ميشيل كيلو... عصفور يغرد على نافذة سوريا السجينة

تاريخ النشر: 22.04.2021 | 06:51 دمشق

لا يمكن للكتابة أن تكون مطواعة، في رحيل هامة بحجم ميشيل كيلو. هو عالم تجتمع فيه عوالم. ليس كاتباً فقط، ولا سياسياً معارضاً، لا تحتزله صفة المناضل، ولا الثائر الدائم التجدد. إنه إنسان بالدرجة الأولى، أو صاحب سيرة فيها كثير من المعالم بأزمنة تحددها الأحداث وتوارد الأفكار لا الأيام. تختلط المشارع في مقاربة الرجل، شعور بأبوة رحبة، حسّ يسكن اللاوعي، وحدس يستأثر بالعقل. هو أكثر من كتاب، تنقسم صفحاته إلى مرارة التجربة، حين يرويها تخرج بصوته الدافئ الحنون أعذب من ماء بردى، وأعبق من ياسمين الشام. تنتابك شهوة في أن تجاوره في سجن أو زنزانة، من مثله، يرفع من مقام الزنازين، ويمنح للجلاد صفة الوجود، وظل البقاء. تحسد من جاوره في سجنه، وتتمنى لو أنك ذاك الطفل الذي يحكي له قصة العصفور، حيث أقبية أنظمة الأمن والمخابرات تخلو من أثر الحياة. ميشيل كيلو من الذين يبثون حياة في زنازينهم، فتتزين وتتجمّل، راجية أن تتطاير جدرانها، فيتحول الطفل الأسير إلى عصفور طليق.

 في توصيفه لتنزيه الرجل القائد في بعث حافظ الأسد، ووفق ما قاله في آخر مقابلة أجراها مع تلفزيون سوريا، كان شديد الدقة والعمق في ما رمى إليه، لدى سؤاله عن سبب تنزيه حافظ الأسد لنفسه على رأس البعث، بأن الديكتاتوريين يلجؤون إلى تنزيه أنفسهم بمنطق الترفع والارتقاء، بمعنى أنه كلما ارتفع منصب الرجل يصبح الأذكى والأقدر، وكلما تدنت مرتبته الاجتماعية يصبح الأفقر والأقل ذكاءً وثقافة. إنها الفكرة الأدق والأعمق في سبر أغوار الأزمة الاجتماعية والسياسية السورية، والتي لا بد للخروج منها القفز فوق هذه الاعتبارات التي عمل البعث على تكريسها لأكثر من أربعين سنة، أهمية الفكرة لا تتعلق بضرب كل الرموز أو سحقها، إنما الارتكاس في منطق التوزان فيما بينها، فلا قداسة ولا قدسية إلا للفكرة ولحرية الإنسان الفرد.

ميشيل كيلو أحد عظماء سوريا سياسية وثقافة ونضالاً، لم يكن ارتقاؤه أو رفعته، مستمداً من ترفّعه بل من قدرته على التماهي في كل البيئات والفئات الاجتماعية، في السياسة هو صاحب المبادرة، وفي الفكر هو صاحب الفكرة، وفي الفقر صاحب الشعور بمواساة الفقير، المستمع للصغير قبل الكبير. لذلك لا يمكن حصره في السياسة، ولا في النضال، وهو سنديانة الثورة. أنسن الفكرة، حسّس السياسة، ناقض الفكرة القومية التي تجعل من الناس وقوداً في سبيلها، وعاكسها لإعلاء مبدأ ما في الأمة ملك للناس، فالإنسان ليس في خدمة الدولة، إنما الدولة خلقت لخدمته. بأفكار بسيطة، وكلمات رقيقة كان قادراً على تعرية ما حاول أصحاب النياشين والسواطير تثبيته بالضرب فوق الأعناق وإطلاق النار على الصدور أو الكلمات.

ميشيل كيلو أحد عظماء سوريا سياسية وثقافة ونضالاً، لم يكن ارتقاؤه أو رفعته، مستمداً من ترفّعه بل من قدرته على التماهي في كل البيئات والفئات الاجتماعية

أستذكر ذات خريف باريسي، في أعقاب ثورة 17 من تشرين اللبنانية، مشياً على الأقدام في منطقة alesia، لأكثر من ساعة ونصف، خطاه تتسارع، وتلازمه كلمة واحدة، بدأنا في ربيع دمشق، التقطت بيروت النفس، حملت زهرة آذار، وعدنا في آذار وأطلقنا الصرخة، سحقنا وقتلنا، وها أنتم في لبنان بثورتكم تعيدون لنا الأمل، لن نفقد الأمل. يقول ذلك وتلتمع عيناه، أسأله إذا ما كان قد تعب من المشي، ينفي بشكل قاطع، ويكمل الحديث. كل الأمل في بيروت يقول، ويحذرّ سيضربونكم، لن يتركوكم، ولكن الأهم التمسك بالأمل وبالفكرة، لن يخلّدوا.

 ساحر هو ميشيل كيلو، ينتقل من السياسة إلى السيرة إلى الفكر والفلسفة، بقالب مبسط، مشوق ممتع، أخبرني عن لقائه في العام 1979 برفقة رياض الترك بالمفكر السوري إلياس مرقص، يومها كان يعد لمؤتمر الحزب الشيوعي في سوريا، وتم إعداد مقال تحت عنوان:" رياح الحرية تهب من الشرق" تعليقاً على الثورة الإسلامية في إيران، حينذاك قرّعهم إلياس مرقص معتبراً أن رياح الذبح قد هبت، وسوريا ستدفع الثمن، مؤكداً منذ تلك اللحظة بأن الاهتمام الاستراتيجي الإيراني سينصب على سوريا، لأسباب سياسية وتاريخية وثقافية بنزعة انتقامية. وهو ما حصل بعد اندلاع الثورة السورية. علماً أنه كان قد بدأ من قبل بنتيجة انصهار بشار الأسد بمشروع إيران.

 الماركسي الذي انتقد الماركسيين دوماً، مقدّساً الليبرالية المرتكزة على الحرية، يستعيد نصوصاً غير متداولة كثيراً لكارل ماركس ويقول منها:" في أحد النصوص يتحدث ماركس عن حقيقة المجتمع وحقيقة الواقع، ويعتبر أن الإنسانية قد مرت في طور المدنية البرجوازية، وكانت لحظة تقدم استثنائي بالتاريخ البشري." ويكمل:"الملاحظات على البرجوازية أنها أعطت الحرية للإنسان، وأعطت للمواطن حقوقاً قابلة للانتهاك، هذه مشكلة طبعاً، ولكن كان عليها إعطاء هذه الحقوق للفرد، أما المشكلة الثانية لدى البرجوازية، أن فيها استغلال الإنسان للإنسان، أما المدنية التشاركية أي الاشتراكية لن يكون فيها أي قيد على حرية الإنسان، لا قيد ذاتي ولا قيد السلطة. وعدم استغلال الإنسان للإنسان. ويحصل الإنسان على ما يريد بفضل عمله. هنا يذهب في انتقاد مدعي الماركسية مستعيناً بقول لفلاديمير لينين:" بنينا دولة فاسدة ومفسدة، ويجب تغييرها." ويكمل:" لكن ستالين أوصل فسادها إلى نهايته القصوى وذروته." قال ذلك في ستالين النموذج المعمم على طغاة الحاضر وفي رأس قائمتهم بشار الأسد.

 لا مجال للكلام أكثر عن ميشيل كيلو، خسرت سوريا والعالم العربي مفكراً مناضلاً من طراز قلّ نظيره، يمكن لما تركه من إرث أن يفتح الطريق أمام تطور المجتمع، ويمكن للسوريين استعادة شذرات من أفكاره للبناء عليها ومراكمتها، والأهم هو التمعّن بوصيته، فلا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهوائكم وإيديولوجياتكم.