موت مدن المشرق العربي.. حياة من شقاء

موت مدن المشرق العربي.. حياة من شقاء

موت مدن المشرق العربي.. حياة من شقاء

أفضت سنوات الحرب العراقية – الإيرانية وتصلّب ديكتاتورية صدّام حسين وتسليطه لرجال المخابرات وأجهزتها على حياة الناس، ثم كارثة حرب الكويت وما تلاها من سنوات مريرة من الحصار والانهيار والمقابر الجماعية، إلى الغزو الأميركي المدمر وما جلبه من حرب أهلية – إقليمية.. أفضى كل هذا على مدى ثلاثة عقود إلى هجرة واسعة ومستدامة لنخبة المتعلمين وأصحاب المهن الحرة وأبناء الطبقتين الوسطى والعليا والعائلات التجارية العريقة وكبار الصناعيين والغالبية العظمى من أصحاب الاختصاص والمؤهلين والمثقفين، وأبناء الأسر المتماسكة والعريقة والمستقرة تاريخياً في أدوارها داخل الدولة وداخل المجتمع وفي مفاصل الاقتصاد وقطاعات الزراعة والخدمات والصناعة والتجارة والحرف والتعليم والطبابة وأركان القضاء والتمثيل السياسي والمؤسسات المدنية الخاصة والعامة، أي كل ما يشكل النسيج الاجتماعي للعمران المديني، ومن هم أصحاب المبادرات والمشاريع والأعمال.

وعلى هذا النحو، وحتى من دون الأعمال الحربية، بدأ تحلل المجتمع العراقي وتفسّخه وفساده وفوضاه. وحلّ التصحر والخراب في المدن والديار والأرض، وعمّ الانهيار في كل القطاعات التي تنظم الدولة والمجتمع وتصون استقراره ومراتبه. والأهم، هو خراب المدينة وخواؤها وتشوّه نمط العيش فيها وطغيان الفظاظة والعنف وانعدام الأمان وسيطرة البشاعة والعدوانية إلى حد غياب النساء من الفضاء العام، وهيمنة تصور ديني فقير ومتزمت ونابذ للتنوع والرحابة، ولأي شكل من أشكال وتعبيرات الحريات العامة والفردية.

وإذا كان "خراب البصرة" قد عاد إلى تلك المدينة تماماً كما تخبرنا الروايات الملحمية، فإن بغداد نفسها استعادت أيضاً خرابها بما يماثل حكاية هلاكها على أيدي المغول.

لننظر إلى مصائر الحواضر العربية، خصوصاً في هذا المشرق التعس. فما حلّ بالموصل التي سُوّيت بالأرض بعد أن أماتها تنظيم "داعش"، رأيناه في حلب

وإذ نروي كل هذا، إنما لننظر إلى مصائر الحواضر العربية، خصوصاً في هذا المشرق التعس. فما حلّ بالموصل التي سُوّيت بالأرض بعد أن أماتها تنظيم "داعش"، رأيناه في حلب، واحدة من أعرق وأعظم مدن الشرق، التي فقدت روحها وعمرانها وتنوعها وألوانها وناسها، ليس فقط في أثناء الحملة الأسدية – الروسية، إنما قبل ذلك بكثير، منذ تهميشها ومعاقبتها الدائمة في زمن حافظ الأسد، وترويعها في مطلع الثمانينات، وتسليط عصابات الشبيحة والمخابرات عليها طوال عقود.

وكانت حمص أولى المدائن التي نزلت عليها أحقاد الطغمة، فعم الدمار والتهجير والإفقار والتصحر والخواء.. فلم يبق من المدينة سوى اسمها، طالما أنها تحولت إلى نصف مدمر ونصف مكوّن من مجرد تجمعات سكنية قائمة على العصبية الأهلية والطائفية، بما يحرم المدينة من مقومات المدن وشروطها، نشاطاً وأوجه حياة وأنماط عيش وصلات وتنوع اجتماعي وفضاءات تلاقي واختلاط.

والحال أن المدن لا تحتاج إلى تدمير لتموت أو لتتصحر وتتحول إلى كتلة باطونية مكتظة وحسب. فدمشق من غير ضواحيها ومن دون غربائها وبلا حيوية سكان متنوعي المشارب، وبلا صلات بالعالم.. وبداهة، بلا حريات عامة وقول علني وصحافة وأندية ومجتمع مدني، إنما هي مدينة "مريضة" إن لم نقل ميتة.

وهي في كل الأحوال، بالنسبة لمعظم السوريين، ما عادت "العاصمة" التي إليها ينظرون وعلى وجهتها يهتدون. إذ إنها المدينة المخطوفة أو حتى المحتلة، منذ أن كتم النظام الأسدي أنفاسها، وخنق روحها وقطع أوصالها واستولى على يومياتها وصورتها.

بالنسبة لمعظم السوريين، ما عادت "العاصمة" التي إليها ينظرون وعلى وجهتها يهتدون. إذ إنها المدينة المخطوفة أو حتى المحتلة، منذ أن كتم النظام الأسدي أنفاسها، وخنق روحها

وعلى غرار سيرة مدن العراق وسوريا، وإن بمسار مغاير نسبياً، ومنذ وقوع بيروت في حقبة "حزب الله" المبتدئة عملياً في العام 2005، بدأت العاصمة اللبنانية تخسر ببطء لكن بثبات ميزاتها وألوانها وبشرها وتركيبتها السكانية وأدوارها ومقدراتها.. وراحت تبتعد شيئاً فشيئاً عن العالم وتنغلق رويداً رويداً.. فيما بدأ الفقر يتغلغل في مجتمعها واقتصادها. وراحت بناها التحتية تتهالك، وتسوء فيها الخدمات العامة، ويرتفع فيها منسوب العصبيات والعنف وفقدان الأمان.

وعلى امتداد 15 عاماً ورغم المقاومة المدنية التي تستمد قوتها من شرائح اجتماعية واسعة لها مؤسساتها المؤثرة، كالجامعات والصحافة والأندية والجمعيات والروابط والنقابات.. إلخ، إلا أن هذه المقاومة باتت أضعف مع الوقت بفعل الهجرة الواسعة للشباب المتعلم وللأسر المقتدرة وأصحاب الاختصاصات والمهارات، والفنانين والمثقفين، عدا هجرانها من "الغرباء" والأجانب والعرب (والكثير من السوريين خصوصاً). ثم إن التضييق الدؤوب للحريات السياسية وانسداد الأفق في الحراكات المدنية والمطلبية، وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة، تسبب بتعميم اليأس بين فئات اجتماعية هي على وجه التحديد تلك التي تتنكب مهمة إضفاء الطابع "المديني" والحضاري وتتنكب صوغ نمط حياتها العصري.

كان انفجار بيروت تكثيفاً مروعاً لما أصاب مدن سوريا بالبراميل والمدافع والدبابات، وما أصاب مدن العراق من سلسلة حروب

هكذا، وبقوة السلاح والعصبية وإزاء ضعف الدولة والجمود السياسي القاتل وفساد الطبقة الحاكمة وانهيار الاقتصاد، تغلبت "عقيدة الضاحية"، بوصفها بنية اجتماعية وعمرانية وسكانية وثقافية معادية للمدينة وشروطها، على العاصمة. ونهشت فيها وأحالتها أقرب إلى جسم عليل لا يقوى على البقاء.

ولأن المدن تزدهر بغياب العنف وحلول التسامح وقبول الاختلاف وازدهار الحريات والمبادرات الفردية والعامة، كانت بيروت (وكل مدننا في هذا المشرق) تتألق في أوقات السلم والانفتاح واستقبال ما يصلها من العالم من غير تحفظ.. وكانت تخبو وتكتئب حين يتسلل إليها ذاك العنف ويستولي على شوارعها.

بهذا المعنى، كان انفجار بيروت تكثيفاً مروعاً لما أصاب مدن سوريا بالبراميل والمدافع والدبابات، وما أصاب مدن العراق من سلسلة حروب.. والأهم ما أصاب كل هذه المدن مجتمعة من خسارات متتالية للبشر الذين يصنعون الفرق، الذين يزرعون المدنية والحضارة ويبدعون ويتآلفون ويحتفون بالحياة بكثير من الحب واللطافة. فالمدن هي الحب أولاً.

    

مقالات مقترحة
ناقلة نفط إيرانية ثالثة تتجه إلى سوريا و"أدريان داريا 1" تغادر
تفكيك "أقفاص الدور" أمام أفران ابن العميد بدمشق (صور)
شرطة النظام: اعتقلنا صاحب مقولة "والله لنرجعها لـ 2011" في درعا
ألمانيا.. إغلاق المنشآت الترفيهية لـ احتواء موجة كورونا الثانية
52 إصابة وثلاث وفيات في مناطق سيطرة الأسد
301 إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا