هل يحسم الجنوب مستقبل الصراع في سورية؟

تاريخ النشر: 07.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

عاد الجنوب السوري إلى واجهة الأحداث خلال الأسابيع القليلة الماضية، ما أثار مجددًا أسئلة عديدة حول ما يمكن أن تسفر عنه هذه الجولة من التصعيد الذي ما يزال إعلاميًا حتى اللحظة، وفتح الأبواب أمام التكهنات فيما يخص السيناريوهات المتوقعة لهذه المنطقة ذات المعادلات السياسية شديدة التعقيد، وهو ما سيشكل اختبارًا لواشنطن أمام التزاماتها باعتبار أن الجنوب دخل خفض التصعيد بضمانة الأميركيين، ومن جهةٍ أخرى سيكون تحديًا لمدى قدرة الثورة على الوقوف بوجه طموحات النظام السوري وحليفته موسكو.

يعتقد القسم الأكبر من قوى الثورة في الجنوب أن المواجهة مع النظام باتت حتمية، وسيترتب عليها جانب كبير من حسم مصير الصراع في سورية بما ينطوي عليه من تغيير في المعادلات السياسية والميدانية وفق ما يمكن أن ينتج عن المواجهات المرتقبة، في حين يعتبر آخرون بأن الحرب مؤجلة بانتظار ما ستسفر عنه المحادثات بين موسكو وواشنطن في عمان، مرجحين أنه في حال نشوب المعارك فستكون محدودة لتمرير تسويات مؤقتة أهمها يتعلق بمعبر نصيب الحدودي.

إلا أن الواقع يشير إلى احتمالات أكثر تشاؤمًا عبر عنها بشكلٍ واضح تصريح خالد المحاميد نائب رئيس هيئة التفاوض حين قال "بأنه لا يمانع بعودة مؤسسات النظام السوري إلى عموم الأراضي السورية وخاصةً في الجنوب وفتح المعابر الحدودية مع الأردن بإشراف الأخير"،

من الصعب الجزم بما ستؤول إليه الأمور جنوب سورية، خاصةً مع اصطفاف دولي إقليمي يعارض بشدة أي انتصار للثورة السورية

الأمر الذي يؤكد مدى "اضمحلال" العناوين السياسية للمعارضة وبحثها عن أي تسوية تحافظ على المصالح الشخصية لأعضائها، بينما من المفترض أنها موجودة أساسًا "للقتال" من أجل تنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن مسار جنيف وعلى رأسها القرار 2254 القاضي بعملية انتقال سياسي كامل وناجز في سورية.

من الصعب الجزم بما ستؤول إليه الأمور جنوب سورية، خاصةً مع اصطفاف دولي إقليمي يعارض بشدة أي انتصار للثورة السورية، ويميل أكثر إلى حل يعيد إنتاج وتعويم النظام، إضافة إلى أن الجنوب ليس بعيدًا عن دفع ثمن صفقات سياسية عنوانها تفاهمات تخص الشمال كما حدث في عديد المناطق سابقًا، ورغم أن مثل هذا الاحتمال مستعبد لأن ملف الجنوب بقي بعيدًا عن مسار أستانا وغيره وظل محصورًا بتفاهمات مباشرة بين موسكو وواشنطن راعت إلى حد بعيد مصالح كل من تل أبيب وعمان، لكنه ليس مستحيلًا، وهو ما يفرض أعباء إضافية على تيار الثورة في المنطقة.

تعقيدات الجنوب والمصالح المتضاربة للأطراف الفاعلة في الصراع السوري، سيشكل مدخلًا حقيقيًا لاختبار مدى جدية واشنطن في إعادة ترتيب الملفات في سورية والزج بكامل ثقلها للذهاب باتجاه تسوية سياسية على مستوى البلاد، وقدرتها على توزيع وترسيم الأدوار الوظيفية للاعبين الإقليميين، أم أنها ما تزال في مرحلة إدارة الفوضى في الشرق الأوسط بشكل عام، ولا تستعجل أي حلول جذرية آنية على الأقل، بهدف إضعاف واستنزاف الجميع وبشكل خاص موسكو وطهران.

عديدة هي السيناريوهات المطروحة فيما يخص مستقبل الجنوب السوري، بدءًا من نموذج حكم مشترك بين المعارضة والنظام برعاية تفاهمات أميركية/ روسية/ إسرائيلية تأخذ المخاوف الأردنية بعين الاعتبار مرورًا بعودة المنطقة بالكامل إلى حكم النظام،

في جنوب سورية أيضًا تتداخل عوامل الاقتصاد بالسياسة، فيبرز معبر نصيب الحدودي كأحد أكبر العقد أمام أي تفاهمات مستقبلية

وصولًا إلى اتفاقات دولية إقليمية تجمد حالة الاشتباك بين قوى الثورة والنظام بشكل نهائي، وتحول تلك القوى إلى جيش شبه نظامي مهمته القضاء على "داعش" في الريف الغربي لدرعا، وبقايا "النصرة" في الجنوب.

في جنوب سورية أيضًا تتداخل عوامل الاقتصاد بالسياسة، فيبرز معبر نصيب الحدودي كأحد أكبر العقد أمام أي تفاهمات مستقبلية، فصائل الثورة تدرك جيدًا أن إعادة تفعليه بات مصلحة إقليمية لذلك لن تتخلى عنه بسهولة، في حين سيحاول النظام -بالاعتماد على الروس والإسرائليين- استعادة السيادة عليه، ومن هنا سيشكل "صراع" السيطرة على هذا المنفذ واحدً من أهم ملامح المرحلة القادمة جنوبًا، وربما يشهد تسوية شبيهة بما حدث في المعابر الشمالية مع تركيا، بمعنى أن يكون معبر نصيب تحت إدارة المعارضة بإشراف الأردنيين مع تثبيت نقطة خلفية للنظام السوري في أحد مناطق سيطرته يُتفق عليها.

مآلات الأحداث جنوبًا مفتوحة على كافة الاحتمالات، ويبقى سيناريو أن يذهب الجنوب نحو شكل من أشكال الحكم ذاتي مطروحًا، خاصةً مع المعلومات التي تفيد بانتشار قوات من الأمم المتحدة على بعض الخطوط "الساخنة" في القنيطرة، إلا أن إمكانية تطبيقه وتحويله واقعًا مرتبط بالسياسة الأميركية والرضا الإسرائيلي ومن جهة أخرى بأي تفاهمات نهائية محتملة متعلقة بسورية عمومًا، إلى جانب قبوله شعبيًا من فعاليات المنطقة، دون إغفال مصالح تيار الثورة وما يمتلكه من إمكانات للتأثير في أي تسويات تتعلق بمصير المنطقة الجنوبية، والتي تشير المعطيات على الأرض أنه مازال رقمًا صعبًا بإمكانه تعطيل أي اتفاق لا يراعي تلك المصالح.