وثائق تكشف تورط إيران في اغتيال السفير الأميركي بليبيا

تاريخ النشر: 25.08.2020 | 11:49 دمشق

إسطنبول - تلفزيون سوريا

كشفت صحيفة "نيويورك بوست"، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تملك كنزاً من الوثائق المفصّلة، حول تورط إيران بشكل مباشر بهجمات أيلول 2012 على مدينة بنغازي الليبية، والتي راح ضحيتها أربعة دبلوماسيين أميركيين من بينهم السفير الأميركي في ليبيا ج. كريستوفر ستيفينز.

ولفتت الصحيفة أن العناصر البيروقراطية في الدولة العميقة عملت على دفن تلك الوثائق تحت طبقات من السرية دون سبب واضح واستمر هذا الوضع على حاله حتى اليوم.

وعلمت الصحيفة، من خلال مصادر استخبارية خاصة، بوجود ما لا يقل عن 50 وثيقة حذرت من العمليات الاستخبارية الإيرانية في بنغازي، بعضها توقع بشكل محدد الهجوم على دبلوماسين ومرافق أميركية في ليبيا.

وفيما يأتي ترجمة تلفزيون سوريا لتحقيق  الصحيفة الأميركية كاملا:

تتربع الوكالات الاستخبارية الأميركية على كنز دفين من الوثائق المفصلة حول تورط إيران بشكل مادي ومباشر بهجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر على بنغازي بليبيا في عام 2012، والتي راح ضحيتها أربعة أميريكيين، إلا أن العناصر البيروقراطية في الدولة العميقة عملت على دفن تلك الوثائق تحت طبقات من السرية دون سبب واضح، واستمر هذا الوضع على حاله حتى اليوم.

فمن خلال ضباط يعملون لدى وكالة الاستخبارات المركزية ومتعاقدين عسكريين ومصادر لدى القوات الخاصة الأميركية علمت بوجود ما لا يقل عن 50 وثيقة حذرت من العمليات الاستخبارية الإيرانية في بنغازي، بعضها توقع بشكل محدد الهجوم الإيراني على دبلوماسيين ومرافق أميركية، وقد ظلت تلك الوثائق طي الكتمان دون أن يتمكن أحد من الوصول إليها بمن فيهم لجنة الاختيار المعينة في بنغازي والتي ترأسها المندوب الأميركي السابق تري غودي.

فلقد قامت عناصر تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي وقيادة عمليات القوات الخاصة المشتركة في بنغازي وطرابلس بمراقبة العمليات الإيرانية في بنغازي خلال الأشهر التي سبقت الهجمات. وبالفعل، وبحسب ما ذكره لي متعهد عسكري من القطاع الخاص تواصل معي من بنغازي في شهر شباط/فبراير من العام 2011، فإن قوات من فيلق القدس أخذت تتجول بشكل علني وصريح في شوارع بنغازي خلال الأيام الأولى للانتفاضة التي قامت ضد القذافي، حيث كان وجودها في ذلك الحين أشبه بالسر المكشوف.

وبحلول صيف عام 2012، حذر ضباط في الاستخبارات الأميركية والأمن القومي في بنغازي وطرابلس حسب تسلسل القيادة في تلك المؤسسات وشمل ذلك السفير ج. كريستوفر ستيفينز، من استعداد الإيرانيين لهجوم إرهابي على مجمع أميركي في بنغازي، وقد دفعت تلك الاستعدادات المتزايدة بقائد العناصر التي تقوم على حماية وتأمين السيد ستيفينز وهو الكولونيل آندي وود إلى إرسال برقية لأحد الضباط القادة لديه في حزيران/يونيو من العام 2012 تدور حول حصول ميليشيا تدعمها إيران تعرف باسم أنصار الشريعة على دعم مالي من إيران، وقيام أفرادها بإرسال زوجاتهم وأولادهم إلى بنغازي بحسب ما ذكره لي شخص سبق وأن اطلع على ما ورد في تلك الصفحات.

وحتى اليوم لم تنشر الحكومة الأميركية سوى حفنة من تلك الوثائق التي تم تمحيصها بعناية والتي تدور حول عمليات إيران في بنغازي. وخلال فترة حكم إدارة أوباما، تعرض مسؤولون علموا بوجود فيلق القدس في بنغازي، بينهم متعاقدون في القطاع الأمني دافعوا عن المبنى الملحق بوكالة الاستخبارات المركزية في حرب دامت 13 ساعة ضد الجهاديين، إلى تهديد بالملاحقة القانونية في حال قام أحدهم بالكشف عما يعرفه، ومن بينهم مدير وكالة استخبارات الدفاع حينها الجنرال مايكل فلين.

إلا أن الوثائق المالية التي قدمتها إحدى المصادر الإيرانية، والتي لم تخضع للسرية التي تفرضها الحكومة الأميركية، تسلط ضوءاً جديداً على مدى تورط الحكومة الإيرانية في تلك الهجمات.

وهذه الوثائق التي تشتمل على حوالة مصرفية بقيمة 1.9 مليون يورو ضمن عملية غسيل أموال معروفة لفيلق القدس في ماليزيا، لم تنشر قبل أن يقوم مصدر إيراني بمنحي الإذن بنشرها مؤخراً مع وثائق أخرى، تظهر كيف استخدمت إيران النظام المالي الدولي لتوريد الأموال للقيام بعمليات خاصة بها في بنغازي.

هذا وقد عهد الإيرانيون إلى لبناني اسمه خليل حرب بمهمة تجنيد وتدريب وتجهيز قوات ميليشيا أنصار الشريعة المقاتلة، وهذا الرجل هو مسؤول رفيع لدى حزب الله، تعرفه سائر وكالات الاستخبارات الغربية. وبعد فترة قصيرة من وقوع هجمات بنغازي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن جائزة وقدرها 5 ملايين دولار أميركي لمن يدلي بمعلومات تسهم في اعتقال هذا الرجل، ولم يكن ذلك بسبب الدور الذي لعبه في بنغازي، بل بسبب العمليات الإرهابية الواضحة وضوح الشمس التي وقعت في لبنان.

وخلال ترأس هيلاري كلينتون أو جون كيري لوزارة الخارجية الأميركية كان الاعتراف بتورط هذا العميل الإيراني في هجمات بنغازي يعني إماطة اللثام عن التعتيم الاستثنائي على مخططات إيران الخبيثة، والتي استمرت حتى اليوم عبر عملاء في الدولة العميقة قاطعوا العديد من الطلبات التي تم تقديمها بموجب قانون حرية المعلومات والهدف منها هو نشر تلك الوثائق الإيرانية الخاصة ببنغازي.

ففي بداية الأمر، شرع حرب في التعرف على الجهاديين الليبيين وتجنيدهم، إذ ذكر لي المصدر الإيراني الذي اعتمدت عليه بأن مراسلاً وصل إلى بنغازي في جعبته ما يعادل 8 ملايين إلى 10 ملايين دولار على شكل أوراق نقدية من فئة 500 يورو وذلك قبل ثلاثة أسابيع من وقوع تلك الهجمات. وقد أرسلت تلك الأموال من حسابات تابعة لفيلق القدس في ماليزيا من بنك الاستثمار الإسلامي الأول، وهو عبارة عن واجهة للحرس الثوري الإيراني يديرها باباك زانجاني وهو رجل ثري يبلغ من العمر 41 عاماً ويلقب نفسه بالباسيجي المالي/ أي رجل ميليشيا الأموال.

babak-zanjani-ali-reza-ziba-halat-monfared.jpg
باباك زنجاني (يسار) وعلي رضا زيبا الإيرانيان المتورطان بتمويل الإرهاب في ليبيا

 

وفي مقابلات أجراها معه صحفيون إيرانيون وغربيون، تباهى زانجاني بقيامه بغسل أموال النفط لصالح النظام ليتجاوز بذلك العقوبات المالية الدولية الخانقة. كما زعم أن ثروته تبلغ حوالي 13.5 مليار دولار، وتفاخر بمزجه للنفط الإيراني في المناطق البحرية الحرة بالنفط العراقي والإماراتي ثم بيعه على أنه نفط مصدره أي مكان آخر غير إيران.

وقد ذكر في إحدى مقابلاته بأن الولايات المتحدة اتهمته بارتكاب 272 انتهاكاً بسبب قيامه بغسيل الأموال، وتفاخر بذلك وكأنه وسام شرف، كما أعلن أن مبلغاً يعادل ملياري دولار تقريباً ترتب على مبيعات النفط الإيراني للنظام كان قد عمل كسمسار لها في تلك الصفقات ظل عالقاً في الخارج بسبب العقوبات الأميركية. وفي أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2013، ألقى النظام الإيراني القبض على هذا الرجل بهدف إعادة تلك الأموال إلى البلاد، ولإسكاته أيضاً.

monfared-wiretransfer-Aug2011.jpg
وثيقة تؤكد استخدام إيران النظام المالي الدولي لتحويل الأموال بهدف تمويل عملياتها في بنغازي

 

وتعتبر شركته التي تعمل في كوالالمبور ولابوان بماليزيا والتي تعرف باسم شركة النفط الآمن الدولية من أهم العناصر الأساسية لمجموعة شركاته التي تعرف باسم سورينيت، وقد استعان زانجاني بتلك الشركة للتمويه على أصل النفط الإيراني الذي باعه في الأسواق الأجنبية. ويعتبر شريكه في هذه الشركة من الشخصيات المرتبطة بالنظام الإيراني واسمه علي رضا زيبا مالات منفرد، وشقيق هذا الرجل كان نائباً لوزير الاستخبارات في إيران.

وبحسب ما أورده أحد الشركاء السابقين لمنفرد، زودني بهذه الوثائق وبتسجيل صوتي مفصل يثبت تورطه في عمليات فيلق القدس ببنغازي، فقد بدأ منفرد بنقل أموال فيلق القدس إلى شمال أفريقيا خلال عام 2009 تحت ستار: الاستثمار في قطاع السياحة بالمغرب. كما لهذا الرجل علاقة عمل تربطه بخليل حرب الذي زاره في ماليزيا قبل العمليات التي تمت في بنغازي ليتعلم منه طريقة نقل الأموال مع التكتم عليها.

وعندما بدأت شبكة منفرد وزانجاني التابعة لفيلق القدس بنقل الأموال إلى بنغازي في عام 2011، استخدمت تلك الشبكة النظام المصرفي الدولي لتموه وبكل وقاحة تلك الدفعات على أنها استثمارات في القطاع العقاري، وذلك مع وصول الانتفاضة المناهضة للقذافي إلى ذروتها وتعرض معظم أنحاء البلاد للدمار.

وثمة تأكيد بوصول حوالة مصرفية بمبلغ 1.9 مليون يورو مؤرخة في الرابع عشر من آب/أغسطس من عام 2011، يظهر طريقة عمل تلك الشبكة بدقة.

فأصل الأموال يعود لمصرف الاستثمار الإسلامي الأول الذي يملكه زانجاني في لابوان بماليزيا، والذي صنفته وزارة الخزانة الأميركية في الحادي عشر من نيسان/أبريل من العام 2013 على أنه مصرف يقوم بغسل أموال الحكومة الإيرانية.

ومن ماليزيا يتم إرسال الأموال عبر بنك إنتركونتينينتال آراب في باريس، تحت نظر العيون الساهرة لأحد المقربين من زانجاني ومنفرد. لتصل تلك الأموال بنهاية المطاف إلى شركة إنشاءات في بنغازي لديها حساب في فرع مصرف الإجماع العربي.

وتشير الحوالة السريعة إلى أن الأموال مقيدة برقم عقد محدد وبأنها قد استخدمت مثلاً لبناء ثكنات عسكرية مخصصة للمتطوعين الجدد لدى خليل حرب.

ومع تسارع مخططات العمليات بالنسبة لهجمات بنغازي خلال صيف عام 2012، أرسلت إيران أحد الضباط رفيعي المستوى في الحرس الثوري لديها وهو الجنرال مهدي رباني، إلى بنغازي وادعت بأنه عضو في الفريق الطبي التابع للهلال الأحمر الإسلامي، كما كشفت في كتابي الصادر عام 2014 والذي يحمل عنوان: "قوى الظلام: حقيقة ما حدث في بنغازي". كما شرع هؤلاء أيضاً بالاستعانة بالمراسلين لنقل الأموال إلى فرق العمليات الموجودة على الأرض.

chris-stevens.jpg
السفير الأميركي في ليبيا ج. كريستوفر ستيفينز والذي قُتل في الهجوم مع ثلاثة دبلوماسيين آخرين

 

وقد أصدرت القيادة الأميريكية في أفريقيا بياناً في صيف عام 2012 كشفت فيه عن تدفق الأموال والسلاح من إيران إلى مصر فليبيا، بيد أن هذا البيان، إلى جانب وثائق تابعة للقيادة ذاتها تتصل بالوجود الإيراني في بنغازي قد منعت عن الصحفيين وأي منظمة من خارج تلك القيادة مثل منظمة جوديشال ووتش وذلك بموجب العملية التي يفرضها قانون حرية المعلومات.

وتوحي هذه الأدلة اليوم بأن هجمات بنغازي كانت عبارة عن أعمال إرهابية مولتها الدولة ضد أميركا بأوامر من القيادة العليا للجمهورية الإسلامية في إيران، وتم تمويلها عبر بيع النفط الإيراني، وقد اشترك في هذه العملية عدد من الوكالات والجهات التابعة للحكومة الإيرانية، بالإضافة إلى بعض الجهات المصرفية والمالية التي تعمل في ماليزيا وفرنسا وليبيا. 

إلا أن المدير الجديد للاستخبارات في البلاد وهو عضو الكونغرس السابق جون راتكليف فقد اشتهر بقول الصدق واحترامه لحق الناس بمعرفة الحقيقة الكامنة وراء التعتيم السياسي.

والحق يقال إن مسؤولين في جهاز الاستخبارات قد عملوا على التعتيم فيما يخص التورط الإيراني في بنغازي منذ البداية، ولهذا نرجو من السيد المدير الجديد راتكليف أن يقوم بنشر الملفات التي تدور حول تورط إيران في بنغازي.