مفاوضات سرية ومطامع شخصية حددت مصير الجنوب السوري

تاريخ النشر: 13.07.2018 | 16:07 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

تلفزيون سوريا - حمزة شحادات - درعا

مع بداية الحملة العسكرية التي شنها النظام مدعوماً بالميليشيات الإيرانية وبغطاء روسي جوي كثيف، انهارت جبهات شرق درعا التي لم يكن التحصين فيها كافياً لدرجة تسمح للفصائل العسكرية للتصدي للهجوم وامتصاص الصدمة، وتمت محاصرة منطقة اللجاة التي تشكل نصف مساحة ريف درعا الشرقي، وذلك بعد سيطرة قوات النظام على بصر الحرير ومليحة العطش وما تبعها من سيطرة على بلدات الحراك والصورة والمليحة الغربية والمليحة الشرقية، كما اشتعلت جبهات درعا البلد (القسم الواقع تحت سيطرة الجيش الحر في مدينة درعا) في محاولة من قوات النظام للوصول إلى القاعدة الجوية غربي المدينة والوصول أيضاً إلى الحدود الأردنية وفصل ريفي درعا الغربي والشرقي عن بعضهما.

وبذلك باتت قوات النظام على مشارف مدينة بصرى الشام التي كانت مكان انعقاد جلسات التفاوض التي حددت مصير المنطقة التي باتت غير قادرة على الصمود بعد الآن.

بداية المفاوضات حول درعا

بداية تم تشكيل وفد التفاوض الأول والذي حمل اسم "فريق الأزمة" والمكون من لجنتين مدنية وعسكرية، وترأس المحامي عدنان المسالمة اللجنة المدنية التي أخذت تفويضاً من 35 هيئة مدنية في محافظة درعا، في حين كانت العسكرية تتألف من 3 شخصيات هي محمد خالد الدهني أبو منذر (قائد فرقة ١٨ آذار) وأدهم الكراد أبو قصي (قائد فوج الهندسة والصواريخ) وبشار الزعبي (المكتب السياسي في جيش اليرموك)، لينضم إليهم بشكل مفاجئ قائد قوات شباب السنة أحمد العودة.

وفشلت 3 جلسات تفاوضية مع الروس في بصرى الشام بسبب الشروط الروسية القاسية والمذلة حسب وصف الوفد المفاوض، ليتم بعدها في السادس من الشهر الجاري التوافق على الشروط الروسية التي تقضي بتسليم السلاح الثقيل مقابل دخول الشرطة العسكرية الروسية وانسحاب النظام من مناطق سيطر عليها مؤخراً في ريف درعا الشرقي، وخروج من لا يرغب بـ "التسوية" إلى الشمال السوري.

وفي الوقت الذي كان يتم فيه الاتفاق على الشروط في مدينة بصرى الشام، لم تتوقف هجمات قوات النظام بغطاء جوي روسي، وتمكنت من السيطرة على عدد آخر من البلدات في ريف درعا الشرقي، وهي الكرك والمسيفرة وأم ولد والسهوة وكحيل، ما أدى إلى محاصرة وفد التفاوض في المدينة، ودخول العودة في اتفاق مصالحة مع الجانب الروسي، الأمر الذي دفع اللجنة المدنية للخروج من الجلسة متجهة نحو درعا البلد، واستهدف الطيران الروسي المحامي عدنان المسالمة بشكل مباشر بعدد من الغارات.

وتمكنت الفصائل العاملة في المنطقة من إعادة السيطرة على هذه القرى التي تقدم عليها النظام، وفك الحصار عن بصرى الشام ما سمح للوفد التفاوضي بالخروج، بعد أن وقّع العودة على اتفاق المصالحة، ووقعت اللجنة العسكرية ضمن الوفد التفاوضي على 13 بنداً قدمتها روسيا للوفد حول مصير درعا.

ومباشرة قام العودة بتسليم دبابة معطوبة للروس، بالإضافة إلى عربة بي إم بي ومدفع، ونشر تسجيلاً صوتياً مبرراً ما قام به من تسليم للسلاح بأن ذلك كان مقابل عودة آمنة للنازحين الموجودين على الحدود الأردنية إلى قراهم في ريف درعا الشرقي.

درعا البلد ترفض الاتفاق وتقرر المواجهة

ودعا الوفد العسكري المفاوض عند وصوله إلى درعا البلد لجلسة مشاورات مع الهيئات المدنية والفصائل العسكرية لشرح ما حصل معهم في الجلسة وعرض الشروط الروسية، وكان واضحاً قبول الأشخاص الثلاثة بالشروط الروسية، في حين رفض البقية هذه الشروط وقرر الجميع المقاومة فيما تبقى من الريف الشرقي بالإضافة إلى جبهات درعا البلد.

لكن تقدم قوات النظام وسيطرته على بلدتي صيدا والنعيمة المجاورتين لدرعا البلد شرقاً، كانت ضربة قاسية لقرار الصمود، باعتبار أن الفصائل في صيدا أبدت جاهزيتها لصد أي هجمة للنظام وأن خطوط الجبهة في البلدة كانت الأكثر تدعيماً، لكنها سقطت بعد ساعات من المعارك، سقط فيها أكثر من 100 قتيل وجريح من الجيش الحر أثناء التصدي لقوات النظام ونتيجة القصف الروسي المكثف الذي دمر البلدة بالكامل.

وفد جديد لاستكمال التفاوض

 ومع هذه المتغيرات الميدانية واقتراب النظام من الحدود الأردنية وسيطرته على منطقة بصرى الشام بعد اتفاق المصالحة الذي وقعه أحمد العودة قائد شباب السنة، قامت غرفة العلميات المركزية بتفويض وفد جديد لاستكمال التفاوض مع الروس.

ويضم الوفد الجديد بشار القادري (جند الملاحم) وباشر القايد وجهاد المسالمة (رئيس غرفة البينان المرصوص) ومحمد خالد الدهني أبو منذر (قائد فرقة ١٨ آذار) وبشار الزعبي (المكتب السياسي في جيش اليرموك) وأحمد العودة (قائد شباب السنة).

تم الاتفاق على أن يتم تسليم الحدود الأردنية لقوات النظام من جنوبي بصرى الشام وحتى معبر نصيب، ويُستكمل تسليم الحدود من نصيب وحتى منطقة خراب الشحم في الريف الغربي للمحافظة بعد أن تخرج أول دفعة مهجرين من درعا البلد والرافضين للتسوية والبقاء في درعا إلى إدلب شمال سوريا، وانتهت الجلسة الساعة التاسعة ليلاً.

وتم الاتفاق على أن تصل الحافلات إلى درعا البلد في الساعة الثامنة صباحاً من اليوم التالي لهذا الاتفاق، ما دفع المقاتلين لترك الجبهات لتجهيز أنفسهم وعائلاتهم للانطلاق إلى إدلب، حيث قرر الغالبية من المقاتلين رفض التسوية وقبول التهجير إلى إدلب.

اجتماع سري ومطامع شخصية تهدد حياة الرافضين للتسوية

إلا أن الحدث الذي حصل وزاد من تعقيدات الوضع، هو أن الوفد الروسي طلب من أحمد العودة أن يستدعي لاجتماع سري كل من القادة العسكريين، وهم محمد خالد الدهني ابو منذر وأدهم الكراد أبو قصي وعبد الناصر محاميد أبو شريف (قائد لواء صقور الجنوب) والدكتور عبد الرحمن مسالمة، وأكد الروس على عدم استدعاء جهاد المسالمة (رئيس غرفة البينان المرصوص).

وتم الاجتماع بشكل سري بين هؤلاء القادة العسكريين الذين لم يأخذوا تفويضاً من الهيئات المدنية والعسكرية الأخرى في درعا مع الوفد الروسي في اليوم نفسه  بعد انتهاء جلسة التاسعة مساء، وعمل الروس على تقديم مغريات لهؤلاء القادة العسكريين مشابهة للتي قدموها للعودة، بأن يبقوا في المنطقة بضمانة روسية وتحصيل امتيازات قيادية جديدة.

وتم الاتفاق في هذا الاجتماع السري على عدم تهجير أحد إلى إدلب وبقاء المقاتلين في المنطقة كقوة محلية بضمانة روسية، وأن يكون الدهني القائد العام لهذه القوة والمحاميد القائد العسكري والمسالمة المسؤول عن الملف الطبي عن المدينة، كما قدّم الروس عرضاً إضافياً للمحاميد متمثلاً بنقطة على الحدود الأردنية والسماح له بإدخال أية مساعدات من الجانب الأردني بالتنسيق مع بقية أعضاء الوفد.

وفي صباح اليوم التالي لم تدخل الحافلات إلى درعا البلد لتقل المهجرين، وسط رفض كبير من قبل جهاد المسالمة (رئيس غرفة البينان المرصوص) والثوار الرافضين للتسوية والبقاء في درعا ولو بضمانة روسية، لكن هذا الاعتراض لم يجدِ نفعاً بعد توقيع الاتفاق الذي جرى بين الوفد الروسي والشخصيات الأربعة التي اجتمعت معه وقبلت بعدم التهجير والبقاء في المنطقة طمعاً بالعروض الروسية التي قدموها لهم والتي تمنحهم امتيازات كبيرة في المنطقة.

وبعد ضغط من قبل جهاد المسالمة والثوار الرافضين للتسوية، وبعد اجتماع طارئ لغرفة عمليات البنيان المرصوص، تم التوصل لقرار بأن يذهب جهاد المسالمة مع الشخصيات الأربعة الأخرى للقاء الروس والمطالبة من جديد بإخراج الرافضين للتسوية إلى إدلب.

وأخبرهم الوفد الروسي بأن الحافلات ستتأخر 24 ساعة، لتقوم قوات النظام في هذا الوقت بالسيطرة على كامل الحدود الأردنية والوصول إلى خراب الشحم في ريف درعا الغربي، كما استطاعت بعد أكثر من 20 محاولة فاشلة للتقدم على القاعدة الجوية خلال الأيام الماضية بالسيطرة عليها بسبب ترك المقاتلين لجبهات القتال لتجهيز أنفسهم للخروج في الحافلات.

وبعد سيطرة النظام على القاعدة الجوية غربي المدينة وبلدة أم المياذن شرقها (مخالفاً الاتفاق الذي يقضي بالانتشار على الحدود الأردنية فقط) والحدود الأردنية جنوبها، أضحت درعا البلد تحت حصار مطبق دون وجود أي مؤشرات لدخول الحافلات لتهجير الثوار الرافضين للتسوية.

وبهذا الواقع الجديد بات الرافضون للتسوية والمطالبون بالتهجير إلى إدلب ضحية الاتفاق السري الذي أبرمه محمد خالد الدهني أبو منذر وأدهم الكراد أبو قصي وعبد الناصر محاميد أبو شريف (قائد لواء صقور الجنوب) والدكتور عبد الرحمن مسالمة مع الروس ليلاً.

ومع دخول محافظ درعا إلى المدينة ورفع علم النظام على سارية تمّ تجهيزها قبل يوم قرب الجامع العمري الذي شهد أولى مظاهرات الثورة السورية، فضلاً عن مرور رتل للشرطة العسكرية من داخل درعا البلد، واستمرار الروس بتأجيل دخول حافلات التهجير، تكاد تنعدم المؤشرات حول خروج الرافضين للتسوية، والذين باتوا رهينة السطوة الزائدة لعسكريي الاتفاق السري.

مقالات مقترحة
المطاعم السورية تعود لاستقبال روّادها في غازي عنتاب والوالي يحذر
كورونا.. استعداد لخطة الطوارئ في مناطق سيطرة النظام
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا