مات اللواء مع كل حاشيته

مات اللواء مع كل حاشيته

مات اللواء مع كل حاشيته

تاريخ النشر: 27.02.2021 | 00:08 دمشق

آخر تحديث: 27.02.2021 | 00:10 دمشق

كان رجل المخابرات الذي يخدم في فرع مكافحة التجسس مثار إعجاب كثير من الشباب في مدينتنا الصغيرة فهو من طينة الرجال الذين يملكون الأسرار الكبيرة، وممن يعملون على حفظ أمن البلاد من اختراقات الجواسيس والخونة، وربما يكون مشرفاً على أحد الجواسيس السوريين في قلب الموساد الإسرائيلي الذين يرسلون تقاريرهم بالحبر السري.. هكذا رسم الشباب صورة رجل فرع التجسس.

فوق كل ذلك كانت سمعة معلمه رئيس الفرع 300 العميد بهجت سليمان تفزع قلوب الذين يهمسون في سرهم معارضة للأسد ونظامه، وأما مهماته المعلنة فهي داخلية وخارجية فهو يمارس التجسس والتجسس المضاد، وكذلك مراقبة كل من يدخل سوريا من الأجانب ومن العرب غير السوريين.

بهجب سليمان الذي كان يقدم نفسه كشاعر ومثقف كبير كانت له مهمة أخرى هي إخضاع كل الذين يعيشون تحت الضوء من صحفيين ومثقفين وفنانين لهيمنة فرعه

الشباب المعجبون بقامة مساعد الأمن في فرع التجسس اكتشفوا أن مهمته كانت إحصاء أنفاسهم فخلال فترة وجيزة من الملاطفة مع معجبيه تم اقتياد العشرات بتهم عديدة منها الانتماء إلى تنظيمات متشددة، وهكذا عرف البقية أن مهمة الفرع ببساطة هي التجسس على السوريين وعدّ أنفاسهم واعتقالهم، وترهيبهم بالويل إذا تجرؤوا بالتفكير أو الغمز من مقام القيادة أو الحزب أو النيل من هيبة الدولة الصامدة.

أما بهجت سليمان الذي كان يقدم نفسه كشاعر ومثقف كبير فكانت له مهمة أخرى هي إخضاع كل الذين يعيشون تحت الضوء من صحفيين ومثقفين وفنانين لهيمنة فرعه، وفنجان القهوة في مكتبه كان يدلل على أن مصير المدعو له إما مخبر ساقط أو معتقل أو شبيح سيصول ويجول كما يحلو له فهو يضرب بسيف اللواء وسلطته.

القريب من سيادته يفك المشنوق كما كان يتداول السوريون الذين أدركوا فيما بعد أنه هو من يصدر أوامر القتل والشنق، وأما البعيد عنه فمهمل ومرمي في أسفل مجتمع الثقافة والفن والإعلام فبصمة سليمان كان يجب أن تُطبع على فم وظهر من لديه الطموح بأن يتسلم منصباً، أو يكون له منبر، وهكذا كانت سوريا المرئية للعالم ابنة الفروع الأمنية ومثقفها الكبير بهجت سليمان.

ثم كان العام 2011 عام الاصطفافات الكبيرة إما معنا (النظام) أو خائناً عميلاً مهما علت قامتك أو صغرت، وباتت صفحة اللواء الذي أصبح سفيراً مهبط أمان للناجين من بحر الموت الذي ضرب البلاد الساكنة، وبملاحظة بسيطة ستجد في صفحة اللواء على الفيسبوك نواب مجلس الشعب واتحاد الصحفيين والأعضاء ممن ارتضوا هذا السيل من الدم.

صوته الحقيقي كان ابنه (حيدرة) الذي لا يترك شتيمة تعلمها من مدرسة والده إلا ويطلقها بحق السوريين

أيضاً كان للعرب حظوة في هذا الملكوت الأزرق الذي يطلق الآهات لمنشورات المناضل المثقف الذي أرخى لحيته البيضاء، وبات داعية يمينياً تارة وغيفارا اليساري تارة أخرى، وصوت الحق الذي لا ينطق إلا بما يمليه عليه إيمانه الكبير بانتصار المؤمنين بينما صوته الحقيقي كان ابنه (حيدرة) الذي لا يترك شتيمة تعلمها من مدرسة والده إلا ويطلقها بحق السوريين الخونة الذي شبوا عن الطوق وتمردوا على الأقبية التي يعدهم بالموت في عتمتها.

ستكون (نجلاء قباني) سيدة الأبراج من بين معجبيه، وكذلك (عمر ناصف) مذيع قناة المنار، ومحامون ونواب واقتصاديون أردنيون، ومثقفون فلسطينيون من جماعة أحمد جبريل وسواه، وأيضاً من بين هؤلاء بعض الذين كان يتم تمويلهم بأذرع الأمن كالتجمعات الطلابية الموالية في أوروبا، وصفحة المصالحة الشعبية وهذه الأخيرة كانت تعكس مدى العبث في مصائر السوريين فلسان حال هؤلاء يقول لك: أنت قاتل ومجرم ويمكننا أن نعفو عنك إن اعترفت بأنك مغرر بك وساذج.

وأخيراً بعد عمر من القتل مات اللواء وسيدفن كما أوصى في السيدة زينب حيث هواه ومستقره.. وكذلك ماتت صفحته الزرقاء التي لم ينسحب منها بعد حموع الأفاقين، وأما منشوراتها الأخيرة فاقتصرت على نعيه ومعه صديقه أنيس النقاش الذي سبقه بساعات إلى حيث لا حاشية تطبّل ولا مرافقون وشبيحة.. لأن اللواء مات مع كل حاشيته.

مقالات مقترحة
وفيات كورونا حول العالم تتجاوز 3 ملايين
عالم تركي يطوّر دواء يقضي على كورونا خلال أيام
أنجيلا ميركل تتلقى أول جرعة من لقاح "أسترازينيكا"