موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام

تاريخ النشر: 03.03.2021 | 12:37 دمشق

آخر تحديث: 04.03.2021 | 20:47 دمشق

بدأ بث تلفزيون سوريا ومنصاته قبل ثلاثة أعوام، ضمن جملة من التحديات، إلا أن التوقيت في أوائل العام 2018 كان الرهان الأكبر والمواجهة الأصعب للإعلام، للتعاطي مع حالة استثنائية، فقد كان عام التهجير عندما سحب مئات آلاف السوريين معهم أطراف خريطة السيطرة، التي لا يمكن أن نقول إنها استقرت وثبتت.

مع اتضاح الصورة التي بات ممكنا لنا في تلفزيون سوريا استشرافها يوماً بعد يوم، أيقنّا أن المهمة أصعب مما نظن، فالإعلام لا يمكن أن ينفصل عن الخطاب الحاشد للرأي العام، في دفاعه عن قيم الثورة السورية، والحفاظ على سرديتها من الضياع، والعبث في زمن الانكسارات والخذلان؛ وبناء عليه جاء قرار الانتقال من التأسيس إلى الانطلاقة الجديدة باحترافية، ضمن حزمة من البرامج الجديدة المتنوعة في التلفزيون والنيوميديا، وكذلك توسعة العمل في الموقع الإلكتروني؛ ليكون قادراً على تنفيذ المهام التي كان أبرزها اختراق المناطق المحرّمة على الإعلام المهني، في جميع مناطق السيطرة.

اقرأ أيضاً: "تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز

 

 

أسس موقع تلفزيون سوريا شبكة من المتعاونين والصحفيين، وقاعدة أساسية من المصادر الموثوقة في مناطق سيطرة النظام وقوات سوريا الديمقراطية والميليشيات الإيرانية، وكذلك في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا، ونجحت هذه الشبكة في نقل الواقع بمصداقية، واقع تبيّن لنا كصحفيين في الموقع الإلكتروني أنه كان صادماً، فكيف هو الحال لملايين السوريين المشتتين في أصقاع الأرض ممن لا يملكون الوصول للمعلومة والحقيقة؟ وهنا وبعد أن حضرنا لكل ما هو مطلوب، دخلنا غبار الغارات وخطوط الجبهات الملتهبة وحافلات المهجرين قسرياً وطوابير الخبز والمحروقات، واستضافنا السوريون في منازلهم لنروي قصص النجاح والأوجاع وهموم الحياة التي أثقلت كاهلهم وأثقلت أرواحنا كصحفيين سوريين ولدتنا الثورة السورية.

كان موقع تلفزيون سوريا ذلك الصوت الذي قال للنظام أنت لست وحدك في ميدان الإعلام، فكذّب وفنّد وروى ما يحصل في مناطق سيطرته منذ أزمة كورونا التي حاول النظام التغطية عليها فيما يمكن اعتباره وسيلة من وسائله في القتل. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي انعكست بشكل مدمّر على كل العائلات السورية، وقف موقع تلفزيون سوريا عند أسباب هذا الانهيار فكشفها وعرى النظام وحمله المسؤولية الأولى والأخيرة، ونقل معاناة الحصول على رغيف الخبز وبعض لترات من المحروقات، وعندما انقطعت هذه المواد الأساسية للعيش إما لارتفاع أسعارها بشكل جنوني أو لفقدانها في الأسواق؛ أوصل موقع تلفزيون سوريا مناشدات السوريين وحذّر من ضخامة الكارثة الحاصلة.

اكتشفنا جمهورنا أكثر.. السياسة أولاً

لم تكن الجرعة السياسية المقدمة من الموقع الإلكتروني للسوريين في مناطق سيطرة النظام كبيرة كما جرت العادة، فمَن يعيش مع النظام وميليشياته هو أكثر من يعرف طبيعة هذا النظام من الناحية السياسية، ومع ذلك كانت الصدمة عندما وجدنا في تقارير الزيارات الشهرية أن معظم زوار موقعنا كانوا من مناطق سيطرة النظام على مواد سياسية تستعرض تطورات الحل السياسي والتفاهمات الإقليمية والدولية والتي لا تنفصل عن التطورات الميدانية. دفعنا ذلك لتغيير الخطط ورسم استراتيجية جديدة كي لا تضيع فرصة الوصول إلى السوريين في مناطق سيطرة النظام.

 

 

 

شمال غربي سوريا.. أرض المنفيين والثابتين

منذ انطلاقة تلفزيون سوريا ومنصاته عام 2018، أصبحت إدلب وأرياف حلب، أرض المنفيين من كل سوريا وأرض الكوارث الإنسانية، فنُصبت الخيم لمليونين و200 ألف مهجر قسرياً، ولاح شبح الحرب مجدداً منتصف العام 2019 وتبدلت قوى السيطرة محلياً وضاقت إدلب بمن فيها من قاطنين ومهجرين وضاقت مساحة السيطرة وهُجّر المهجرون مجدداً. هذه الأحداث حصلت في عامين، لكنها كانت أطول من ذلك بكثير، بحكم هول ما يحصل من مجازر وانكسارات وخيبات في الأمل، وفي حين لا ينفصل الصحفي عن أهله وقضيته ومسؤوليته الأخلاقية، كنا حاضرين في خطوط الجبهات نقلنا الانتصارات والانسحابات والمعارك الصغيرة والكبيرة، سبّاقين إلى الخبر بمسؤولية، من فوهة بنادق فصائل المعارضة ومن مبضع الجراح في مستشفيات المجزرة، ومن أكتاف عمال الإغاثة يحملون ما استطاعوا، ومن سيول الطين في المخيمات.

اقرأ أيضاً: استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل

وفي شمال غربي سوريا، نقلنا فرحة الطلاب المتخرجين من كلياتهم إلى المجهول، وأوصلنا مطالبهم لكل المعنيين، أملاً بألا ينقطع الشباب السوري من الأمل بمستقبل لن تُعمر فيه سوريا إلا بهم.

وبحكم الوصول الأكبر إلى شمال غربي سوريا، ووجود القسم الأكبر من الصحفيين من جميع المدن السورية في هذه المنطقة، بالإضافة إلى 6 مراسلين استثنائيين ومحترفين؛ كانت ملفات وقضايا وأحداث هذه المنطقة حاضرة بقوة في موقعنا، ضمن تقارير يومية وعشرات الأخبار في تغطية على مدار الـ 24 ساعة، وهنا وبعد أن ساد الهدوء المنطقة، مارس موقع تلفزيون سوريا سلطته بمساءلة السلطات المحلية في تقصيرها بتحسين الواقع الخدمي والمعيشي والأمني، ونقل مطالب الأهالي.

 

شمال شرقي سوريا.. التعامل مع التعقيدات

كانت حالة شمال شرقي سوريا منذ أن بدأت المعارك ضد تنظيم الدولة إلى حين طرده منها على يد قوات سوريا الديمقراطية بدعم أميركي، حالة استثنائية معقدة، فقسد ليست من فصائل المعارضة، والولايات المتحدة التي ملأت قواعدها المنطقة لم تأتِ لإسقاط النظام، وما زالت من دون استراتيجية واضحة و"الإدارة الذاتية" فرضت نفسها بسلاح قسد كحاكم أوحد للمنطقة. ولذلك كان التعامل مع ملفات شمال شرقي سوريا حذراً ويتطلب تروياً وعقلانية كبيرة، فهي منطقة خارج سيطرة النظام والتوتر بين قسد والأخير قائم ويتوسّع، ولا بد من المفاضلة بين قسد وتنظيم الدولة من ناحية الإضرار بمكتسبات الثورة السورية، ووجود احتمالية للتفاهم مستقبلاً.

أما الولايات المتحدة وإن كانت تقول إنها هناك لحماية آبار النفط، فإن منهج تعاملها مع النظام بحدية واضحة يشي بأن المهمة أكبر من النفط، فهنالك إيران وإسرائيل وروسيا وموقع سوريا الاستراتيجي والحدود الطويلة مع العراق، وإلى الجنوب أكثر قاعدة التنف ومنطقة الـ 55 عند تقاطع الحدود السورية العراقية الأردنية.

 

EviRiEtXYAAGejZ.jpeg

 

لم يتمكن تلفزيون سوريا وموقعه من الحصول على ترخيص للعمل في مناطق سيطرة "قسد"، ولذلك كان لا بد من الوصول، وهو ما تحقق عبر شبكة من الصحفيين المتعاونين الذين وجدوا في تلفزيون سوريا وموقعه مؤسسة إعلامية وطنية لنقل ما يجري.

وليس بعيداً عن مناطق سيطرة قسد، وعلى الضفة الأخرى من نهر الفرات، كانت المهمة الأخطر والأصعب لموقع تلفزيون سوريا ليكون حاضراً في مناطق سيطرة الميليشيات الإيرانية من البوكمال وإلى مدينة دير الزور وحتى عمق البادية وصولاً لتدمر، وهذا ما حصل فوصلنا إلى الخبر الحصري والنوعي ودخلنا معسكرات الميليشيات ورسمنا لجمهورنا الواقع عبر حزمة مكثفة من التقارير المفصلة، وهذا الإنجاز ونظراً لأهمية ملف الوجود الإيراني هو من أكبر ما نفخر به.

 

إعلام عابر للحدود السورية.. 7 ملايين لاجئ

بطبيعة الحال إن أكثر من 7 ملايين سوري لجؤوا إلى أكثر من 120 دولة في العالم، فهذا يتطلب وكالات بذاتها لتنقل كل أخبارهم وهمومهم، وأيضاً نجاحاتهم التي ملأت الصفحات الأولى في كبريات الصحف والمجلات والمواقع، وفي حين يظن السوري المحاصر أو المقيم في مخيم أن هؤلاء الملايين من اللاجئين نجوا من الكارثة العظمى والمقتلة المستمرة، إلا أن معاناتهم جزء من المعاناة السورية جميعاً، فهنالك دول تعاملت معهم بعنصرية مفرطة وأخرى اعتبرتهم لاجئين من الدرجة الثانية ودول لم تقدم لهم شيئاً يذكر من الدعم لينهضوا بحياتهم وعوائلهم ويبنوا مستقبلاً يستحقونه كأي إنسان. كل هذه العقبات المرهقة لم تثن السوريين عن التميز والنجاح، فمع وصول مَن كانوا أطفالاً عند انطلاق الثورة السورية أو عند اللجوء، إلى عمر التخرج من الجامعات، لم نكن قادرين على نقل كل هذه النجاحات التي تميز بها الشباب السوري. نجاحات لم تقتصر طبعاً على الدراسة، فقد كان للمشاريع الاقتصادية والثقافية السورية في دول الاغتراب صدى واسع في مجتمعاتهم المضيفة، وكان تلفزيون سوريا ومنصاته أكبر المحتفلين بهؤلاء.

 

منصة الرأي.. منتدى حواري افتراضي

يظن القارئ أن منصة الرأي بموقع تلفزيون سوريا هي تقارير خبراء أو تقارير تحليلية تفكك تعقيدات الملفات السورية، إلا أنها تتعدى ذلك وباتت عبارة عن منتدى لكتاب سوريين يتبادلون فيها وجهات النظر التي لا تتنوع في قضية أكثر من القضية السورية، ويدلي كل صاحب رأي برأيه وفي كثير من الحالات تحولت منصة الرأي لمناظرات يتسابق فيها أصحاب الرأي في تأكيد نظرياتهم وتحليلاتهم.

 

سوريا التي غيّرت شكل المنطقة وتغيّرت بها

ربما يجمع خبراء السياسة وعلم الاجتماع أن الثورة السورية كانت في بداياتها انفجاراً شعبياً غير منضبط بقيادة وإنما بمطلب جامع هو إسقاط النظام، ولكن لم يكن يظن هؤلاء المحللون والخبراء أن تغيّر سوريا من شكل المنطقة، فمنها مرت الميليشيات العابرة للحدود من لبنان والعراق، وفيها استقرت جيوش روسيا وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، وفيها ظهر تنظيم القاعدة، ثم تنظيم الدولة، وجماعات أكثر من أن تُحصى. وبذلك غيرت سوريا شكل المنطقة وتغيرت بها، ولا يمكن لمعظم التطورات الإقليمية أن تنفصل عن الملفات السورية، وهنا لا بد من تخصيص زاوية في موقع تلفزيون سوريا باسم "عربية ودولية".

دخلنا كموقع تلفزيون سوريا ضمن ما يمكن تسميتها "حقول ألغام"، ففتحنا بجرأة منضبطة بسياستنا التحريرية واعتبارات المجتمع السوري والوسط الثوري، ملفات كانت مغلقة، وعبرنا هذا الحقل بنجاح كما عبرنا غيره عندما وطئت أقدامنا المناطق المحرمة على الإعلام الحر، وكذلك عندما نجحنا في ألا ننجر إلى صحافة صفراء، وبالعكس يمثل المحتوى السياسي النسبة الساحقة في موقع تلفزيون سوريا.

نمضي في موقع تلفزيون سوريا إلى العام الرابع، متربعين في المرتبة الـ 6800 على مستوى العالم، بعد أن كنا في المرتبة الـ 44 ألفاً عالمياً قبل 9 أشهر، يشرفنا في كل يوم 110 آلاف زائر، وسجلنا شهرياً 6 ملايين تصفح لمحتويات الموقع. لكن لا نفتخر بشيء في موقع تلفزيون سوريا بقدر ما نفتخر بالـ 3 ملايين زائر ثابت، الذين اعتمدوا موقعنا مصدراً للخبر السوري.

 

alexa-rank_0.jpeg
ترتيب موقع تلفزيون سوريا عبر مؤشر موقع Alexa

 

ومن الجدير بالذكر أن كل هذه النجاحات والجهود في تلفزيون سوريا ما كانت لتكون لولا الدعم الذي قدمته شبكة فضاءات، التي تركت لنا مساحة مفتوحة، لنصوغ سياستنا التحريرية بما يتناسب مع الواقع السوري وإشكالياته وتعقيداته. فجزيل الشكر لإدارة شبكة فضاءات على وقوفها مع تطلعات الصحفيين السوريين في مأسسة الصحافة الحرة.

نمضي في تلفزيون سوريا إلى العام الرابع، حاملين أمانة ثقيلة جداً للحفاظ على قيم الثورية السورية وسرديتها المقدسة، وآلام السوريين وأوجاعهم، آملين بأن ينال هذا الشعب حريته من كل المستبدين، وأن نرى اليوم الذي تبدأ فيه نشرة الأخبار بـ "هنا دمشق.. نشرة الأخبار من تلفزيون سوريا".

عبد الله الموسى: سكرتير تحرير موقع تلفزيون سوريا

مقالات مقترحة
أوقاف النظام السوري تسمح بإقامة صلاة التراويح بالمساجد في رمضان
دول عربية وإسلامية وأوروبية تعلن الثلاثاء أول أيام شهر رمضان
كورونا.. ارتفاع عدد الإصابات شمال شرقي سوريا