مخزن الأنغام والذكريات رحل

تاريخ النشر: 02.02.2022 | 05:09 دمشق

بعدما تعرضت حلب، مدينتي الأم، للدمار وللتدمير، وبعدما نزح عنها مئات الألوف من أهلها وصمت الباقون، وبعدما صَدَقَ توقع المستشرق الروسي يفغيني بريماكوف بأن مصيرها سيكون كمصير مدينة غروزني عاصمة الشيشان التي دمرها الجيش الروسي عن بكرة أبيها، صار من الصعب على من أحب الحجر والبشر في هذه الحاضرة أن يكتب عنها وكأنها في طور الحياة. كما أن الكتابة عنها كراحلةٍ نبكي أطلالها سيكون مصدر إحباط يتكسر على نصالٍ ما فتئت تتراكم في جسد من يشعر من الناس.

ومؤخراً، طلب مني مركز بحثي فرنسي أن أشارك في كتابٍ علمي يُعالج موضوع "المدن والحرب" بانطباعات يمتزج فيها السياسي والاجتماعي والثقافي عن حلب. وقد قبلت الدعوة بحماس منقطع الأنفاس اعتقاداً مني بأهمية أن أدلو بدلوي في موضوع كهذا، وبأنه تتوفر لدي آلاف الكلمات لأصف علاقتي المعقدة بهذه المدينة قبل 2011 والتي عرفتها طفلاً ويافعاً، تلميذاً وطالباً. وكأي بحثٍ علميٍ جاد، وليس "مسلوقاً" على نارٍ حامية، استبقت الكتابة بوضع المخطط ليكون عوناً لي في التقدم بتحقيق المشروع. وبدأت بتجميع الكتب والمقالات التي تعرضت لمصائر مدن عرفت نفس المسار كسراييفو البوسنية ودوبروفنيك الكرواتية.

شرعت بالعمل على نصي بعد وضوح الإشكالية التي ستكون محل تحليل لاستخلاص ما يمكن من استنتاجات ـ وربما توصيات ـ يمكن أن أُثري من خلالها التفكير بمصير مركز حضري بأهمية حلب

من خلال الغوص في "تجارب" المدن الأخرى، وقبل الولوج في ميدان الدمار والتدمير السوري، أصابتني قراءاتي بحالة متشابكة من الألم على مسار الخراب والموت الذي عرفته، إضافة إلى التفاؤل بمآلات أغلبها والتي سبق أن زرتها من حيث النجاح الملموس لمسار إعادة البناء المادي والمعنوي فيها. وقد زودتني هذه القراءات بحماس نسبي لكي أتصدّى لمشروعي الجديد. وقد شرعت بالعمل على نصي بعد وضوح الإشكالية التي ستكون محل تحليل لاستخلاص ما يمكن من استنتاجات ـ وربما توصيات ـ يمكن أن أُثري من خلالها التفكير بمصير مركز حضري بأهمية حلب.

اعتماداً على المخطط، وللتطرق إلى علاقة حلب بالحرب ولاستشراف المخارج المحتملة لها من الحالة تلك على الرغم من "انتهاء" هذه الحرب رسمياً منذ عدة سنوات، تصورت بأنه لدي الكثير مما يمكن أن أُضمّنه في البحث للتمهيد اللازم لفهم ما جرى، خصوصاً عن تلك الفترة التي عشت خلالها عدداً من الأحداث السياسية التي عصفت بالمدينة، كما عاصرت العديد من التغيرات الاجتماعية التي عرفتها. وبالتالي، فقد اعتمد المخطط على الرجوع إلى سنوات ما قبل الثورة لاستعراض منبت العوامل المتعددة التي لعبت دوراً أساسياً في الوصول إلى الحراك الثوري الذي عرفته.

وعلى الرغم من كثافة المراجع التاريخية والسياسية من كتب ومقالات، وبلغات عدة، إضافة إلى وضوح مخطط الموضوع والذي يسمح بالخوض في الكتابة دون تردد يُذكر، تعرضت لحالة من التلعثم التحريري عندما بدأت في استحضار علاقتي مع المدينة. ولم أنجح في سعيي لمعالجة البحث بتجرد علمي وذلك بسبب تقاطع رغبة محرري الكتاب بإضفاء عامل الشهادة الشخصية في النص، مع الحمولة العاطفية الملتهبة التي تيقظت لدي أمام الكم الكبير من الذكريات. وسرعان ما تحوّل هذا التردد إلى جمود كامل وعدول عن المتابعة واعتذار للقائمين عن المشروع طارحاً بكل شفافية ما اعتراني من موانع.

بعد فترة وجيزة من اعتذاري ومن تفهّم المحررين، اعتقدت أن الكتاب صار منسياً بالنسبة لي فإذ بهم يعودون للضغط على مشاركتي بطريقة الحوار لاعتقادهم أن ذلك سيريحني من الكتابة ومن آلامها عن هذا الموضوع، فقبلت على مضض، فكان الحوار الذي لم ينج من دقائق الصمت الطويلة والتي تحملها المحررون بتفهّم زائد.

في نهاية عرضي "العاطفي" هذا، توقفت عند إغلاق مخزن للموسيقا عرفته منذ يفاعتي ونهلت من ثقافة صاحبه التي أثرتني في اختياراتي

في نهاية الحوار، جرى سؤالي عن السبب الذي منعني من كتابة البحث، فطال صمتي أيضاً واسترجعت الصفحات التي قرأتها للتحضير سابقاً، كما زرت محطات لافتة أثرت في قراري ساعياً لمعرفة الشعرة التي قصمت ظهر النص. كان اعتقاد أصحاب المشروع بأن الدمار الهائل الذي تسببت به براميل المتفجرات وغارات الطيران، هو عماد ألمي. فلم أخيب ظنّهم بالتأكيد على أهمية ما أوردوه، ولكنني أضفت بعداً شخصياً له علاقة بساعات تجوالي الطويلة في أزقة المدينة الخالية في أيام الجمع. كما علاقتي العلمانية والجمالية بدور العبادة المتوزعة في أحيائها. كما مكوثي لساعات صامتة منفرداً مع وحدتي في قمة قلعتها التي شوّه جزء كبير منها فساد القائمين عليها بمسرح إسمنتي قبيح كأخلاقهم. وفي نهاية عرضي "العاطفي" هذا، توقفت عند إغلاق مخزن للموسيقا عرفته منذ يفاعتي ونهلت من ثقافة صاحبه التي أثرتني في اختياراتي، والذي زودته طوال سنين بما اخترته وتوافق مع ذوقه الفني المرهف من مقطوعات ومن موسيقا راقية. مخزن صغير للغاية كان المرور به والوقوف مع صاحبه لوقت طويل ـ حيث لا كرسي لديه ـ يُعتبر طقساً مقدساً لي عند بحثي عن رحلة تُخرجني، ولو لدقائق، من التصحّر الثقافي المرغوب فيه سلطوياً.

كان هذا المخزن بالنسبة لي معلماً بأهمية أسواق المدينة وقلعتها. وإغلاقه عنى لي أن جزءاً آخر هاماً من المشهد الذي انطبع في ذاكرتي عن مدينتي التي فقدتها قد غاب ولن يعود أبدا.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار