icon
التغطية الحية

نزوح صامت... سوريون يبيعون بيوتهم في محيط القنصلية الإيرانية بدمشق

2024.05.12 | 05:21 دمشق

القنصلية الإيرانية في دمشق عقب الغارة الإسرائيلية ـ AFP
القنصلية الإيرانية في دمشق عقب الغارة الإسرائيلية ـ AFP
دمشق - حنين عمران
+A
حجم الخط
-A

شهدت منطقة "المزة أوتستراد" في الأسبوعين الأخيرين من شهر نيسان، نشاطاً غير مسبوق في سوق العقارات، حيث عرض سكان في المنطقة بيوتهم للبيع بأسرع ما يمكن.

يُسلط هذا التقرير الضوء على دوافع الأهالي للبيع وقلقهم المتزايد من وجود الإيرانيين بينهم ورفضهم للتمدد الفارسي الذي لا يستطيعون التصريح به لأسباب معروفة. إلى جانب توضيح بعض المستجدات الحاصلة في محيط القنصلية الإيرانية في الآونة الأخيرة بعد القصف الإسرائيلي.

التمدد الإيراني في دمشق

اضطر عدد كبير من الأهالي القاطنين في منطقة "المزة أوتستراد" بدءاً من محيط مركز MTN   والبنك الدولي الإسلامي، وعلى امتداد المزة أوتستراد من الجهتين، وصولاً إلى منطقة "نزلة الأكرم"، وخلف السفارة الإيرانية في شارع الفارابي، إلى عرض بيوتهم للبيع عبر الوسطاء وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

مصدر خاص من أحد المكاتب العقارية المعروفة في منطقة المزة، والذي يختص بعرض البيوت "الفخمة" في المزة والمناطق الراقية في دمشق عموماً، أوضح لموقع تلفزيون سوريا أن عدداً من أصحاب البيوت تواصلوا معه لعرض بيوتهم في محيط السفارة الإيرانية بأرقام لا تقل عن 3 مليارات ليرة سورية.

وبحسب المصدر إن الأهالي الذين عرضوا بيوتهم هم من سكان المزة الأصليين، حتى أنّ بيوتهم ذات "كسوة قديمة" لكونهم لا يزالون يسكنونها منذ أكثر من 35 سنة.

يقول المصدر لموقع تلفزيون سوريا: "بعض الأهالي كانوا مترددين في عرض بيوتهم للبيع، وقد توقع بعضهم أن يتم نقل موقع القنصلية إلى مكان آخر، لكن بعد أسبوع تقريباً على قصف القنصلية أعيد افتتاحها في بناء قريب جداً من موقعها القديم والذي دُمِّر بالكامل.. عندئذٍ بدأت تأتينا اتصالات من بعض أصحاب البيوت القريبة من السفارة، أو حتى من بعض الأصدقاء الذين تواصلوا معنا لعرض تلك البيوت عن طريقنا".

وهو ما يؤكد أن وجود الإيرانيين في دمشق لا يتوانى في تهجير الأهالي سواء بمنعهم من العودة إلى بيوتهم كما حصل في منطقة داريا عندما أعطى "الحُجاج" أوامرهم لحواجز النظام هناك، بمنع عودة الأهالي والاستيلاء على بيوت المعارضين، وهو ما أكدته سابقاً عدة تقارير صحفية وشهادات من أهالي المنطقة.

 وقد يتم التهجير بطريقة غير مباشرة من خلال سياسة "التطفيش" للأهالي الخائفين من الضربات الإسرائيلية والذين لم يجدوا طريقة لحماية عائلاتهم إلا بالهروب من المنطقة.

سكان مستعجلون لترك المزة

أوضح المصدر الآنف الذكر، أن أصحاب البيوت يريدون بيع بيوتهم بأسرع وقت ممكن للشراء في منطقة أخرى على نفس الدرجة من "الرقي"، حتى أن بعض الملّاكين قاموا بالتواصل مع عدد كبير من الوسطاء ومع مكاتب عقارية مختلفة من أجل نشر الإعلان بشكل أكبر.

ويقول المصدر: "كان قد اتفق معنا أحد أصحاب البيوت بالقرب من مطعم "أوديون" القريب من السفارة الإيرانية، فاكتشفنا لاحقاً أنه قد تواصل مع مكتب منافس لنا ومع عدة مكاتب أخرى أيضاً ليعرض بيته عندهم.. نحن عادةً لا ننزعج، فتحصيل الزبون هو ضرب من الحظ وشطارة الوسيط بالإقناع، كما أن للملّاك الحق بعرض بيته أينما شاء لكننا تعجّبنا من إلحاحه على البيع رغم أننا أمّنا لها زبون لاحقاً! لكن هذا أمر مُلاحظ لدى معظم الذين يعرضون بيوتهم للبيع في منطقة المزة في الفترة الأخيرة. . الأهالي خائفون".

سماسرة البيع من الميليشيات

عدد كبير من صفحات فيس بوك والمجموعات المختصة بالعقارات في منطقة المزة، بدءاً من أوتستراد المزة وصولاً إلى الفيلات الشرقية والغربية، قد عرضت بيوتاً في محيط السفارة الإيرانية أو على مقربة منها، وحتى في بعض الشوارع المعروفة بكون الإيرانيين يتمركزون فيها سواءً للسكن أو العمل.

البيوت المعروضة تتركز في منطقة المزة فيلات شرقية - "نزلة جامع الأكرم"، وهي بيوت فخمة جداً في أبنية عالية مثل بناء النرجس وبناء العدل وبناء الرقابة المالية وبناء الأورفلي، ويتم عرضها من قبل وسطاء عقاريين هم أصلاً من السوريين التابعين للميليشيات الإيرانية.

مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا من القاطنين في منطقة المزة شيخ سعد، أكّد أن بعض المجموعات والصفحات النشطة على الفيسبوك في مجال العقارات ضمن المزة تتبع لمتعاونين مع الميليشيات الإيرانية وهم سوريون متشيّعون أو يدّعون التشيُّع لتحقيق مكاسب مالية من هذه الميليشيات التي باتت تسيطر على دمشق.

 وتلعب هذه الصفحات العقارية دور الوسيط، وهم على تواصل مباشر مع الحجاج أو حاشيتهم لشراء البيوت "بالدولار" وفق أقوال المصدر، أو استئجارها بعقود سنوية أو شهرية بأرقام كبيرة وبأساليب قانونية ملتوية للتحايل على صاحب البيت في حال رفضه تأجير غير السوريين.

أين يتوزع الإيرانيون؟

لا يقتصر وجود الإيرانيين على محيط السفارة الإيرانية في أوتستراد المزة أو في جنوبي دمشق مثل مناطق: السيدة زينب، وحجيرة والذيابية وجديدة الشيباني، أو حتى في قلب دمشق القديمة في محيط مقام السيدة رقية والعمارة.

بل يتغلغلون أيضاً في مناطق سكنية بين الأهالي وأخرى ذات طابع أمني، وفي العموم هي مناطق فخمة وحيوية وسط دمشق.

وبتقصي دوافع الأهالي لبيع بيوتهم، أوضح لنا أحد الموظفين السابقين في مكاتب الميليشيات الإيرانية، وقد تنقل سابقاً بين دمشق وحلب ودير الزور (اشترط عدم ذكر اسمه)، أن الأهالي صاروا خائفين وقلقين في بيوتهم بعد الضربات التي استهدفت مواقع الإيرانيين ولا سيما الضربات الأخيرة التي تركزت في دمشق ومحيطها.

وقد أوضح الموظف، أن منطقة المزة فيلات غربية هي منطقة أمنية بشكل شبه كامل ولا سيما بالاتجاه صعوداً بعد الحديقة الفرنسية وباتجاه مستشفى الأسدي وبرج تالا ومطعم هندي، إذ تتوزع هناك مفارز أمنية بعضها يتبع لمخابرات النظام وبعضها الآخر لصالح الميليشيات الإيرانية التي أخذت مقرات للسكن هناك، وللعمل الأمني والإعلامي.

يقول المصدر لموقع تلفزيون سوريا: "أخذ الإيرانيون عدداً من البيوت في المزة فيلات غربية وهي بيوت كبيرة في المساحة تسمى: بلاطة كاملة، وقد حولوا هذه العقارات إلى مقرات تضم غرف نوم وغرف اجتماعات للحجاج سواء للمستقرين في سوريا أو المتنقلين بين دمشق وبقية المحافظات أو حتى المستشارين الذين يأتون في زيارات من إيران للإشراف ومتابعة سير العمل ويبقون لفترات وجيزة في الشام، بينما هناك بيوت حولوها الحجاج إلى مكاتب عمل يأتي إليها الموظفون من السوريين وغيرهم، وعادةً يُلغى عمل ناطور البناء ليحل محله عناصر أمنيون في مفارز مصغرة تُقام ضمن الحديقة الخلفية للبناء أو على بوابته الخارجية".

يشار إلى أن استهدافاً إسرائيلياً بتاريخ 20 كانون الثاني 2024 على بناء في منطقة مزة فيلات غربية، قتل فيه 5 من قيادات الحرس الثوري الإيراني.

أما منطقة المزة فيلات شرقية، في محيط مدرسة الإباء العربي الخاصة ومدينة الشباب ونزلة جامع الأكرم، فتتركز فيها مقرات مخصصة للعمل الإعلامي (قنوات تلفزيونية ومواقع ويب وصفحات سوشيال ميديا)، مثل مكتب قناة العالم سوريا وقناة المنار ومكاتب أخرى متخصصة بإنتاج "النيو ميديا" يديرها حُجاج إيرانيون ويرافقهم مترجمون باكستانيون وسوريون وعراقيون وكادر من الموظفين السوريين "المبتدئين"، حسب وصف مصدرنا.

كما أشار المصدر إلى وجود مكاتب لشركات فوسفات إيرانية وشركات دوائية يديرها إيرانيون وسوريون في نفس المنطقة، ونترك الحديث عنها لتحقيق استقصائي موسّع آخر.

يقول المصدر: "أيضاً منطقة الفيلات الشرقية من المناطق الراقية جداً التي ركّز عليها الإيرانيون للإقامة والعمل، وقد يصل فيها سعر بعض البيوت الفخمة ذات المساحات الكبيرة إلى مليون دولار، الأمر الذي زرع الرعب في قلوب الأهالي من استمرار الضربات الإسرائيلية، كما أن عدداً كبيراً ممّن كانوا يؤجرون بيوتهم.. صاروا في الفترة الأخيرة يمتنعون عن تأجيرها لغير السوريين مهما كان الرقم المدفوع لهم كبيراً، ويأتي ذلك باعتراض جماعي من الجيران وساكني البناء".

كسوة جديدة لسعر أعلى

لجأ بعض أصحاب البيوت إلى تجديد بيوتهم بإعادة إكسائها، لكون "الكسوة قديمة" تعود إلى أكثر من 30 و40 سنة، الأمر الذي يُضاعف سعر بيوتهم ويجعلها مرغوبة أكثر في سوق البيع ولا سيما إذا كان الزبون مغترباً في الخارج.

وتختلف تكاليف إعادة إكساء البيوت باختلاف مساحتها والتصاميم المقترحة ومواد البناء المستخدمة، إذ قد تصل تكلفة الإكساء "الديلوكس" إلى ما يقارب  500 مليون ليرة سورية وأكثر، وهو ما يُضاف على سعر البيت النهائي عند عرضه.

في مقارنة سريعة بين البيوت المعروضة التي قمنا بزيارتها في منطقة أوتستراد المزة، وجدنا فرقاً كبيراً بين البيوت التي يجري إعادة إكسائها والتي لم تنتهِ الورشات من العمل فيها بعد، والبيوت ذات الكسوة القديمة التي عرضها أصحابها على حالها. وتتراوح الفروقات بين أسعار هذه البيوت -حسب الكسوة- تقديرياً بين 20 ألف دولار و120 ألف دولار.

وعلى الرغم من كون بعض البيوت لا يزال العمل فيها جارياً، إلا أنّها تعرض للبيع والتسليم خلال مدة أقصاها شهرين.

ما أسعار البيوت المعروضة؟

عرض الملاكون بيوتهم بأسعار تتراوح بين 3 مليار ليرة سورية و7 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل تقريباً 200 ألف دولار و 500 ألف دولار أميركي.

ويختلف ذلك بحسب عوامل تسعير العقارات المعروفة، كالمساحة ونوع الإكساء وخدمات المنزل نفسه وخدمات البناء وموقعه. لكن العامل المهم الجديد الذي أضيف إلى جملة العوامل السابقة، هو بُعد وقرب هذا البيت من السفارة الإيرانية على الأوتستراد.

فقد أصبح شراء منزل أو حتى استئجاره في تلك المنطقة ضربٌ من المخاطرة التي تُقلق الزبون سواء أكان سيأخذه لنفسه أم سيعرضه بعد شرائه للإيجار.

وتحول محيط منطقة السفارة بعد القصف الإسرائيلي الأخير إلى "منطقة حمراء" لكونها صارت مرمى للغارات الإسرائيلية، ويتوقع الأهالي تكرار المناوشات الإسرائيلية - الإيرانية لاحقاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من أن يتم تسعير البيت بـ 5 مليارات ليرة سورية، يتم تسعيره بـ 3 لقربه من السفارة أو ملاصقته لها.

أحد المنازل المعروضة في الجهة المقابلة للسفارة الإيرانية (على الطرف الثاني من الأوتستراد) وعلى مقربة من "البنك الدولي الإسلامي" بكسوة جديدة، تمّ تسعيره بـ 6 مليارات ليرة سورية أي ما يعادل 400 ألف دولار. وعلى مقربة منه عُرض منزل بكسوة قديمة في بناء "الفاميلي" بسعر 5 مليارات ليرة سورية مع بازار على البيع.

يَذكُر أحد أصحاب المكاتب العقارية أنه: "عند عرض البيع على البازار قد ينزل سعره من 5 مليار ليرة سورية إلى 4 مليار و700 مليون ليرة سورية، ويعتمد ذلك على خدمات البناء وفخامة المنزل نفسه".

بينما عُرض منزل آخر بمساحة 120 متر على مقربة من السفارة أيضاً بسعر 3 مليار و200 مليون ليرة سورية، وهو سعر أقل لكونه أقرب إلى السفارة الإيرانية وعلى الخط نفسه الواقعة عليه.

وتُسعّر البيوت بالليرة السورية في الإعلانات وعند التواصل مع الزبائن، بينما عمليات البيع والشراء تكون بالدولار عند إتمام الحساب وإن كانت العقود مكتوبة بالليرة السورية.

يُشار إلى أن بعض الإعلانات يتم التركيز فيها على ميزات تبرر الأسعار المرتفعة للبيوت على الرغم من كونها واقعة على مقربة من السفارة، مثل وجود خط الكهرباء الذهبي.

أما عن أسعار الإيجارات في بيوت المزة أوتستراد فلا يقل الإيجار الشهري للمنزل عن 7 مليون ليرة سورية وقد يصل إلى 15 مليون ليرة سورية، فهي بيوت مخصصة للطبقة الأغنى في دمشق، ومنها أمراء الحرب وجنرالات إيران وحزب الله وضباط النظام من الرتب العالية، وحيتان الاقتصاد.

ما المستجدات في محيط القنصلية الإيرانية؟

بعد مرور أكثر من شهر على استهداف القنصلية الإيرانية، استطلع موقع تلفزيون سوريا آخر التغيرات في المنطقة وتبيّن أن حاجزاً إسمنتياً بُني في الشارع الخلفي للقنصلية، كما أوضح لنا مصدر من الأهالي في المنطقة أن عامل نظافة توفي في إثر الاستهداف دون ذكر خبر وفاته على وسائل إعلام النظام.

أما البيوت في شارع الفارابي وهو الشارع الملاصق للقنصلية من الجهة الخلفية فقد تضررت بأَضرار متفاوتة تراوحت بين تكسّر الواجهات البلورية، وتهدّم أجزاء من شرفات المنازل وتضرر الأبنية.

بعض الأهالي في شارع الفارابي يلجؤون –وفق معلومات لموقع تلفزيون سوريا- إلى بيع بيوتهم أيضاً، الواقعة على مقربة من بناء التجار وبناء الأطباء؛ وذلك لسببين: الأول يتعلق بمخاوفهم من تكرار الضربات الإسرائيلية كما ذكرنا آنفاً، والثاني يتعلق بالانزعاج من الغبار والضوضاء الناتجة عن أعمال البناء في منطقة خلف الرازي "مشروع ماروتا سيتي" ولا سيما بإدراكهم أن ورشات البناء في المشروع لن تنتهي من عملها قبل عشرات السنوات.

يُشار إلى أن عدد المقاسم المنتهية في ماروتا هو 80 مقسماً من أصل 168، ووصل سعر المتر في الشقق الجاهزة/ المحاضر في المقاسم المنتهية إلى 1000- 1500 دولار في الوقت الحالي لكون المنطقة لا تزال غير مخدمة من ناحية تمديدات الكهرباء والهاتف وتعبيد الطرقات، كما أن الشقق التي تباع لا تزال بلا إكساء وهو ما يتكفل به المشتري لاحقاً.

وقد أوضح أحد السماسرة لموقع تلفزيون سوريا أن سعر المتر سيقفز إلى 10 آلاف دولار في حال أعطيت الموافقات وباشرت المحافظة بتخديم المنطقة؛ لذا يعتبر بعض التجار أن الشراء في مشروع الماروتا هو استثمار بعيد المدى.

ويمكن تحصيل بيت في شارع الفارابي المُطلّ على مشروع ماروتا والمتضرر باستهداف القنصلية، في الوقت الحالي بسعر أقل من أسعار البيوت في أوتستراد المزة والفيلات، إذ يمكن تحصيل بعض الشقق بما يعادل 200 ألف دولار.

يقول السمسار لموقع تلفزيون سوريا: "الناس يتحفظون على الإجابة عن سبب بيع بيوتهم حتى لا يوقعوا أنفسهم في مشاكل، لكن خوف الأهالي صار واضحاً في تسرّعهم بالبيع والخروج من المنطقة. أحد التجار الذي يملك بيتاً في بناء يسكنه إيرانيون خرج واستأجر لعائلته في منطقة عين الكرش ريثما يستطيع بيع بيته في المزة".