعبة.

هذا يؤكد أن المعركة لم تنته بعد، لأنه لم يتم التقاط صورة الانتصار في ختامها، ولعل إجراء مقارنة بين الحرب الأخيرة 2021 مع حرب 2014، لا تنتهي بإحصاء الصواريخ التي أطلقت على الجبهة الداخلية، وبالتأكيد ليس بعدد القتلى من المسلحين، أو بطول أميال الأنفاق التي دمرت، هذه مهمة ومؤثرة عمليا، لكن بعضها في السياق العقلي محدود للغاية، وبالتالي فإذا لم يتم إعادة أسرى تلك الحرب 2014 فإن أي صورة انتصار إسرائيلية ستمحى تماما.

تعود هذه الاستنتاجات الإسرائيلية المتشائمة من الحرب في جزء منها إلى أن إسرائيل أثبتت فشلها في سياستها الدعائية، ولعل الفشل بدأ في تكرار الناطق باسم الجيش لعبارة "مترو حماس"، ورغم أن المقصود إسرائيلياً هو منظومة الأنفاق تحت الأرض، لكن القراء في لندن أو نيويورك الذين قرؤوا أن إسرائيل دمرت مترو غزة، ظهرت أمامهم صورة مختلفة تماما، وتتمثل بتدمير البنية التحتية المدنية في جميع الحالات.

وقفة ثانية لازمة من نتائج الحرب في غزة، ترتبط بقرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية ضد إسرائيل للتحقيق في جرائمها الحربية، مما سيزيد من فرص اتخاذ قرارات دولية سلبية ضدها، يمكن الاستفادة منها في أنشطة حركة المقاطعة، صحيح أننا أمام "لجنة منة دون أنياب"، لكن الإعلان عنها يعتبر إشكالية كبيرة لإسرائيل.

من الواضح أن إسرائيل لن تتعاون مع لجنة التحقيق هذه، كما حدث مع لجان تحقيقات أخرى أعقبت حربي غزة السابقتين 2008 و2014، لكن هذا القرار الجديد يعتبر إشكاليا للغاية بالنسبة لإسرائيل، نظرا لعدة أسباب، أولها أن هذه لجنة تحقيق بصلاحيات غير محددة، ما يعني أساساً فحصاً مستمراً لانتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، وثانيها أن تفويض اللجنة واسع جدًا ليس فقط في المناطق الفلسطينية، ولكن أيضًا داخل إسرائيل نفسها، ومن المتوقع أن يكون هذا وسيلة لزيادة التدخل فيها، خاصة فيما يتعلق بفلسطينيي 48.

جانب آخر يقلق إسرائيل من هذه اللجنة الدولية أنها لا تشمل فقط الانتهاكات الإسرائيلية في جولة العدوان الأخيرة في غزة، بل يتضمن تفويضها أيضًا التعامل مع الأسباب العميقة لهذه المواجهة، والتمييز المنهجي والقمع الذي تمارسه إسرائيل على أساس المواطنة والجنسية والعرق والدين، وسيسمح هذا التفويض للجنة بمناقشة شكاوى منظمات حقوق الإنسان حول ممارسات تمييزية من جانب إسرائيل تشكل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي.

كل هذا يضاف إليه أن فتح تحقيق ضد إسرائيل يعطي دفعة لجهود نزع الشرعية عنها، ويزيد الضغط الدبلوماسي عليها، وستكون اللجنة قادرة على استدعاء الشهود، لأنه في الأيام الأولى للقتال، أوضحت مدعية المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي باتو بنسودا أن لديها أيضًا تفويضًا للتحقيق في أحداث حرب غزة، وحذرت من التردد في جمع المعلومات والأدلة حول الاشتباه بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات إنسانية.

وقفة ثالثة لابد منها تتعلق بالموقف اللافت الذي اتخذه فلسطينيو 48 أمام السلطات الإسرائيلية، لأن الجمهور الإسرائيلي خدع نفسه سبعة عقود كاملة حين اعتقد بأن الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وبين فلسطينيي الداخل سينجح، وأنهم سينسون أنهم جزء من نفس الشعب الفلسطيني.

لقد اعتاد الإسرائيليون التعامل مع الصواريخ التي تتساقط عليهم من غزة، والقصف الإسرائيلي على القطاع، واعتقدوا أنه بركان متفجر بين الحين والآخر، وكأنها ظاهرة طبيعية لا يوجد ما يفعلونه من أجل وقفها، وفي الوقت ذاته، زعموا أن العنف في البلدات العربية داخل إسرائيل في بداية حرب غزة، سقط عليهم من العدم، وهذا غير صحيح.

اليهود يحبون أن يخدعوا أنفسهم بأن الفصل الذي قطعوه بين فلسطينيي الضفة وغزة مع فلسطينيي الداخل كان ناجحًا

إن مشاهد مهاجمة العرب واليهود لبعضهم البعض داخل مدن اللد والرملة ويافا وحيفا وغيرها، والخوف من مغادرة المنزل، تشير إلى أن اليهود لا يفهمون حتى الآن كيف أنهم لم يروا إرهاصاته مسبقاً، بزعم أن العلاقات بين اليهود والعرب تتقوى وتتحسن، لكنهم في الوقت ذاته لم يتوقعوا ذلك، لأنهم أنكروا حقيقة أن هناك دولتين تعيشان في إسرائيل، ولأن اليهود يحبون أن يخدعوا أنفسهم بأن الفصل الذي قطعوه بين فلسطينيي الضفة وغزة مع فلسطينيي الداخل كان ناجحًا.

هذه المزاعم اليهودية جعلتهم ينسون أن الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل هم جزء من نفس الأمة الفلسطينية التي تحطمت إلى أشلاء عام 1948، ولا يزال الكثير من اليهود يعتقدون، أن الفلسطينيين في إسرائيل سينسون هذه الحقيقة مقابل المسائل الاقتصادية، وصوروا لأنفسهم بأن لديهم القدرة على إنتاج عمليات "إضفاء الطابع الإسرائيلي" عليهم، وعندما لم يحدث ذلك، فتحوا أعينهم أمام مفاجأة الواقع.

لقد أكدت الأسابيع الأخيرة أن العرب واليهود داخل إسرائيل يقفون على أرض متفجرة، صحيح قد يكون ملائما الاعتقاد أنه من الممكن شراء بعض الأقليات غير اليهودية بحقوق فردية، وفي نفس الوقت الاستمرار بالحفاظ على دولة قومية دون الاعتراف بالحقوق المجتمعية والقومية للآخر، لكن المشكلة أن هذا "الآخر العربي" لا يريد ولا ينوي الاستسلام.

صحيح أن إسرائيل ليست الوحيدة في العالم التي تعيش داخلها عدة دول، فهناك البرازيل ومقدونيا وسويسرا والهند، لكن العرب فيها ليسوا أقلية صغيرة تصادف أن وجدوا أنفسهم في دولة يهودية، لأن التصور السائد بين الجمهور العربي السائد أنهم جزء من الشعب الفلسطيني، فيما ترى إسرائيل نفسها أنها دولة قومية واحدة، وتطلب من العرب الذين لا ينتمون إليهم أن يجلسوا بهدوء، ويصمتوا، وهذا بالطبع لن يحدث.

إن الحقيقة الماثلة أمام قطاعات كبيرة من الإسرائيليين واليهود أن هناك أمة عربية أخرى تعيش هنا في داخل إسرائيل، مع اللغة والثقافة والتاريخ، ولا يمكنها محوهم من خلال تشريع أو قانون، ما يتطلب منها التوقف أولاً عن كتابة قصص كاذبة، وتعترف بالواقع، وتتوقف عن معاملة العرب في إسرائيل على أنهم "غير يهود"، وبالتالي تتحلى بالشجاعة لسماع الرواية الفلسطينية، إن استطاعت ذلك.

تركيا تعلن خلوها من متحور "أوميكرون"
جنوب أفريقيا.. الدول تعاقبنا بدلاً من الثناء لاكتشفانا المتحور الجديد
ألمانيا.. الاشتباه بأول إصابة بمتحور "أوميكرون"
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي
لماذا تدعم الجزائر التطبيع العربي مع النظام السوري؟