icon
التغطية الحية

واشنطن بوست: تعثر أوروبي أمام موجة الهجرة المتصاعدة

2023.04.17 | 20:03 دمشق

صورة لحطام قارب المهاجرين الذي انقلب في 27 شباط الماضي وجرفته أمواج البحر إلى إيطاليا
صورة لحطام قارب المهاجرين الذي انقلب في 27 شباط الماضي وجرفته أمواج البحر إلى إيطاليا
The Washington Post- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

عندما اصطدم مركب "العشق الصيفي" الخشبي المتداعي بحاجز رملي وتحطم، لم يكن يبعد أكثر من بضعة أمتار عن ساحل أقيم عليه منتجع بحري جنوب إيطاليا، وهو قريب بما فيه الكفاية حتى تُسمع نداءات الاستغاثة التي أطلقها المهاجرون الذين كانوا على متن المركب، هذا في حال وجود من يسمعهم، وذلك لأن الحادثة وقعت عند الساعة الرابعة فجراً، كما أن الموج العالي دفع بهم بعيداً عن اليابسة، ناهيك عن أن معظم المهاجرين، وبينهم أفغان وسوريون وغيرهم، لا يجيدون السباحة. وعندما وصل مركب إنقاذ تابع لخفر السواحل الإيطالي بعد مرور ثلاث ساعات على الحادثة، كان نصف المسافرين على متن المركب تقريباً قد غرقوا، وبينهم ما لا يقل عن 34 طفلاً.

تمثل هذه الحادثة التي وقعت في 26 من شباط الماضي واحدة من أسوأ المآسي التي وقعت في البحر خلال هذا العام، وسط موجة الهجرة المتصاعدة للقادمين من أفريقيا والشرق الأوسط والساعين للوصول إلى الدول الأوروبية، كما ألقت هذه الحادثة بظلالها اللعينة على الموقف الأوروبي الأخرق واللاإنساني بإنكاره للمشكلة، إذ في ظل غياب سياسة متكاملة قائمة على التنسيق وعلى الرحمة، ستكون النتيجة المزيد من الجثث التي سيجرفها الموج إلى الشاطئ، والمزيد من الإحساس بالذنب الذي سينتاب المسؤولين الأوروبيين.

تصاعد موجة الهجرة

في الوقت الذي أبحر فيه مركب "العشق الصيفي" من تركيا، أصبحت موجة الهجرة خلال هذا العام والتي تعتبر الأسوأ خلال سبع سنوات، تضم عدداً كبيراً من المهاجرين الأفارقة القادمين من تونس هرباً من تصاعد القمع وتراجع الاقتصاد على يد الحكومة التونسية، وهذا ما دفع إيطاليا لأن تطلق تحذيرات، بما أنها الوجهة الرئيسية للمهاجرين، حول تخطيط الآلاف من المهاجرين لخوض تلك الرحلة الخطرة مع تحسن ظروف الطقس والبحر خلال ربيع وصيف هذا العام.

تسببت موجة الهجرة المتضخمة بوفاة أعداد كبيرة من المهاجرين في البحر، حيث تجاوز عدد القتلى أكثر من 500 مهاجر فارقوا الحياة وهم في طريقهم إلى أوروبا في مطلع هذا العام، وذلك بحسب أرقام الأمم المتحدة، في حين وصل أكثر من 30 ألف شخص إلى إيطاليا، في زيادة تفوق أعداد الواصلين خلال الفترة نفسها من العام بأربعة أضعاف. وفي السادس من نيسان، أعلنت السلطات الإيطالية عن زيادتها لعمليات الإنقاذ في البحر المتوسط لتشمل أكثر من ثلاثة آلاف مهاجر كانوا على متن مراكب تعرضت لأزمات.

خطة إيطالية منفردة

وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت الحكومة الإيطالية عن إطلاق خطة للطوارئ على مستوى الدولة تمتد لستة أشهر وذلك بهدف احتواء أزمة الهجرة، إذ قال وزير الحماية المدنية وسياسات البحار، نيللو موسوميسي: "لنكن واضحين، ونقل إن ذلك لن يحل المشكلة، بما أن حلها مرتبط بتدخل عقلاني ومسؤول من قبل الاتحاد الأوروبي".

بناء على الأعداد السابقة للواصلين، بوسعنا أن نفترض بأن معظم المهاجرين يطمحون بالوصول إلى المملكة المتحدة أو ألمانيا، إلا أن هاتين الدولتين لا ترغبان باستقبال المهاجرين على الرغم من حاجتها إلى اليد العاملة، ويعتبر هذا التوجه العدائي صورة من صورة انعدام التنسيق والانسجام في الاستجابة التي تبديها دول الاتحاد الأوروبي.

بيد أن الجميع يتقاسم المسؤولية فيما قد تحول بسرعة إلى حالة طارئة، إذ إن الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي أتى عقب حالة تدهور اقتصادي بسبب الجائحة، أدى إلى ظهور حالة تضخم تجسدت بارتفاع أسعار الوقود والغذاء وغيرها من السلع، وهذا بدوره زاد من سوء الأوضاع في جنوبي الصحراء الكبرى في أفريقيا، ولذلك أخذ المهاجرون من تلك المنطقة يتوجهون إلى شمال أفريقيا، حيث كانوا في البداية يصلون إلى ليبيا، إلا أن هذه الدولة فرضت حالة قمع شديدة عليهم وهددت بالويل مراكب الإنقاذ التطوعية التي تبحر قبالة شواطئها، بعد ذلك أصبح المهاجرون يتوجهون إلى تونس.

موجة الهجرة في تونس

إلا أن الرئيس التونسي المستبد، قيس سعيد، صار يدعم ويؤيد ردود الفعل العنصرية تجاه المهاجرين بعدما تزايدت أعدادهم، وذلك ليصرف انتباه الشارع عن الانهيار الاقتصادي في الداخل الذي كان هو السبب في ظهوره. وهكذا صار المهاجرون يتعرضون لهجمات وتمييز زادت حدته منذ أن اتهم الرئيس سعيد في شباط الماضي "قطعان" المهاجرين غير الشرعيين بأنها أتت وجلبت معها: "العنف والجريمة والممارسات غير المقبولة" وذلك في مؤامرة على تونس تستهدف تغيير تركيبتها السكانية على حد وصفه.

دفعت تلك المزاعم التي لا أساس لها من الصحة إلى ظهور حالات إخلاء وطرد واعتداءات جسدية بحق المهاجرين، على الرغم من أن الآلاف منهم تونسيون توجهوا إلى البحر بحثاً عن فرص أفضل. وفي السادس من نيسان الحالي، رفض الرئيس سعيد الشروط التي حددها صندوق النقد الدولي، مما زاد من المعاناة التي يعيشها شعبه، بعد رفضه لمبلغ 1.9 مليار دولار قدمت إليه ضمن خطة إنقاذ.

كان الاضطراب المستمر الذي تعيشه تونس أحد الأسباب التي دفعت إيطاليا لأن تتوقع محاولة 900 ألف مهاجر تقريباً الإبحار إلى أوروبا، ولذلك تعهدت جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء الإيطالية من اليمين المتطرف، منذ ترشحها بوقف وصول المهاجرين إلى بلدها، إلا أن مخططاتها تعثرت، ما دفعها إلى الضغط على صندوق النقد الدولي ليقدم المال لتونس حتى بعد رفض الرئيس سعيد قبول الإصلاحات التي ارتبطت بهذا القرض.

خطة ميلوني

من حق ميلوني أن تطالب أوروبا بمساعدتها في خطة إعادة توطين المهاجرين، بما أن نسبة ضئيلة منهم تود البقاء في إيطاليا، فمن بين المقترحات المعروضة، طالبت ميلوني الاتحاد الأوروبي بتقديم الأموال لدول شمال أفريقيا مقابل وقف تدفق المهاجرين وقمع المهربين الذين يتربحون على حساب الفئة الأولى، إلا أن مناشداتها لم تتمخض عن أي نتيجة حتى الآن من قبل شركائها في الاتحاد الأوروبي، وبينهم الكثير من الدول التي استقبلت الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين.

وفي تلك الأثناء، زادت ميلوني من حدة تلك الأزمة عبر فرض قواعد صارمة على قوارب الإنقاذ التي تسيرها المنظمات الخيرية، إذ مثلاً، فرضت عليها الإبحار من موانئ بعيدة على الساحل الإيطالي عند توجهها لانتشال المهاجرين الذين يعانون من مشكلة ما، وحددت الوقت الذي بوسعهم إمضاؤه في البحث عن مراكب أخرى تعاني من مشكلات، وحجتها هنا منع المهربين من القيام بعمليات التهريب وذلك عبر تمرير رسالة لهم مفادها بأنه لن تتوفر أي شبكة آمنة للمراكب التي تعترضها مشكلات، ومن المرجح للنتيجة أن تتسبب بخسائر في الأرواح لأغلب تلك الرحلات البحرية الخطرة.

قد يكون من الحكمة أن تزيد أوروبا من الممرات الشرعية أمام المهاجرين القادمين من أفريقيا والشرق الأوسط، كما سبق وأن فعلت إدارة بايدن مع المهاجرين القادمين من أميركا اللاتينية، لأن ذلك من شأنه أن يعمل عمل صمام أمان يخفف من بعض الضغوط التي تتعرض لها الدول التي يخرج المهاجرون منها، بالإضافة إلى عمله على تأمين عمالة قانونية رخيصة للمناطق التي تعاني من قلة اليد العاملة. وعلى المدى البعيد، لابد وأن يحتاج الأمر إلى مساعدة غربية، تشمل الأموال الأوروبية، وذلك للعمل على نشر الاستقرار وتأمين فرص اقتصادية للمواطنين المحاصرين في الدول الأفريقية المحرومة من كلا الأمرين بما أن ذلك ما يدفعهم  للبحث عن حياة أفضل في أوروبا.

 

المصدر:  Washington Post