هل غسل الدماء عن يديه قبل أن يدخل مهجعنا؟

هل غسل الدماء عن يديه قبل أن يدخل مهجعنا؟

الصورة
132569image1.jpg
06 كانون الأول 2019

بدأنا نشعر تدريجيا بتخفيف وطأة القمع المعمّم. اختفت الإهانات المتعمّدة، وتراجع التعذيب من أجل التعذيب. بقي الخوف، مع ذلك، وبقي التأهب، وبقيت صيحات أحمد عبّود تهز جدران المهجع حين يصيح "انتبييييه!" كلّما قرقرع في الباب مفتاح أو طرقت عليه يده يد غليظة بالمفتاح، فنهب جميعا، سواء أكنا قعودا أو نياما، صاحين أو ساهين، نعيش في ذلك العالم أم في عالم من خيالنا وأوهامنا.

صباح أحد أيام آب/أغسطس القائظة من عام 1982، بعد أسابيع من نقلنا إلى سجن تدمر، أمرَنا الرقباء أن نحزم أشياءنا. كالعادة في كلّ مرّة نتلقّى فيها هذا الأمر، بدأنا نتساءل ونتوجّس أو نتأمّل. هذه المرّة لم يعطنا السجانون الوقت الكافي لنتناقش. "معكم خمس دقائق لتضبّوا أشياءكم!" هكذا صاح بنا من سنعرف لاحقا أنه مرافق مدير السجن. ولم نكن نحتاج لأكثر من ذلك، فلم يكن لدينا على أيّ حال شيء سوى بدل داخلي ثان وربما بنطلون بيجامة آخر.  مشينا وراء المساعد في رتل أحادي من الساحة الثالثة إلى الساحة الأولى يحيط بنا العسكر من الجانبين ومعهم السياط المصنوعة

بعد العشاء مساء، انفجر الفضاء خارج المهجع بعاصفة من الأحذية العسكرية الراكضة، ولفّت الفضاءَ طاقة كهربائية عجيبة. كانت الأحذية تتراكض، وتتداخل فيما بينها.

من دواليب السيارات، دقيقة أو اثنتان، ثم نحن في مهجع آخر، أكبر وذي إضاءة أفضل. وزّعنا أنفسنا على العوازل وتقاسمنا البطانيات العسكرية، جاعلين بعضها وسائد والأخرى فراشا وتركنا بعضها للغطاء. ثمّ رحنا نتساءل همسا عن مغزى هذه الحركة. في الخارج، كانت أصوات العسكر تتناهى إلينا أكثر مما فعلت في مهجعنا الأول، فأدركنا أننا صرنا أكثر قربا من مكتب الإدارة.

بعد العشاء مساء، انفجر الفضاء خارج المهجع بعاصفة من الأحذية العسكرية الراكضة، ولفّت الفضاءَ طاقة كهربائية عجيبة. كانت الأحذية تتراكض، وتتداخل فيما بينها. أحسسنا أن العسكر في الخارج مرتبكون لا يعلمون كثيرا ما الذي يجري. خبطات أقدام على الأرض، أوامر، وتحيات عسكرية.  في الداخل، كنا ننظر بعضنا لبعض، في خشية وترقب وتساؤل صامت. لم يجرؤ أحد أن يهمس بالسؤال الذي كان يطلّ من أعيننا. ثم سمعنا صوت المفتاح الضخم يلج في القفل، مصدرا صوتا كصوت صواعق متتالية تضرب الأرض.  هبّ أحمد عبّود واقفا وصاح بأعلى ما يستطيع: "انتبييييه!" وقفنا خلال جزء من الثانية وأدرنا وجوهنا نحو الحائط، رؤوسنا على السقف وعيوننا مغلقة. فتح الباب واجتاح المهجع عاصفة من الأحذية العسكرية. أحسست أن ألف عسكري اجتاح المهجع. في ثوان تذكّرت إعدام السجناء قبل سنتين في نفس هذا المكان.

في 26 حزيران 1980، كان الرئيس حافظ الأسد يودّع ضيفه الرئيس النيجيري حسين كونتشي في قصر الضيافة في حي أبي رمانة. وعلى الدرج الضيق الخاص أمام القصر، تقدّم أحد الحرّاس من فريق حماية الأسد نفسه وألقى صوبه قنبلتين يدويتين، صُدَّت الأولى وتمّ إبعادها، واحتضن أحد أبرز مرافقيه الثانية، فلقي حتفه ونجا الدكتاتور! وتبنّى تنظيم الطليعة الإسلامية المقاتلة محاولة الاغتيال لاحقا.

في الثالثة والنصف من فجر اليوم التالي جُهِّزت مجموعتان من سرايا الدفاع، تبلغ قرابة المائة، بإشراف رفعت الأسد وصهره معين ناصيف، وبقيادة المقدم سليمان مصطفى. نقلت المجموعة في عشر حوّامات من مطار المزة، ووصلت في السادسة صباحاً إلى تدمر، حيث عقد ضباط العملية اجتماعاً تمّ فيه تحديد المجموعة التي كلّفت بدخول السجن، وسُميت "مجموعة الاقتحام". وروى بعض الناجين من المجزرة الذين التقيتهم في فرع التحقيق قبل نقلنا إلى تدمر الرعب الذي انتاب السجناء في تلك الصبيحة. لم تكن الحياة قد دبّت في السجن بعد، وقد صحا السجناء من نومهم وجلسوا ينتظرون طعام الإفطار وما يرافقه من تعذيب صباحي. ولكن حين فُتحت الأبواب، لم يدخل الطعام. بدلا من ذلك اقتحم العساكر المسلّحون المهاجع وبدأ الرصاص ينهمر على المعتقلين كالبرَد.

خلال ثوان قليلة دارت صورة القتلى في ذهني وأنا مغمض العينين، بانتظار ما لا أدريه. سمعت ورائي خبطة قدم هائلة، ثمّ صوت جبّار يهتف:

"المهجع جاهز للتفتيش سيدي المقدّم".

المقدّم. هو مدير السجن إذن. ولم تكن تلك إشارة جيدة. وسمعت من خلفي صوتا ناعما، يقول بصوت رجولي مفتعل:

"ديروا وجوهكم!"

لم أتحرك. ولا أحسب أحدا منّا قد فعل. فلا أحد كان يريد أن يكون الأول.

"ولكم ما مَ تسمعوا؟" صاح الرجل عينه. ثم سمعت الصوت الأول يصيح بنا:

"مهجع، وراء در!"

واستدرنا. عيوننا لا تزال مغلقة.

عاد الصوت الناعم الذي يفتعل الرجولة يقول:

"افتحوا عيونكن."

تردّدت لحظة، ثمّ شققت جفني قليلا عن انفراجة ضيّقة تبحث عما حولها بينما هي مستعدّة للانغلاق بسرعة عند الضرورة. كان المشهد مخيفا. ثمة دزينة من رجال الشرطة العسكرية يقفون حاجزا منيعا أمامنا مباشرة ونحن نشكل مستطيلا على جدران المهجع المربعة، وفي وسط المستطيل، وقف رجل طويل ثقيل الجثّة أشقر الشعر بعينين فاتحتين، سأعرف فيه فيما بعد مدير السجن المقدّم فيصل غانم.

كان مجرّد ذكر اسم الرجل يثير رعبا قاتلا عند الكثير من السجناء. هل قلت الكثير؟ عند كافة السجناء. قبل الاعتقال وخلاله سمعت الكثير عن فيصل غانم، عن عالم الرعب الذي خلقه حوله، ليس بين السجناء فحسب، بل وبين عناصر الشرطة أيضا، الذين كانوا يتسمّرون حين يعرفون أنه قادم صوبهم. والقصص حوله كثيرة، ولكن أكثرها تواترا حكاية أمّه التي كانت تستقبل أهالي السجناء في بيتها في اللاذقية، فتقبل منهم أموالا، وعلى الأخص ذهبا، لتؤمّن لهم زيارة لمدة دقائق يرون فيها ابنهم الذي اختفى منذ سنوات. سيقصى فيصل غانم عن إدارة السجن سنة 1984، بعد خلاف رفعت الأسد وأخيه حافظ، ويحال بشكل مخزٍ إلى إدارة التدريب الجامعي، قبل أن يموت في حادثة سيارة.

كان من الواضح أنه يستعرض قوّته وهالته ومكانته أمامنا. سار وسط المستطيل كطاووس، نافخا صدره بشكل مبالغ فيه. وبدأ يتحدث بصوته الناعم الذي يحاول تفخيمه فلا يستطيع. حاضر فينا عن الوطن والهجمة الإمبريالية والرجعية العربية وكامب ديفيد والمنظمات الظلامية. كان يتوقّف خلال سيره، فيتفرّس في وجوهنا واحدا واحدا، وحين يصل إلى رفيقنا فاتح جاموس، وهو ابن خالته، كان يهرب

 لسنوات طويلة ستلحّ عليّ صورة ضحكه الفاجر، فأتخيله في لقطة سوريالية، وهو يضحك ويغسل عن يديه دماء ضحاياه.

بعينيه بسرعة، بعيدا عنه. بين الفينة والفينة، كان يختار أحدنا ليسأله عن اسمه أو قريته؟ وحين عرف اسم أحد رفاقنا، وقف كأنه يتذكّر شيئا، ثمّ سأله:

"إنت زوجتك كمان موقوفة، ما هيك؟"

"نعم" أجاب الرفيق بنوع من الخجل والارتباك.

"وين؟"

"بكفر سوسة."

"شو رأيك جبلك إياها لون، معك؟"

ثم كأنه أحب دعابته، فانفجر بضحكة صفيقة، فاجرة.  لسنوات طويلة ستلحّ عليّ صورة ضحكه الفاجر، فأتخيله في لقطة سوريالية، وهو يضحك ويغسل عن يديه دماء ضحاياه. ختم كلامه، بحكمة فريدة: السجن، قال، مدرسة لإعادة التأهيل، وهو يرجو أن يعاد تأهيلنا، فنعود مواطنين صالحين. واستدار خارجا، فصاح المساعد من جديد: "انتبييييه. المهجع انتهى من التفتيش سيدي المقدّم." وخرجت العاصفة كما دخلت، دركلة الأحذية العسكرية تسابقت نحو الباب تحيط بسيدها. أغلق الباب علينا، وسمعنا القرقعة في الخارج وهي تتلاشى تدريجيا. مرّ زمن يتأمل بعضنا في وجوه بعض، محاولا استخلاص العبرة من هذه الزيارة. جلسنا في حلقة كبيرة حول فاتح جاموس، نحاول استقصاء رأيه، ولكنه ما كاد يتكلّم حتى فتح الباب من جديد. 

"انتبيييييه. صاح أحمد عبود. انتبهنا، وواجهنا الجدار. دخل المساعد نفسه.

"فاتح جاموس،" نادى.

"حاضر،" قال فاتح.

"تعال!"

خرج فاتح مع المساعد، وجلسنا في انتظار عودته في حلقات صغيرة نحاول أن نخمّن ما الذي يجري له الآن. بعد ساعة تقريبا، فتح الباب، وعاد فاتح، يحمل معه أعدادا من مجلّة "دراسات عسكرية".

شارك برأيك