مسرح الوعي.. المرأة السورية في "الغرف الصغيرة" والإنكليزية في "بيت الدمية"

تاريخ النشر: 15.01.2022 | 08:36 دمشق

تعددت النصوص والعروض المسرحية السورية التي جعلت من قضية المرأة موضوعةً لها في ظل المسرح الصادر عن سوريا خلال السنوات العشر الماضية. ويمكن القول بأن مسرحَة قضايا المرأة واحدة من الموضوعات الأساسية التي برزت في ظل المسرح السوري المستقل خلال تلك السنوات. فجاءت الشخصيات النسائية، المراهقة منها والثورية، شخصيات أساسية في الكثير من العروض والنصوص، كما هي الحال في نصّي (عندما تبكي فرح) و(حبك نار) لـ مضر الحجّي، و(توتة توتة) و(الغرف الصغيرة) و(وقائع مدينة لا نعرفها) لـ وائل قدور، و(عتبة الألم لدى السيدة غادة) لـ عبد الله الكفري.

المرأة والوعي بالشرط الاجتماعي في رحلة بحثها عن الذات

كل هذه النصوص ربطت بين الحراك السياسي والاجتماعي الذي عاشته البلاد وبين سعي المرأة نحو التحرر والمساواة وتحقيق الذات. ما يخلق العديد من المقاربات، على سبيل المثال بين نص (الغرف الصغيرة- وائل قدور) ونص (بيت الدمية- هنريك إبسن)، فالنصّان يتقاطعان بالعلاقة مع مكان هو المنزل، وكلاهما يتعاملان مع المرأة التي تعيش حالة من التغيير والوعي كشخصية أساسية في المسرحية.

 

غرف صغيرة.png

 

ويعتبر الناقد عبد الكريم البشلاوي أن دويّ صوت الباب الخارجي في نهاية مسرحية (بيت الدمية) الذي تصفقه مسز (نورا هيملر) خلفها وهي تغادر بيت الزوجية -بعد أن أيقنت أنه لم يكن سوى بيت الدمية وأنها لم تكن سوى دمية يقتنيها زوجها- قد تردّد صداه في كل أوروبا في العام 1879 وفي كل تاريخ المسرح من حيث ارتباط المسرح بقضايا المرأة، فيقول: "لقد ثار النقاد على ذلك الكاتب المسرحي الذي قدم لهم، في شخص "نورا" زوجة وأم تكافح في سبيل استقلالها وحريتها ومساواتها بالرجل، وتهجر دور الزوجية والأمومة في تمرد على القوانين، القواعد الدينية، والنظرة الاجتماعية المقيدة للنساء بالصور النمطية. كيف يقدم لهم شخصية الزوجة التي تجرؤ على المشاركة في تحمل عبء المتاعب المالية للحياة الزوجية؟ فتستدين وتتورط في الدين؟ وتزوّر إمضاء أبيها، وكيف، وهو الأدهى في نظرهم، تغادر بيت الزوجية في نهاية الأمر غاضبة ثائرة لتصفق الباب خلفها؟".

 

بيت الدمية2.jpg
من مسرحية بيت الدمية لـ إبسن

 

كذلك الأمر في نص (الغرف الصغيرة) حيث تجري أحداث المسرحية في منزل تعيش فيه "صبا" (30 عاماً)، وتعتني بوالدها العاجز على مشارف المرض. بينما يضغط عليها الطبيب "عمار" ليتعرف على حياتها الداخلية، تخبره بأنها تعيش بدايات قصة حب مع "سعد" (صاحب دكان) والذي يتقرب منها باستمرار. تعيش صبا تحولاً داخل النص فهي تنتقل من دور الأخت والابنة الخادمة لمرض أبيها، لتبدأ تخطط بأحلام من العاطفة حيناً ورغبات المستقبل حيناً آخر. وهي تدفع بكلا الرجلين اللذين يحاولان التقرب منها إلى قتل والدها ومساعدتها على الخلاص من مصير الانتقال والعيش مع أخيها "كمال" المتشدد والمتسلط. ومع تشكّل وعيها بواقع الشخصيات الاجتماعي والاقتصادي من حولها تتغير قدرتها في التفكير والتحكم بمصيرها.

تجمع التقنية المسرحية التأليفية بين أسلوبي إبسن وقدور، فكلاهما يستعملان الحدث/ الحكاية التي جرت في الماضي، وكلاهما يرويان حكاية تجري علاقاتها الاجتماعية والنفسية أمام عين المشاهد

تجمع التقنية المسرحية التأليفية أيضاً بين أسلوبي إبسن وقدور، فكلاهما يستعملان الحدث/ الحكاية التي جرت في الماضي، الأثر الرجعي للحكاية، وكلاهما يرويان حكاية تجري علاقاتها الاجتماعية والنفسية أمام عين المشاهد. يكتب الناقد البشلاوي: "ومما يؤثَر عن إبسن قوله إن المسرح أشبه بغرفة أزيل حائطها الرابع لتكشف للمتفرج عما يجري بداخلها، ولكن يجب ألا يفوتنا أن المؤلف يشغل تلك الفجوة التي يطل منها المتفرج على الممثل، فكل ما نشاهده على المسرح يخضع لفنه وفكره وإحساسه".

 

الغرف الصغيرة
من مسرحية الغرف الصغيرة

 

والأهم أن الذي يربط بين نصوص الكاتبين هو تلك النزعة الأخلاقية في توظيف المسرح لتحسين واقع المرأة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي. يكتب البشلاوي عن مسرح إبسن: "قد يكون إبسن مرشداً أخلاقياً إلا أنه وقبل كل شيء فنان أصيل. وكل ما في الأمر أن الفنان فيه يمتزج بالنزعة الأخلاقية التي تتشرب باتجاه فلسفي. وتحتوي مسرحية (بيت الدمية) على أروع تصوير للمرأة في كل كتابات إبسن، ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأنها تعبير صريح عن رأيه في وظيفة المرأة من الوجهة الاجتماعية، وعن مكانها في الحياة".

المرأة والوعي الاقتصادي في مراحل البحث عن الذات

في الفصل الأول من مسرحية إبسن ندرك الأزمة المالية التي يقع فيها منزل آل هيلمر، نتيجة منطق الزوج "ألّا استدانة ولا اقتراض" لأن المرء لا يمكن أن يحس بالحرية والجمال في حياة منزلية تعتمد في كيانها على الديون والقروض. لكننا في الوقت نفسه ندرك بأن الزوجة هي القائدة الفعلية لمصاريف المنزل وشراء الأغراض، وهي تظهر بوادر رغبة في تغيير نظرة الآخرين إليها: "كلكم ترون أنني لا أقوى على مواجهة أي أمر جدي، وأنني لم أمر بأي تجربة قاسية في هذه الحياة الحافلة بالتجارب". وتطلعنا الحوارات أيضاً على الواقع القانوني للمرأة في تلك الفترة، فتحذر "لند" صديقتها نورا: "لا يخول القانون للزوجة أن تعقد قرضاً بدون موافقة زوجها". عملت نورا لمساعدة زوجها على التعافي، ففي الشتاء الماضي أسعدها الحظ بالحصول على مهمة لنسخ مجموعة من الأوراق، وعملت على الكتابة حتى ساعات متأخرة من الليل، تقول: "كنت أجد لذة كبرى في العمل والكسب، وكأنني لا أختلف عن الرجال".

ذلك يبين أن وعي المرأة بقدرتها وفاعليتها الاقتصادية هو جزء من عملية البحث عن الذات. كذلك الأمر مع "صبا" في مسرحية (الغرف الصغيرة) التي تفاضل بين الخيارات الاقتصادية لكل من الحبيب والطبيب في محاولة البحث عن مكان خاص تتخيل فيه مستقبلها بعيداً عن منزل الأب بعد موته، وربما لذلك نجد أنها تختار الرجل الشريك في المستقبل الأقوى اقتصادياً من بين الخيارين المتاحين لها.

تعيش صبا تجربة الانتقال من كنف العيش تحت سلطة الأب المشرف على الموت، باحثةً عن الاحتمالات بين الحبيب المتردد خوفاً من الأعراف الاجتماعية، وبين الطبيب المتزوج والمشرف على الطلاق. هي خيارات تجربة الانتقال من كنف الأب إلى الزوج، وهو تماماً ما تكتشفه نورا في مسرحية إبسن، وتصارح به زوجها ومن خلفه السلطة الأبوية:

- نورا: "كان أبي فيما مضى يسر إليّ في كل كبيرة وصغيرة. فنشأت اعتنق نفس آرائه، وإذا حدث أن كونت لنفسي رأياً مخالفاً، كنت أكتمه عنه خشية أن أضايقه. كنت في نظره عروساً من الحلوى، يدللني كما كنت أدلل عرائسي ولعبي، والآن انتقلت للعيش معك".

- هيلمر: "أهذا وصفك لرباط الزوجية المقدس بيننا؟

- نورا: كل ما أعنيه أنني انتقلت من يد أبي إلى يدك.. والآن، عندما أعود بذهني إلى الوراء، يخيل إلي أنني لم أكن أزيد عن عابرة سبيل كل همها أن تسد مطالب يومها. كانت وظيفتي، كما أردتها لي، أن أسليك، أنت وأبي جنيتما علي. والذنب ذنبكما إذا لم أصنع من حياتي شيئاً ذا قيمة".

المرأة والوعي المهني كثورة على الأدوار النمطية

تثور نورا على القانون: "إن القانون لا يتفق مع الصورة التي كانت منطبعة في ذهني. إذ هو لا يجيز لإمرأة أن تقصي الهموم عن أبيها المريض، ولا تنقذ حياة زوجها. وهو ما لا يتصوره عقلي". تثور كذلك على الدين: "لايسع علمي أكثر من القشور التي تلقفتها من فم الكاهن يوم الاعتراف، إذ أوصانا بما تنص عليه تعاليم الدين، دون أن نفقه بالضبط ما يرمي إليه".

ومن خلال تجربة الاقتراض دون إعلام الزوج، تعيش نورا رحلة وعي بالشروط الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من حولها، فهي تصطدم مع تمييزية القانون ضد المرأة: "ألا يحق للابنة أن تجنب أباها المشاغل والمضايقات وهو يعالج سكرات الموت؟ ألا يحق للزوجة أن تنقذ حياة زوجها؟ لست أعرف الكثير عن القانون". تتمرد على الأعراف الاجتماعية، والدين، وذلك في رحلة انتقال لتكون أولويتها هي تحقيق ذاتها، وواجباتها المقدسة حيال ذاتها حسب تعبيرها:

- هيلمر: "أتهجرين بيتك وزوجك وأولادك دون أن تفكري فيما قد يقوله الناس؟".

- نورا: "لست أبالي بما قد يقوله الناس، فلا بد لي أن أذهب".

وتثور على الواجبات المقدسة المناطة بها كزوجة وأم:

- هيلمر: "دون اكتراث بأقدس واجباتك؟".

- نورا: "ما هي أقدس واجباتي في نظرك؟".

- هيلمر: "وهل هذه مسألة تحتاج إلى شرح؟ لأنها واجباتك نحو زوجك وأولادك".

- نورا: "لدي واجبات أخرى لا تقل عنها قداسة. واجباتي نحو نفسي".

تضحية مرغريت آن بيري في بحثها عن الذات

 إن الوعي المهني، أو رغبة الذات في تحقيق نفسها عبر العمل واحدة من الدوافع التي تدفع بخيارات المرأة بعيداً عن الصور النمطية المناطة بها عبر الثقافة. وأهداف الشخصيات النسائية في تحقيق الذات عبر المهنة هي عوامل دافعة لتغيير الشرط الوجودي. لقد تخلت الإنكليزية (مرغريت آن بيري) عن جنسانيتها لقاء ممارسة شغفها بمهنة الطب. كان عمرها 19 عاماً حين توفي أخوها الفنان جيمس بيري، فعملت على انتحال شخصيته، وتحويل جنسها لأجل رغبتها في دراسة الطب، في مرحلة تاريخية قبل السماح للمرأة الإيرلندية بحق التعليم الجامعي. عاشت السنوات الجامعية بهوية مغايرة لجنسها الفيزيولوجي والجندري التي عرفتها في سنوات عمرها العشرين الأولى. وذلك في سبيل تحقيق رغبتها في احتراف، هذه التضحية بالذات الجنسانية لأجل الذات المهنية، جعلتها من أبرع الأطباء/ الطبيبات في تلك المرحلة، ما دفع الجيش البريطاني لطلب انضمامها إلى صفوفه.

 

 

وفي عام 1812 نجحت مرغريت في اختبار الكلية الملكية للضباط في إنكلترا. ثم عملت كمساعد طبيب في الجيش البريطاني، وتنقلت معه كطبيبة، في الهند وفي جنوب افريقيا، وشغلت مناصب كالمسؤولة ونائب المفتش العام للمستشفيات. لكنها برعت بأكثر في إخفاء هويتها الجنسية الحقيقية لأن أحداً لم يكتشف حقيقة هويتها الجسمانية، وحتى أنها خططت للحظة ما بعد الموت في غرفة منزلها، وخطت عبارة منعت فيها أن يتم فحص الجثة الطبي، وأنه عليهم تكفينها ودفنها مباشرة، لقد برعت في توظيف معارفها الطبية في إخفاء هويتها الجنسية حتى توفيت عن عمر 76 عاماً، لتكتشف خادمة المنزل هوية الجثة الجنسية.

لا تبلغ الشخصية النسائية صبا في (غرف صغيرة) وعيها المهني، لكن النص التالي للكاتب المسرحي وائل قدور بعنوان (توتة توتة) سيحمل دفاع شخصية الفتاة الجامعية في رغبتها بالدراسة والاختصاص في مهنة المسرح والتمثيل، ما يمكن اعتباره بحثاً عن الذات من خلال الدفاع عن حق اختيار دراسة الاختصاص والمهنة.