هل تتسبّب إيران بتصادم روسيا مع إسرائيل في سوريا؟

تاريخ النشر: 29.04.2018 | 00:04 دمشق

يلوح في الأفق مؤخراً بوادر خلاف روسي-إسرائيلي على خلفية قيام الأخيرة برفع وتيرة استهدافها لمواقع تابعة للنظامين الإيراني والسوري داخل الأراضي السورية. وفي هذا السياق، لوحظ ازدياد استهداف مثل هذه المواقع عبر طائرات مقاتلة وعبر طائرات بدور طيار خلال الشهرين الماضيين. لا تعترف إسرائيل بجميع الضربات التي تقوم بها، لكن كثيرين يؤمنون بشكل جازم بأنّها تقف خلف هذه العمليات، لاسيما تلك التي تنفي الدول الأخرى القيام بها، الأمر الذي يضع القيادة الروسية في وضع حرج للغاية.

يسبب مثل هذا الأمر مشكلة للجانب الروسي لاسيما فيما يتعلق بصورته وسمعته، فضلاً عن التساؤلات حول مدى قدرته على ضبط الأوضاع بين مختلف اللاعبين في سوريا. يثير القصف الإسرائيلي المتزايد داخل الأراضي السورية تساؤلات لدى بعض حلفاء موسكو هناك عمّا إذا كانت الأخيرة متواطئة مع تل أبيب، او متسامحة معها او ربما تغضّ الطرف عن نشاطها داخل سوريا. مثل هذه التساؤلات تعدّ بمثابة اتهامات مبطّنة لروسيا، والمشكلة في هذا السياق أنّ نفي موسكو لمثل هذا الأمر قد يخلّصها من هذه الاتهامات، لكنه قد يظهرها في المقابل في موقف الضعيف العاجز عن لجم إسرائيل، وهو مشهد أسوء من الافتراض السابق بكثير.

حرصت موسكو على إظهار الجدية في إعلانها، فهذه ليست مجرد مناورة إعلامية.

حتى الأمس القريب، كان هناك ما يبدو أنّه اتفاق ضمني بين موسكو وتل أبيب على ألاّ تقوم إسرائيل بقصف أي مواقع داخل سوريا من خلال الأجواء السورية وذلك لتعفي موسكو من التبعات المتعلقة بهذا الأمر في أعين كل من النظام السوري وإيران. وربما اعتقدت موسكو أنّ مثل هذا الاتفاق  سيحدّ من حريّة تحرّك إسرائيل داخل الأراضي السورية، لكن الأخيرة ظلت تحافظ على دورها من خلال استهداف ما تريده من مواقع عبر الأجواء اللبنانية فضلا عن استخدام طائرات من دون طيار للقيام بالمهمّات المطلوبة. القصف الذي استهدف قاعدة (T4) في ٩ أبريل كان بمثابة القشّة التي قسمت ظهر البعير على ما يبدو بالنسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

فجر ذلك اليوم، تم الإعلان عن استهداف القاعدة المذكورة، وسرعان ما أنكرت عدّة دول قيامها بهذا الأمر على رأسها الولايات المتّحدة وفرنسا. امتنعت إسرائيل في المقابل عن التعليق على الهجوم، لكن وزارة الدفاع الروسية أكّدت فيما بعد أنّ القصف الذي تعرضت له القاعدة مصدره إسرائيل. سقط جرّاء هذه العملية حوالي ١٥ قتيلا، اعترفت إيران بسقوط أربعة منهم، لكن بعض المصادر أشارت الى أنّها فقدت سبعة على الأقل من عناصر الحر الثوري في هذا الهجوم.

في أبريل الحالي، اتصل الرئيس الروسي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتينياهو محذّراً إيّاه من شن المزيد من الضربات المحرجة لموسكو في الداخل السوري. الكرملين أكّد حصول الاتصال ونشر موجزاً عنه يقول فيه بأنّ الرئيس شدد خلال على ضرورة احترام تل أبيب للسيادة السورية، داعياً رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى ضرورة امتناع بلاده عن اتّخاذ أي إجراء من شأنه أن يؤدي الى زعزعة الوضع بشكل أكبر في سوريا ويهدد أمنها. لكن سرعان ما نقلت وسائل إعلام إسرائيلية فحوى الرد الإسرائيلي الذي يقول بشكل مباشر بأنّ تل أبيب لن تلتزم للمطلب الروسي، ونُقل عن نتنياهو قوله بأنّ إسرائيل لن تسمح لإيران بالاستقرار عسكريا في سوريا.

التجاذب الروسي – الإسرائيلي تواصل مع إعلان روسيا بأنّها ستزوّد نظام الأسد بمنظومة الدفاع الصاروخية (إس-٣٠٠). ولأنّ الإعلان جاء بعد الضربة الأمريكية المحدودة لبعض المواقع السورية إثر استخدام الأسد للسلاح الكيماوي، فقد جعله ذلك يبدو وكأنّه ردّة فعل على التصرّف الأمريكي، في حين أنّ الرسالة الحقيقية كانت موجّهة إلى إسرائيل. حرصت موسكو على إظهار الجدية في إعلانها، فهذه ليست مجرد مناورة إعلامية، لكن وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان، لم يترك الرسالة تمر من دون رد، فصرّح قائلاً "اذا استهدف أحد ما طائراتنا فسندمره".

فان قامت فعلاً بتزويد الأسد بهذه المنظومة فهذا يعني أنها اختارت أخيراً أن تنحاز إلى الجانب الإيراني في المعادلة السورية ضد المصالح الإسرائيلية.

خلال العقد الماضي، حرصت إسرائيل على ألا تزوّد روسيا سوريا بمنظومة (اس-٣٠٠)، وهذا هو أحد أهم الأسباب ربما في عدم امتلاك نظام الأسد لهذا السلاح. الفيتو الإسرائيلي على هذه المنظومة كان يمتد ليصل كذلك إلى إيران، لأنّ الأخيرة استطاعت الحصول على المنظومة في العام ٢٠١٦ بعد سنوات من المماطلة الروسية والتأخير في التسليم. تزويد نظام الأسد ب (إس-٣٠٠) يعني أنّه سيكون قادراً على تتبّع الطائرات الإسرائيلية عند إقلاعها من مطاراتها. ربما يصعب ذلك من مهمّة إسرائيل قليلاً لكنّه لن يغيّر المعادلة بشكل كامل، فتل أبيب تتمتّع بتفوّق هائل ولديها من القدرات ما يمكّنها من تجاوز مثل هذه المنظومات القديمة.

ما يثير المخاوف في هذا الشأن هو الرسالة التي تريد موسكو ايصالها، فان قامت فعلاً بتزويد الأسد بهذه المنظومة فهذا يعني أنها اختارت أخيراً أن تنحاز إلى الجانب الإيراني في المعادلة السورية ضد المصالح الإسرائيلية، وهذا ربما ما يقلق إسرائيل أكثر من موضوع (اس-٣٠٠) بحد ذاته. هناك من يشير إلى أنّه في نهاية المطاف، لا تريد موسكو أن يزيد نفوذ طهران على حسابها في سوريا، ولذلك فإن التوازن مهم ومطلوب، وتحجيم إيران من خلال إسرائيل قد يكون أمراً جيداً ومرغوباً به وغير مكلف بالنسبة لها، لكنّ وتيرة العمليات الإسرائيلية وحجمها بات يرتّب تكاليفاً على الجانب الروسي ويخلق حالةً من عدم الثقة بين موسكو وطهران، وهو ما ستسعى روسيا الى معالجته في المرحلة القادمة لكن من دون التضحية بتفاهماتها مع إسرائيل.