ميشيل كيلو وقصص الأطفال

تاريخ النشر: 01.05.2021 | 05:42 دمشق

تصدرت القصةُ التي يرويها الأستاذ ميشيل كيلو، في المقابلة الشهيرة مع المذيعة زينة يازجي، وموضوعها الطفل والزنزانة والعصفور، الرواياتِ الكثيرة التي تناقلتها عنه وسائل التواصل الاجتماعي أثناء مرضه، ثم بعد وفاته.

السبب معروف، وهو أن القصص الإنسانية تحظى، عادة، بالاهتمام الأكبر لدى الناس، حتى ولو ذُكرت في سياق مقالة أو مقابلة طويلة.. في الإعلام الغربي؛ حينما يرتب الإعلاميون نشرة الأخبار، يضعون الخبر الإنساني في المقدمة. (وهذا لا يتناسب مع نشرات الدول التي يحكمها الطغاة، وتنتهج مبدأ "عبادة الفرد"، فالنشرة يجب أن تبدأ وتنتهي بـ: استقبل، وودع، وأرسى، وأعطى توجيهاته الحكيمة.. إلخ.

السؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن هو: هل يمكن تصنيف القصة التي رواها الأستاذ ميشيل في خانة "أدب الأطفال"؟ الجواب: لا، أبداً، مع أن بطلها طفل في السادسة من عمره، أسمر – كما يصفه الراوي - وسيم، ممتلئ. لماذا؟ لأنها تتعارض تماماً مع النموذج (بل النمط) الأدبي الذي أرساه (معظمُ) الأدباء الذين كتبوا للأطفال في بلادنا، وهو نمط يقوم على: التعليم، الوعظ، الإرشاد، التوجيه، ضخ القيم التربوية.. وتؤدي، في المحصلة، إلى صناعة طفل عمره دون 15 سنة، ومع ذلك تراه مستقيماً، حكيماً، منظماً، ممتلئاً بالحكم والمواعظ.  

لنأخذ من النمط السائد مثلاً واحداً، كاتب سوري كان يكتب للأطفال عبارات من قبيل: ذهب الطفل الذي يرتدي ثياباً مزركشة، إلى الغابة الملأى بالأشجار، ونظر إلى الأعلى فرأى العصافير تتنقل من فنن إلى فنن، فسر كثيراً وعاد إلى بيته متشوقاً لقراءة كتبه، وكتابة واجباته المدرسية، وبر والديه اللذين ربياه صغيراً.. إلى آخره.

(ملاحظة: هذا الكاتب وأمثاله يضللون الطفل - فيما لو وجد طفل يقرأ ما يكتبون – ففي الغابة توجد مجاهيل، وطيور جارحة، وربما وحوش كاسرة، وكائنات رخوية، فإذا تورط الطفل بزيارته وحيداً فقد يتعرض للأذى).

يبدو أن عملية الكتابة للأطفال، على مستوى العالم كله، كانت، في يوم من الأيام، تميل إلى التبسيط، وصناعة الخلاصات التربوية الوعظية، بدليل القصة التي تروى عن الكاتب الكولومبي العالمي جابريال جارسيا ماركيز، وهي أنه، بعدما كبر في عالم الرواية، وذاع صيته، أصبح يطالَب، من قبل دور النشر والمهتمين والناس العاديين، بأن يكتب للأطفال، ولكنه كان يتمهل، ويؤجل، ويبوح لزوجته "مرسيدس" بمخاوفه من هذه العملية، وكان يقال له ما معناه إن مَن يكتب خريف البطريرك ومئة عام من العزلة والحب في زمن الكوليرا، هل تُعجزه كتابة قصة للأطفال تقع في صفحتين؟ المهم أنه، في المحصلة، رضخ للأمر الواقع، وكتب قصة للأطفال، وكانت هي الوحيدة، لأن أحد الأطفال صادفه في مكان عام، بعد نشر القصة، وقال له:

- عم جابريال، أنتم الأدباء، عندما تكتبون لنا نحن الأطفال، لماذا تضعون في حسبانكم أننا سذج؟

الحقيقة أن التصنيفات التي أوجدها لنا الأدباء والنقاد العرب، والسوريون من ضمنهم طبعاً، خلال 70 سنة الماضية، لا تبتعد كثيراً عن السذاجة التي قال بها الطفل، فقد أوجدوا لنا تقسيمات غاية في الغرابة، من مثل: قصة للكبار، قصة للأطفال، قصة للفتيان.. وكذلك: أدب الأطفال، وأدب الناشئين، وأدب الشباب، والأدب الملتزم، والأدب التقدمي، والأدب الرجعي، والأدب النسوي (وهذا لا يقابله الأدب الرجالي، فالرجال هم الأساس طبعاً).  

لا يعترف الكاتب الفرنسي الشهير مارسيل إيمي (1902- 1967) بتقسيم الأطفال والكبار إلى فئات عمرية، وأجيال، فعنده أن النص الذكي يمتلك مستويات للفهم مختلفة، ولذلك يهدي كتابه الحكائي "حكايات القط الجاثم" إلى الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سبع سنوات وسبع وسبعين سنة.. وهذا الكتاب ترجمه الأديب السوري الراحل حسيب كيالي (1921- 1993) وصدر عن وزارة الثقافة بدمشق سنة 1980. (متوفر بي دي إف على شبكة الإنترنت).

يكاد الكاتب الدانماركي هانز كريستيان أندرسن (1805- 1875) أن يكون الوحيد الذي أنتج للأطفال قصصاً تخاطب الأطفال ومع ذلك خالية من الوعظ والتوجيه والحمولات الأخلاقية، وقد أصبح أندرسن، مع الزمن، حجة دامغة يستخدمها الكتاب الحداثيون في وجه الأدباء التقليديين، قائلين ما معناه أن الفن لا يجوز تسطيحُه تحت أية ذريعة، وللعلم فإن يوم ميلاد أندرسن 2 نيسان أبريل اعتمد يوماً عالمياً لكتاب الأطفال.

نعود الآن إلى الفيديو الصغير الذي يتضمن حوار زينة يازجي مع الراحل ميشيل كيلو، ونحاول أن نخرج منه ببعض الاستنتاجات. منها، أن ميشيل كيلو يبدو، في هذا الفيديو، قاصاً شفاهياً، حكواتياً من طراز قلما تجد له مثيلاً بين القصاصين (والحكواتية) المعاصرين أو السابقين. يتجلى ذلك في امتلاكه ناصية القصة التي يريد أن يرويها، ومقدرته الاستثنائية على تلوين السياق القصصي الرئيسي بـ "تاتشات"، كأن يصف السجان الذي قاده إلى طفل الزنزانة بأن له شقيقين معتقلين، (أي: متعاطف مع السجناء) ثم:

- قال لي: قول إسمك لا تخاف.

- ومرة جاب لي قصاصة أظافر.

- ومرة تانية عطاني تفاحة..

أو يرسم صورة المرأة، والدة الطفل، كيف تتقوقع على نفسها بشكل تلقائي كلما فتح باب الزنزانة، ومن معلوماته التي يرشها في السياق أن هذه الصبية حملت وولدت هنا، وأنها مسجونة بالنيابة عن أبيها الهارب (رهينة)..

ومنها نصل إلى أن الحكاية التي يرويها ميشيل، على مرارتها، هي الأصلح لأن تقدم للطفل السوري المعاصر الذي يعرف عن الطائرات والبراميل والخيام والعواصف والبرد والجوع والتشرد، أكثر بكثير مما يعرف عن العصافير المزيفة التي يزعم كاتبها أنها تزقزق وتتنقل من فنن إلى فنن حينما يأتي الربيع وترتدي الطبيعة ثوباً سندسياً.

كلمات مفتاحية