هل أزفت لحظة الانتحار؟

تاريخ النشر: 24.04.2018 | 13:26 دمشق

تأخير أو عرقلة  نظام الأسد وحماته دخول فريق المفتشين الدوليين للتحقيق باستخدام الكيماوي في دوما بَعَثَ رسائل تحدٍ في كل الاتجاهات. في كلمته قبل الأخيرة أمام مجلس الأمن، كاد ممثل نظام الأسد أن يترجى الجهات المعنية إرسال بعثة تقصي حقائق؛ وغايته بطرحه ذاك تدعيم مرافعته بأن ادعاء أمريكا وشركائها زائف ومفبرك. ربما كان الممثل بين شك ويقين أن الضربة الغربية، لمواقع تصنيع أداة القتل، قد تقع أو لا تقع؛ وربما لم يكن على علم بحجمها وطيفها: محدودة أو واسعة/ تأديبية أو قاتلة.

 معروف أن روسيا-حامية نظام الأسد- قد حالت دون مجرد التجديد للجنة التحقيق مستخدمة الفيتو.  وقبل رد الفعل الغربي، وصلت الأمور بممثلي الأسد وبوتين أن يتحديا الدول، التي أشارت بإصبع الاتهام لنظام الاسد، أن ترسل لجنة تحقيق. 

وها هي اللجنة تصل إلى دمشق؛ بداية بعد عرقلة وصولها دمشق لأيام، وبعد إطلاق النار عليها. وهنا بدأت رسائل التحدي تُرشَق بكل الاتجاهات. على رأس هؤلاء الدول الثلاث التي استهدفت مواقع لها علاقة بالكيماوي الأسدي. مفاد الرسالة: لقد دفع النظام ثمن فعلته مقدماً، فحتى لو ثبت استخدام الكيماوي فالثمن مدفوع، فلماذا التفتيش؟! والمنع يأتي علنياً؛ فما من جهة إلا النظام وأعوانه يمكن أن يطلق النار على اللجنة؛ لا للقول بأن المنطقة غير آمنة، بل للمنع العلني من الدخول؛ حتى لو قيل إن هدف المنع إخفاء الدليل. وهذا ربما جوهر التحدي والتصدي لما سمّاه النظام "العدوان الثلاثي". رسالة النظام ها هنا تقول بصراحة وقحة: إذا كان هذا ثمن ضرب الكيماوي، فاشربوا البحر. وهنا عَمَلٌ بالمثل القائل : "من تعرف ديته، اقتله".

يبقى الروس على أي حال أقل وقاحة وفجورا برسائلهم؛ فآخر إبداعاتهم بعد أن صرحوا أن كل القصة فبركة بفبركة يخرجون بقصة تقول إن الإرهابيين كانوا يخزنون الكيماوي وتسرب خلال القصف. ولا ندري إن كان ذلك استهزاءً بالعالم أم غباءً مستطيرا. على الأقل مازالوا يسعون إلى مرافعات التبرئة.

الرسالة الأهم التي يرسلها النظام في كل الاتجاهات تخص الشعب السوري تحديداً؛ إنها رسالة أساسها استراتيجية انتحارية تقول؛ " أحكمها أو أدمرها" حتى بالأسلحة المحرمة دولياً. النظام يعرف أن الدول التي أخذتها حمية الدفاع عن حقوق الإنسان والأمن والسلام العالمي تجاه استخدام النظام للسلاح المحرم والتي لم تأت على حياة أكثر من ألفي سوري؛ هؤلاء لم يرفّ لهم جفن و تباكوا خلبياً عندما قتل النظام ما يزيد على النصف مليون سوري بالقنابل العنقودية والنابالم والبراميل . 

 استراتيجية النظام تجاه رعيته/ شعبه، أو أولئك الذين وصّفهم يوما بالجراثيم أبعد مما نراه أو نعتقده في قمعيتها وتصفويتها. ومن هنا مشاهد التعذيب في المعتقلات واستخدام الأفران قصدية ومعلنة ويتم تصويرها ونشرها  وكأنها تسريبات. والغاية أن يدب الرعب الساحق الماحق في الخصم كي يكون استسلامه مطلقاً. إنه نسخة داعش "العلمانية" . أحد عناصره يقول لمن يعذب: " قل لا إله إلا بشار!"

رسائل التحدي التي يرسلها النظام في كل الاتجاهات محلياً وإقليمياً ودولياً لا يجرؤ عليها أحد حتى ولو كان انتحارياً. إنه دعم من يزعم تهديده ويرسم خطوطاً حمراء. 

إنها رحلات نتنياهو إلى واشنطن وموسكو؛ إنه قصف الطيران الإسرائيلي عند الطلب لرفع شبهات الحماية وتثبيت خديعة المقاومة والممانعة؛ إنه ثمن الخدمات التاريخية الجليلة لمحتل الأرض.

بعد سبع سنوات حقق النظام طرفي المعادلة من شعاره( الأسد أو نحرق البلد) وحققت إسرائيل ما تمنته( إما بقاء الأسد أو تحول سورية إلى حالة كسيحة لزمن يساوي زمن تحقيقه الأمان لإسرائيل)؛ سوريا الأسدية كما يشتهيانها انتهت ولكنهما نسيا أن سورية إنسان وقيمة وفكرة لا تموت، ولا تعرف الهزيمة. سورية ليست جغرافيا، أو نظاماً خدوماً، أو عمارة، أو برميل بارود. النظام الخدوم لم يعد صالحاً؛ ولن يتمكن نتنياهو أو من يجيّش دعمهم، محو سجلات الإجرام الرسمية. ربما هذا يفسر حالة توتر النظام في التحدي العلني لكل خط أحمر. إنه اليأس الممزوج بالمكابرة التي تسبق لحظة الانتحار الحقيقية.