محنة اللاجئين السوريين في لبنان..

محنة اللاجئين السوريين في لبنان..

الصورة
01 تموز 2018

يوسف بزي

كاتب وشاعر وصحافي لبناني.

يحظى الخطاب الشعبوي لـ"التخلص من اللاجئين" والمفعم بمشاعر عنصرية وتمييزية، بقبول واسع ومتزايد في أوساط اللبنانيين. وللأسف، يتلاقى هذا الجنوح المحلي في معاداة اللاجئين والخوف منهم مع صعود اليمين الشعبوي المعادي للمهاجرين في أوروبا وأميركا.

السجال الجوهري اليوم في أوروبا هو كيفية الحد من تدفق اللاجئين والتخلص منهم. أما في أميركا، فكان وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة مرتبطاً بعنوان تحصين الحدود وإقفالها بوجه المهاجرين، خصوصاً منهم المسلمين.

نتائج الانتخابات في دول مثل هنغاريا وإيطاليا تشير بوضوح أن زمن أوروبا المفتوحة انتهى تقريباً. وأمام هيمنة هكذا سياسات في "العالم الحر" والديموقراطي، يصبح من الصعب جداً مواجهتها محلياً، على الرغم من الاختلافات الجذرية بين مسألة اللجوء المؤقت في لبنان، واللجوء الدائم بهدف التوطن في أوروبا وأميركا وأستراليا، عدا الاختلاف الكبير بين لبنان وتلك الدول البعيدة، من حيث التجاور والترابط والتداخل الذي يجمع لبنان وسوريا والاتصال العميق في مختلف مناحي الحياة وأنشطتها بين الشعبين.

في لبنان، يحظى خطاب وزير الخارجية والنائب جبران باسيل ليس فقط بشعبية واسعة وقبول متزايد عند الرأي العام، بل بات هذا الخطاب ضد اللاجئين (السوريين أولاً) يهيمن فعلياً على السياسة العامة للدولة، ويتحكم في سلوك الدوائر الرسمية كما في سلوك الكثير من المواطنين.

إن المكاسب السياسية التي جناها حزب باسيل، من جراء خطاب التخويف وإثارة الغرائز والتحريض ضد وجود اللاجئين، دفعت بأحزاب أخرى إلى التماهي معه ومجاراته، بل والمزايدة عليه. وما يروجه الوزير الأكثر نفوذاً اليوم في لبنان بات في أذهان العامة والإعلام بمثابة حقائق غير قابلة للطعن: "اللاجئون السوريون هم عبء على لبنان، هم أصل كل المشاكل وسبب جميع الأزمات وعلتها، هم تهديد لهوية البلد، هم خطر وجودي"..إلخ

إن أحداثاً متكررة، عنصرية الطابع، تكشف أيضاً عن مدى الضغوط اليومية المموهة والمواربة التي تُمارس على سكان مخيمات اللجوء كي يتخذوا قراراً "من تلقاء أنفسهم" للعودة المحفوفة بالمخاطر إلى حضن "سوريا الأسد".

العنوان الأول في سياسة لبنان راهناً هو التخلص من اللاجئين السوريين وخلق مناخ طارد لهم. والسجال الذي يأخذ أحياناً طابعاً حاداً بين المنظمات الدولية (المعنية برعاية اللاجئين ومساعدتهم) والسلطات اللبنانية، يكشف عن ممارسات رسمية ممنهجة لدفع اللاجئين السوريين إلى المغادرة الإجبارية في كثير من الأحيان. إن أحداثاً متكررة، عنصرية الطابع، تكشف أيضاً عن مدى الضغوط اليومية المموهة والمواربة التي تُمارس على سكان مخيمات اللجوء كي يتخذوا قراراً "من تلقاء أنفسهم" للعودة المحفوفة بالمخاطر إلى حضن "سوريا الأسد".

ولأن إجبار اللاجئين على العودة القسرية ودفعهم علناً وعلى نحو تعسفي نحو الحدود أمر لا تتحمل الدولة اللبنانية تبعاته الدولية، حقوقياً وسياسياً، فقد نجح ما نسميه "تيار جبران باسيل" (كرأي عام وكسلوك لبناني عمومي ورسمي) في تحويل لبنان إلى جحيم يومي للاجئ السوري، ليس فقط على مستوى جرح كرامته وشعوره بالدونية والتمييز والإهانة، لكن أيضاً على مستوى توفير الحد الأدنى من الخدمات والحاجات والتعليم والصحة. وبهذا المعنى، بات اللاجئ السوري واقعاً بين جحيمين: الاضطهاد الأسدي الذي فرّ منه، والقهر اللبناني الذي يحاصره. ولذا، فكلمة "العودة الطوعية" التي تقال بخبث سياسي، هي في معظم الأحيان فارغة من معناها وكاذبة.

إن ما يُحاك الآن ضد اللاجئين السوريين في لبنان، هو جزء من التوافق الإقليمي لتصفية "القضية السورية". فتحويل الثورة إلى مجرد "عصيان مسلح لمنظمات إرهابية"، وتحويل حرب النظام على الشعب السوري إلى "حرب أهلية" يجب إنهاءها ببقاء النظام نفسه، وتحويل حملات الإبادة إلى "حوادث مؤسفة" وتحويل "التطهير الطائفي" إلى مجرد "مدنيين هاربين من الحرب"، ثم تحويل هؤلاء الهاربين إلى لاجئين غير مرغوب بهم، أو هم عبء وخطر على الدول الأخرى.. كل هذا يمحو بدناءة عالمية واحدة من أكثر القضايا فداحة في مظلوميتها وعدالتها. فهي الآن باتت قضية "إنسانية" لا قضية "الحق بتقرير المصير".

ما يحدث اليوم هو تطور مدروس وخطة ممنهجة. فما لا يستطيعه لبنان الرسمي، المقيد بالمعاهدات والمواثيق الدولية، سيتنكبه "حزب الله". هذه الاستراتيجية المتبعة حرباً وسلماً، على الحدود وخارجها، في الداخل وفي بلاد الآخرين، يبدو أنها الآن ستستخدم في "حل مسألة اللاجئين".

الخطاب الأخير لحسن نصرالله (29 حزيران)، كشف أن "حزب الله" من الآن فصاعداً هو من سيمسك بملف اللاجئين، وسيتولى نيابة عن الدولة رسم خطة التخلص منهم، وإعادتهم إلى حظيرة الخضوع للسلطة السورية، بغض النظر عن المصير الذي سيلاقونه، عقاباً أو إذلالاً إضافياً أو ترويضاً تعسفياً وقاسياً. والخطة بالغة الوضوح، في مسارين متلازمين: المسار الأول، تحت عنوان تنظيم عودة النازحين يبدأ التطبيع السياسي والأمني برعاية "حزب الله" بين النظام السوري والدولة اللبنانية. والمسار الثاني، إمساك "حزب الله" وسيطرته على جميع السوريين المقيمين بلبنان، وترتيب "تدجينهم" وترويضهم وإعادتهم إلى كنف النظام السوري بخضوع تام.

كان نصرالله واضحاً: "إن حزب الله وانطلاقاً من علاقته مع سوريا، يريد أن يمد يد المساعدة. وبالتالي سنتواصل مع النازحين السوريين ونسجل أسماء من يريد العودة ونعرض الأسماء على الدولة السورية ونتعاون مع الأمن العام اللبناني لإعادة أكبر عدد ممكن من النازحين الذي يرغبون بالعودة الطوعية".

وأضاف: "شكلنا ملفاً في حزب الله لمساعدة النازحين السوريين للعودة، وكلفنا النائب السابق نوار الساحلي مع مساعدين لديهم مراكز ليتصل بها النازحون".

هذه "المبادرة" من "حزب الله" أتت على ما يبدو بعد إمعان لبنان الرسمي في الذهاب باتجاه مخالفة الإرادة الأممية، خصوصاً بعد النتائج الفاشلة لزيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى بيروت، التي تركزت على جملة مشاريع اقتصادية مرتبطة في بعض أهدافها بمساعدة لبنان على تحمل أعباء اللجوء.

وتروج السياسة اللبنانية الرسمية جملة معطيات اقتصادية غير دقيقة، تستثمرها في ابتزاز المزيد من "المساعدات الدولية"، كما يوظفها سياسيون من طراز جبران باسيل في حملات التحريض على اللاجئين بما تجنيه من مكاسب شعبوية وسلطوية، وأخيراً يستخدمها "حزب الله" (بالتنسيق مع النظام السوري حتماً) في تصفية آثار جرائم الأسد عبر إمساكه بملف "عودة النازحين" وإقناع اللبنانيين بروايته عن شرعية تورطه في الحرب على الشعب السوري.

يردد مسؤولون لبنانيون أن الخسائر الاقتصاديّة، التي أصابت لبنان بسبب النزوح السوري، بلغت 19 مليار ونصف مليار دولار أميركي. حصل لبنان على 9 مليارات و720 مليون دولار على شكل مساعدات. فتكون كلفة أعباء النازحين حوالى 9 مليارات و778 مليون دولار.

تحميل اللاجئين مسؤولية خسائر القطاع العقاري المقدرة بـ 7 مليارات و600 مليون غير مفهوم إطلاقاً، فتلك خسائر ترتبت منذ العام 2011 على ركود الاستثمار العقاري في كامل المنطقة، المشرق العربي والخليج وأبعد.

لكن عند التدقيق بالأرقام تتكشف حقيقة أخرى. فتحميل اللاجئين مسؤولية خسائر القطاع العقاري المقدرة بـ 7 مليارات و600 مليون غير مفهوم إطلاقاً، فتلك خسائر ترتبت منذ العام 2011 على ركود الاستثمار العقاري في كامل المنطقة، المشرق العربي والخليج وأبعد، لأسباب تتعلق بالحروب وبالثورات وبتراجع أسعار النفط وهروب المستثمرين إلى أمكنة بعيدة عن الشرق الأوسط المضطرب، ولا علاقة للنازحين بها. بل ثمة أرقام أخرى تشير أن قسماً كبيراً من السورين الذين نزحوا إلى لبنان، وبعضهم لجأ إلى تدبير احترازي من دون نزوح، عمدوا إلى استئجار أو حتى شراء الشقق السكنية. هؤلاء أنفقوا عشرات الملايين خلال سبع سنوات في السوق العقارية اللبنانية، وبالتالي خففوا كثيراً من أزمة هذا القطاع.

الرقم الآخر الذي يحمل مفارقة مدهشة هو القول إن خسائر السياحة بلغت 4.7 مليار دولار، أما كيف تسبب النازحون بهذه الخسائر فما من جواب إلا أن هؤلاء يجب تحميلهم تعسفاً وافتراء مسؤولية الحرب ببلادهم ومسؤولية اعتكاف السياح الأجانب والسياح الخليجيين عن المجيء إلى لبنان. علماً أن السوريين اللاجئين أو الزائرين اليوميين إلى لبنان، أنفقوا حوالي ملياري دولار سنوياً خلال الأعوام السبعة المنصرمة. ويضاف إليها حوالي 1.5 مليار دولار تدخل إلى لبنان على شكل مساعدات دولية للاجئين مباشرة أو لمنظمات دولية ومحلية ومؤسسات حكومية، ما يرفع من قيمة واردات الدولة.

يبلغ التحامل على اللاجئين إلى حد إلقاء اللوم عليهم بخسائر القطاع المصرفي. فما علاقة النشاط المصرفي والبنوك اللبنانية بوجود أو عدم وجود نازحين؟ علماً، أن هذا النشاط في بعض جوانبه يستفيد استفادة قصوى من الرساميل السورية المهربة من الداخل إلى لبنان.

ما يسكت عنه المغرضون على اللاجئين السوريين، هو الاستغلال الاقتصادي الواسع النطاق لرخص اليد العاملة التي يشكلها هؤلاء النازحون، في القطاعات الحيوية الأساسية: الزراعة والبناء والمهن اليدوية والصناعة. يوفر هذا الاستغلال أرباحاً هائلة غير منظورة للاقتصاد اللبناني، تستفيد منه تلك الطبقة نفسها التي تحرض الفقراء اللبنانيين على الفقراء السوريين.

إزاء هذا المشهد المريع من تكاذب وأرقام متوهمة ومناخات عنصرية وسياسات تحريضية، وتناس متعمد للسبب الأصلي في محنة السوريين، تظهر الوقاحة حين يلعب "حزب الله" دور "المنقذ" للبنانيين والسوريين في آن واحد!

في المحصلة، يتحالف الإجحاف الدولي مع الخبث الإقليمي مع الإجرام الأسدي الروسي الإيراني.. سحقاً للشعب السوري ومحواً لقضيته المغدورة.

شارك برأيك