نظام الأسد: الماضي كدليل للمستقبل

2022.05.09 | 06:48 دمشق

6322701173.jpg
+A
حجم الخط
-A

يُقال إن أفضل دليل للمستقبل هو الماضي، بمعنى أننا لو أردنا أن نخطط للمستقبل بشكلٍ جيد فلا بد لنا من دراسة ماضينا وفهمه جيداً. هذه قاعدة يحتاجها معارضو النظام السوري بشكلٍ خاص. فهذا النظام كما اتضح لنا وللعالم متجذّر ومتماسك بدرجة كبيرة سواء أحببنا ذلك أم كرهناه. النظام السوري متلاحم داخلياً كعصابة وناجح خارجياً في بناء شبكة علاقات تاريخية ساعدته في الحصول على دعم خارجي كبير ضمن له النصر على الشعب والبقاء في سدة الحكم على جماجم السوريين. فما هو نظام الأسد؟ وكيف اجتمعت له كل عوامل القوة تلك؟

انشغل كثيرٌ من الباحثين السوريين والأجانب في دراسة التدافعات العشائرية والطبقية والطائفية التي أفرزت حكّام سوريا الحالية. ونستنتج من خلال تحليلات مهمّة أتى بها المؤرخ حنّا بطاطو والسفير نيكولا فاندام ومؤخراً الزميل عبد الناصر العايد أن فترة الاستعمار الفرنسي لسوريا لعبت دوراً كبيراً في "تمسّخ" الكيان السوري الناشئ، أي التسبب بولادته كمسخ أو طفرة غير حميدة حيث تركت فرنسا وراءها جيشا سوريا مريضا بالطائفية وحواضر مدينية متعالية ما أدى لقيام صراعات لا تنتهي أعاقت نمو سوريا الدولة على أسسٍ حديثة ووصلت بنا إلى آذار عام ٢٠١١ حين تحولت احتجاجات شعبية للمطالبة بالإصلاح إلى حمّام دم مؤسف.

كغيرها من الدول الاستعمارية لعبت فرنسا على تفريق السوريين وزرع الانقسامات المجتمعية كي تبقى سوريا تابعة لها حتى بعد جلاء الجنود الفرنسيين

لقد أصاب الباحثون باستخدام المنهج التاريخي للنظر في مسألة النظام السوري لكنهم نادراً ما ذهبوا أبعد من مرحلة الاحتلال الفرنسي. ومع حصولنا على بصيرة ممتازة من دراساتٍ مهمّة في هذا المجال لنا أن نحاول زيادة هذه البصيرة بالنظر أبعد في تاريخ الكيان السوري. وقد نسأل، على سبيل المثال، هل نحن في سوريا ما نزال نعيش ارتدادات انهيار الدولة العثمانية؟ هذا سؤال مشروع جداً لأن الكيان السوري برمّته هو صنيعة المنتصرين في الحرب العالمية الأولى التي قضت على الدولة العثمانية. لقد ربحت فرنسا وبريطانيا الحرب، وقسمتا الغنائم بينهما، ثم كانت سوريا من حصة فرنسا. أتت فرنسا إلى سوريا وذهبت لكنها تركت نفوذها في الجيش والمجتمع. كغيرها من الدول الاستعمارية لعبت فرنسا على تفريق السوريين وزرع الانقسامات المجتمعية كي تبقى سوريا تابعة لها حتى بعد جلاء الجنود الفرنسيين. بهذا المعنى فإن الولادة الكاملة من رحم الدولة العثمانية لم تكتمل بعد، وأكبر دليل على ذلك عودة الأتراك إلى شمال حلب اليوم وبسط نفوذهم على إدلب مع الاعتراف بما يلقاه هذا النفوذ من ارتياحٍ وترحيب من الأهالي. فهم لم يروا من دولتهم الوطنية إلا الاستعداء والقتل على الهوية. فلماذا يحزنون؟

لكن البنية المجتمعية المختلّة التي أفرزت حكام سوريا الجدد قد تكون أعمق تاريخياً من فترة الحرب العالمية الأولى. ومن باب العصف الذهني يصبح السؤال مشروعاً إن كانت سوريا الكيان ما تزال تحمل فيروس المسألة الشرقية التي انفجرت في القرن الثامن عشر في الدولة العثمانية وأدت يومها لتدخل روسيا وفرنسا بحجة حماية الأقليات في المشرق. ألم تتدخل روسيا في سوريا اليوم؟ ألم يقل عسكريون روس زاروا مدينة السقيلبية العام الماضي إنهم هنا لحماية الأرثذوكس؟

لكن قد يكون هذا السؤال أيضاً قاصراً نوعاً ما. ففرنسا لم تتدخل في الصراع السوري مثل روسيا. لنذهب إذاً إلى ما هو أعمق من المسألة الشرقية، وتحديداً فترة الحروب الصليبية، ولنتذكر يوم شنّ الفرنسيون الحملة الصليبية السابعة بقيادة ملكهم لويس التاسع على المشرق العربي في القرن الثالث عشر. لفرنسا مطامع عريقة في سوريا جعلتها تراكم قروناً من الخبرة بمعالجة قضايا المنطقة وإدارة التحالفات فيها ونسج شبكة علاقات ناجحة. والصليبيون عموماً اجتهدوا في البحث عن متعاونين على الأرض من الناقمين على السلطة المركزية منذ حملتهم الأولى في أنطاكيا وحتى انكفائهم نهائياً عن المنطقة.

هل يفسر لنا ذلك سلوك الاحتلال الفرنسي في سوريا في النصف الأول من القرن العشرين؟ هل بحث الفرنسيون عن متعاونين كما فعل أجدادهم في الحملات الصليبية؟ واضح أنهم فعلوا وخصوصاً عندما أسسوا جيش المشرق، وهو الجيش نفسه الذي دمّر سوريا لاحقاً وقتل أهلها لإبقاء نظام الأسد في السلطة. لقد تركت لنا فرنسا جيشاً مريضاً بفيروس الطائفية ومسخ دولة تعجّ بتناقضات التاريخ البعيد وكأن احتلالها لسوريا أراد أن يعيد الحروب الصليبية سيرتها الأولى، فالأحداث مترابطة إذاً والتاريخ لم ينقطع وهو يهمس لنا أن النظام السوري هو مظهر من مظاهر العدوان الغربي المستمرّ على سوريا والشرق عموماً منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم.

قد يجد الوطنيون السوريون من المفيد لهم أن يتداعوا للتصالح مع تاريخهم ويتعاونوا لخلق سوريا من جديد على أسسٍ وطنية وسياسية سليمة بعيداً عن الانتماءات ما قبل الوطنية

فإذا كان نظام الأسد عدواً للسوريين الوطنيين الباحثين عن بناء الدولة السورية الجديدة على أسس من العدالة والديمقراطية ومساواة الجميع أمام القانون فعليهم أن يفهموا تاريخ هذا النظام جيداً حتى ينجحوا في تفكيكه. وقد ينتهي بنا الفهم الجيد إلى أن نستنتج مثلاً أن ساحة المعركة ضد عدونا الذي في دمشق هي ليست في دمشق بل في باريس ولندن وموسكو! وقد نقرر أن نذهب لنرى من يدعم بأسباب البقاء طبقة حاكمة في سوريا تابعة خائنة تبيع الوطن للخارج لتحمي امتيازاتها الخاصة. ألم يخبرنا ضباطٌ منشقون أن القصر الجمهوري يعجّ بالخبراء الفرنسيين الذين ساعدوا الأسد في قمع الثورة؟ هل نبحث في هذه الجزئية ونسائل فرنسا بلد الأنوار عن هذه الفضيحة؟ هل نذهب لبريطانيا التي ترعى ثروات الأسد في بنوكها؟ أم لأميركا التي يجمع المراقبون أنها هي من تعارض سقوط النظام؟ هل نخبر الغرب أن الحروب الصليبية انتهت وأن عليهم أن يكونوا أوفياء لقيم الحداثة والعلمانية التي أقاموا عالمنا عليها؟ هل نطلب منهم التوقف عن النضح من ليبيدو الأحقاد الدينية عندما يتعاملون مع المشرق؟ هل نطالبهم بأن يكونوا متمدنين وحداثيين فيساعدونا على التخلص من النظام المريض في سوريا والدخول في الحداثة وبناء دولة القانون لصالح الكلّ في الداخل والخارج؟ 

بالمقابل، وعن طريق الاسترشاد بالماضي لبناء المستقبل، قد يجد الوطنيون السوريون من المفيد لهم أن يتداعوا للتصالح مع تاريخهم ويتعاونوا لخلق سوريا من جديد على أسسٍ وطنية وسياسية سليمة بعيداً عن الانتماءات ما قبل الوطنية. إذا لم ننجح في عبور هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ الكيان السوري فقد يميل شطرٌ كبيرٌ من السوريين للعودة إلى الرحم العثماني ويميل شطرٌ آخر لإعادة إحياء كيانات طائفية كانت موجودة بالفعل أيام الاحتلال الفرنسي. سيتلاشى ما كنّا نراه وطناً وقد لا يحزن عليه أحد.