نصر الدين خوجة.. الضاحِك المُضحِك

2023.07.18 | 06:00 دمشق

نصر الدين خوجة.. الضاحِك المُضحِك
+A
حجم الخط
-A

استطاعت الظاهرة الجحوية أن تتغلغل في الذاكرة الجمعية لثقافات الأمم والشعوب المختلفة؛ إذ دخلت في المجال الهووي للمجتمعات التي احتفت بها وتمسكت بعراها بوصفها إحدى علامات التفرُّد الأممي، وخضعت تلك الظاهرة لتغيرات كبيرة على مدار عقود من التداول الشفاهي لنوادر نصر الدين خوجة وحكاياته ومواقفه الساخرة من السياسي، والاجتماعي، والواقع اليومي الذي تفاعلت معه بصورة مغايرة للمألوف؛ إذ تضمنت مقولات نصر الدين خوجة وأفعاله انزياحات عن القواعد المجتمعية، كما استطاعت نوادره بما تمتلكه من خصوصية فلسفية، ومواقف مضحكة تسخر من الواقع أن تدخل في نسيج الثقافة التركية؛ فضلاً عن توظيفها بأشكال خطابية متنوعة مثل الروايات، وقصص الأطفال، ورسوم الكاريكاتير، والأمثال، والحكايات الشعبية، وهي شخصية مهمة في الثقافة التركية، استطاعت أن تنمو وتتطور بقالب حكائي مثير للضحك، وناقد للواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي.

ولد نصر الدين خوجة في قرية هورتو بالقرب من سيفري حصار، وتلقى تعليمه من والده الذي كان إمام القرية، واستقر في أكشهير عام 1237م، وتوفي عام 1281م، ووفقاً لبعض الوثائق الأرشيفية من عهد السلطان محمد الفاتح فإنَّه ولد عام 1208م وتوفي عام 1284م، وأشارت بعض المصادر إلى أن نصر الدين خوجة هو آهي إفرين ناصر الدين محمود، الذي عاصر انسحاب نور الدين كيليجارسلان أمير السلاجقة، بعد الأعمال الوحشية التي قام بها المغول، ويرى فؤاد كوبرولو أن نصر الدين خوجة عاصر علاء الدين كيكيوبات، وأن الذين يتبنون وجهة النظر القائلة بعدم وجود شخص اسمه نصر الدين خوجة ينسبون بشكل عام الحكايات إلى شخص غير حقيقي كما ذهب إلى ذلك م. رينيه باسيت وبايراكتاريفيتش؛ إذ قالا إن شخصًا يُدعى نصر الدين خوجة لم يعش أبدًا. على أن الاختلاف في تاريخ وفاته أو في اسمه لا ينفي حقيقة وجوده التاريخي، وحضوره الرمزي في الثقافة التركية، التي تداولت حكاياته بما أصابها من إضافات وتحويرات وتلفيقات بحكم نزوع الثقافة الشعبية نحو السرديات المثيرة للضحك بما تمتلكه من طاقة تعبيرية تتسق ومواقف الحياة اليومية بتناقضاتها، فضلاً عن قدرتها على التخفي خلف الحكايات الجحوية لنقد الواقع السياسي، أو الاجتماعي، أو الثقافي..

وتعود أولى حكايات نصر الدين خوجة المطبوعة في الثقافة التركية إلى عام 1837م بطباعة حجرية مصورة في المطبعة الأميرية في إسطنبول بعنوان (لطائف نصر الدين خوجة)، وقد قام صبري كوز عام 1996 بتلطيف النوادر وتنقيتها مما اعتقد أنه منافٍ لصورة العالم والمُعلِّم نصر الدين خوجة، ولكن الكتاب لم يطبع حتى عام 2005، وبعد إعلان الجمهورية نُشرت نوادر نصر الدين خوجة باللاتينية من أجل تسهيل انتقال الناس إلى الأبجدية اللاتينية، وفي عام 1933 نشر فيليد جلبي نائب كاستامونو، كتاب (لطائف نصر الدين خوجة) بالحروف اللاتينية.

تتسم شخصية جحا بالذكاء وسرعة البديهة، من ذلك أنه كان ماشياً في السوق فجاءه رجل من خلفه وصفعه صفعة شديدة، فالتفت إليه وقال: ما هذا؟ فاعتذر له الصافع بقوله: عفواً يا نصر الدين خوجة ظننتك أحد أصحابي الذين لا تكلُّف بيننا، فلم يتركه نصر الدين خوجة ورفع الأمر إلى القاضي –وكان الرجل من أصدقاء القاضي- فلما رآه مع جحا وسمع دعواهما حكم للخوجة أن يصفعَ الرجلَ كما صفعه، فلم يرضَ بذلك، فحكم له القاضي بأن يدفع له الرجل عشرة دراهم، وطلب القاضي منه أن يذهب ليحضرها، ومرت ساعات ولم يأت الرجل، فتقدم جحا من القاضي وصفعه صفعة قوية، وقال له: لدي أعمال، عندما يُحضِرُ الدراهم خذها أنت. وتتسم كذلك شخصية نصر الدين خوجة بالتحامق، والقدرة على إثارة الضحك لدى السامع، الأمر الذي نجَّاه مراراً من الموت، من ذلك "أن تيمورلنك قال لنصر الدين خوجة: كما تعلم كان للخلفاء العباسيين ألقاب، أحدهم كان لقبه المعتصم بالله، والآخر المتوكل بالله، لو كنت من العباسيين فماذا سيكون لقبي؟ أجابه نصر الدين خوجة: أيها الحاكم العظيم، صدقني، كان من الممكن أن يسموك: أعوذ بالله، على أن حكايات نصر الدين خوجة مع تيمورلنك حصلت في أماكن مختلفة ومواقف متنوعة تشير إلى قدرة السخرية على الوقوف بوجه الظلم والطغيان؛ إذ كانت إجابات نصر الدين خوجة مباشرة وواضحة تحمل أمارات التحدي والتمرد باستخدام قناع التحامق، الذي جعل نصر الدين خوجة أكثر من تجرأ على تيمورلنك دون أن يُمسَّ بسوء، ومن ذلك أنَّ تيمورلنك سأل نصر الدين خوجة ذات يوم: في الآخرة أين سأكون في الجنة أو في النار؟ فأجابه الخوجة: يا سلطاني لا تشغل بالك بهذه الأمور، ماذا ستفعل عندما تذهب إلى الجنة؟ الحكام العظماء من هولاكو وجنكيز هم دائماً في النار، هل أنتم أقل منهم منزلة حتى تذهبوا إلى الجنة؟

الرمز الجحوي كان ضرورة تمليها الظروف العصيبة التي عايشها نصر الدين خوجة؛ إذ شهدت صراعات وتحولات ومعارك متعددة الأقطاب بين السلاجقة الروم والأتراك العثمانيين، والمغول

وقد كانت شخصية نصر الدين خوجة محملة بدلالات ورموز تنطوي على رسائل غير نصية توجه الانتقاد للشعب الراضخ للظلم والطغيان، كما في النوادر التي حكي فيها على لسان نصر الدين خوجة وكانت تدور حول مواجهة تيمورلنك، ولاسيما الحكاية التي أظهرت جبن الشعب بعد أن عزموا على مطالبة تيمورلنك بإبعاد الفيل عن القرية لما تسبب به من دمار وخراب للمحاصيل والبيوت، ولكن هربهم من الوفد قبل مواجهة تيمورلنك جعل الخوجة يوجه لهم صفعة بأن طلب من تيمورلنك أن يزوِّج الفيل لأن الشعب يحبه ويريد رؤية فيلة من نسله، ولذلك نظر بعضهم إلى نصر الدين بوصفه بطلاً يستطيع مواجهة تيمورلنك من دون خوف أو ارتباك لكونه شخصاً استثنائياً يحمل بعداً أسطورياً في طبيعة تفكيره وتفاعله مع المواقف المختلفة، وهذا يعني أن الرمز الجحوي كان ضرورة تمليها الظروف العصيبة التي عايشها نصر الدين خوجة؛ إذ شهدت صراعات وتحولات ومعارك متعددة الأقطاب بين السلاجقة الروم والأتراك العثمانيين، والمغول؛ لذا حضرت نوادر نصر الدين خوجة بوصفها أداة تعبير ومواجهة في وقت كان الناس غير قادرين على التعبير أو المواجهة المباشرة.

لذا فإن عدم تعيين الزمن أو محاولة جعله منفتحاً على أزمان متعددة نابع من التصاق نوادر جحا بالذاكرة الجمعية للشعبين العربي والتركي، وبهذا المعنى تغدو النوادر صالحة لكل زمان يتم استدعاؤها في المواقف الاجتماعية التي تتطلب رسالة ما يريد من يسرد تلك النوادر أن يوصلها للسامع، وقد استخدمت النوادر عبارة (في أحد الأيام)، أو (ذات يوم) وهي علامة لغوية تكسر مجال التحديد وتجعل النص قابلا للتفاعل مع أجيال متعاقبة، ولاسيَّما أنَّ السرد في النوادر كثيف يستجيب للمواقف الآنية التي تتطلب ذهناً حاضراً، وسرعة بديهة، وهو ما وفَّرته شخصية جحا، وإن وعي الذات البشرية لنفسها وإحساسها بالحركة والاستمرار مرتبط بالزمن، الذي حولته شخصية جحا إلى زمن جمعي لا يخضع لقانون الماضي- المستقبل بقدر خضوعه للحاضر بكل تحولاته وتفاعلاته مع الواقع؛ إذ إن الذاكرة الجمعية التي تكفلت بروي قصص جحا ونوادره أنتجت ثيمات حكائية لا ترتبط بالزمن الخارجي (زمن الروي) والتداول الشفاهي أو المكتوب قدر ارتباطها بحاجة الشعوب إلى الفكاهة، وإشباع الحاجة إلى الضحك؛ لذلك امتزجت نوادر جحا في الأدبين العربي والتركي بنسق أسطوري جعلها نصوصاً أدبية خالدة بفضل التداول المتنامي لحكايات جحا ومواقفه التي تثير أسئلة جوهرية عن العلاقات الإنسانية وأنماطها في المجتمعات المختلفة، مما أدى إلى تحرر النوادر من التقييد الزمني المرتبط بوقت حصول الأحداث؛ لتبقى حية ومستمرة ومتصلة بالحاضر أكثر من ارتهانها إلى الماضي.

إن ممارسة الدور النقدي الهادف الذي مثلته شخصية جحا في موروثنا الثقافي بحاجة إلى وقفة متأنية مع الذات تتأمل في أسباب إقبالنا على المحتويات العابرة للقيم والمعارف

على أننا في أمس الحاجة إلى من يمشي عكس السير لُيقوِّمَ ما اعوجَّ فينا وما تهافت من قيم وتقاليد اجتماعية كانت وما زالت تشكِّل أحد خطوط الدفاع عن المجتمع، ولا سيما في ظل الانحطاط الذي تكرِّسه وسائل التواصل الاجتماعي إلى درجة أننا أصبحنا منقادين إلى محتوى لا قيمة معرفية له، في حين يكافح ذوو المحتوى الهادف من أجل الوصول إلى شرائح مختلفة من المتابعين.

إن ممارسة الدور النقدي الهادف الذي مثلته شخصية جحا في موروثنا الثقافي بحاجة إلى وقفة متأنية مع الذات تتأمل في أسباب إقبالنا على المحتويات العابرة للقيم والمعارف، كما أننا بحاجة إلى صدمات جحوية تعيد لنا وعينا الحقيقي بدلاً من الوعي الزائف الذي يعمل على وقود الكراهية والعنصرية، لنبتعد عن تحقيق معنى الإنسانية في ممارساتنا اليومية وعلاقاتنا الاجتماعية، الأمر الذي جعل المُحرِّضين على الكراهية نجوماً تنقاد خلفهم شرائح كثيرة من المجتمعات المُضيفة للاجئين، كما أنَّ لحظات التضامن التي خلَّفها الزلزال المدمِّر أخذت تخبو رويداً رويداً؛ لذا فإنَّ البحث عن حلول جذرية يتطلب منا إغلاق صنبور المياه بدلاً من تجفيف الماء المتسرب، وهو ما كان يقوم به جُحا بوصفه حكيماً حصيفاً مرتدياً قناع المجنون ليتحرر من أسر المساءَلة ويمارس نقده الاجتماعي اللاذع من دون اكتراث لما يقوله الناس، ولعل كثيراً منا يرغب في التستر خلف قناع جُحا ليعبِّر عن رأيه الصريح من دون أية عوائق أو تقاليد ترسم مسارات الخطاب وتؤطره أو تقولبه بما ينسجم والمصالح الاجتماعية أو الاقتصادية لهذه الفئة أو تلك، الأمر الذي قد يفسر غير قليل من حالات تبديل الأقنعة، التي مارسها بعضهم في التحول من اليمين إلى اليسار تماهياً مع من يفرض حكمه تحت ما يسمى حكْم الأمر الواقع.