لونا الشبل والبي بي سي

تاريخ النشر: 12.04.2022 | 08:11 دمشق

كثر الجدال حول اللقاء الذي أجراه القسم العربي في فضائية البي بي سي BBC مع لونا الشبل، مستشارة الرئيس السوري في دمشق. اللقاء كان، في العرف الصحفي، أقرب إلى العمل الترويجي منه إلى المقابلة الصحفية المهنية. وقد جرت العادة أن يتم اتهام القسم العربي في الإذاعة البريطانية، ومنذ بدء الربيع العربي، بالوقوف إما في موقع الحياد السلبي جداً أو بالترويج للأنظمة المستبدة. وفي هذا اللقاء، تجنّب المذيع نور الدين زورقي إحراج محاورته بأي شكل من الأشكال، أو حتى الاستفسار منها عما تفوّهت به من كلام يدعو للسخرية في أقل تقدير، وعلى الرغم من أجوبتها التي تدخل في صنف اللامعقول، إلى درجة يمكن القول فيها بأن اللقاء أجرته إذاعة رسمية سورية. وتناول المعلقون في وسائل التواصل الاجتماعي هذا الصحفي ومؤسسته بالنقد الشديد.

أُسس القسم العربي في إذاعة لندن سنة 1938، حيث كان الوجود البريطاني في الشرق الأوسط قوياً جداً في العراق وفي فلسطين خصوصاً. إلا أن الإذاعة تميزت بحد أدنى من المهنية والموضوعية في تناول القضايا السياسية. وتميّز القسم العربي منذ بدايته بالإتقان الشديد للخطاب الإعلامي المستفيد من التقاليد البريطانية. ومن لدن هذه الإذاعة، انطلقت القناة التلفزيونية الفضائية الإخبارية سنة 1994، والتي اعتبرها الكثيرون، وخصوصاً في بداياتها، مخبراً عملياً لتأهيل وتدريب المذيعين الجادين الذين انتشروا فيما بعد في محطات فضائية عربية كالجزيرة والعربية. ومع تطور العمل في القناة الفضائية إلى جانب الإذاعة أيضاً، توسّع الكادر الإعلامي العربي العامل في كلتيهما. وقد حدث ذلك في ظل موجة تأسيس أقنية تلفزيونية لدول أوروبية تتوجه إلى ساكني البلدان العربية بلغتهم. فانطلقت قناة الدويتشه فيليه الألمانية باللغة العربية سنة 1992، وقناة فرنسا 24 أيضاً باللغة العربية سنة 2006. وقد استخدمت القناة الفرنسية في بدايتها إعلاميين خبروا التوجه إلى منطقة الشرق الأوسط ومعالجة أخباره والتطرق إلى مجتمعاته بلغة الضاد عبر إذاعة مونت كارلو العربية التي أسست سنة 1972.

اعتقد كثيرٌ من المتلقين في الدول العربية بأن المحطات الإخبارية الأوروبية ستحمل لغة إعلامية جديدة تبتعد عن مهادنة الحكام. وهذا بالفعل ما قامت به أغلبها في بداياتها. إلا أن الاعتماد على إعلاميين محترفين أتت بهم المحطات من عدة دول عربية، لا تتمتع غالباً بنظام ديمقراطي يُتيح للإعلام أن يقوم بدوره الرقابي والجدلي والنقدي، أدى إلى تطور جماعات إيديولوجية ومناطقية ومذهبية وطائفية تعكس تماماً الانقسامات المتعددة التي يعيشها العالم العربي على مختلف الأصعدة.

هذه الانقسامات لم تنحصر بعكس الخلافات بين الأنظمة، بل أيضاً، لقد عكست، وبفجاجة، الخلافات السياسية والدينية ضمن البلد الواحد

لقد أعادني الجدل الذي سببته المهادنة الإعلامية والترويج السياسي الذي قامت به المحطة اللندنية لمستشارة الرئيس السوري إلى دراسة بالفرنسية قمت بها في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حين حللت حينها في نيف وثلاثمئة صفحة آلية العمل في إذاعة مونت كارلو العربية حيث اهتممت بتحليل الخطاب السياسي حينذاك والذي كان يعكس بشكل كاريكاتوري الانقسامات العربية كلها. هذه الانقسامات لم تنحصر بعكس الخلافات بين الأنظمة، بل أيضاً، لقد عكست، وبفجاجة، الخلافات السياسية والدينية ضمن البلد الواحد. ولقد كان المثال اللبناني صارخاً في هذا الاتجاه. حيث كانت تختلف، وعلى سبيل المثال، صياغة نشرات الأخبار بين مذيعٍ قريبٍ من الأحزاب اليسارية أو آخر منتمٍ لحزب يميني. كما يصح نفس التمييز بين المسلم والمسيحي، وبين الشيعي والسني.. الخ.

لا سياسة تحريرية واضحة ولا خط تحريري متين يفرض نفسه على العاملين في ظل غياب الإدارة الفرنسية عن الإشراف على المضمون والاكتفاء بالإشراف الإداري والمالي. وقد خلصت في نهاية بحثي إلى عدد كبير من التوصيات الموجهة إلى أصحاب القرار في المؤسسة الرسمية الفرنسية التي أطلقت هذه الإذاعة لتكون صوت فرنسا باللغة العربية تلبية لرغبة من الجنرال شارل ديغول لم يتح له أن يراها تتحقق. وما زلت أحتفظ بجواب أحد المسؤولين حينذاك الذي شكرني على عملي العلمي وحرصي على الحفاظ على الموضوعية والمهنية في مؤسسة حكومية حوّلها العاملون فيها إلى فوضى تحريرية لا تعكس إلا الخلافات العربية / العربية. ومنذ ذاك الحين، لم يطرأ أي جديد، لا بل وتطوّرت الفوضى "الخلاقة" للانتقال إلى القسم العربي من المحطة الإخبارية فرنسا 24 إلى درجة أنها أضحت تروّج للثورات المضادة في الدول العربية، كما تستقبل ممثلي الديكتاتوريات العربية فاسحة لهم المجال للتعبير وللتواصل دون أن يكون هناك أي توازن في التعامل مع المعارضات العربية، على عكس ما تدّعي المؤسسة الرسمية الفرنسية السعي إليه.

ليس المطلوب من الإعلام المهني أن يعكس وجهة نظر أحادية مهما كانت على حق. بالمقابل، فالاكتفاء بالترويج لوجهة نظر الاستبداد دون أي تدخل نقدي، لهو من أسوأ الممارسات الإعلامية

والقسم العربي في البي بي سي، وبعد أن كان يتمايز عن إذاعة مونت كارلو حينما كان إذاعياً فقط، بالموضوعية وبالمهنية، إضافة إلى تخريجه كوادر إعلامية متميزة، فقد تحوّل هو بدوره، ومع نشوء المحطة التلفزية، إلى فوضى "خلاّقة" تروّج للديكتاتوريات العربية في الكثير من المناسبات.

ليس المطلوب من الإعلام المهني أن يعكس وجهة نظر أحادية مهما كانت على حق. بالمقابل، فالاكتفاء بالترويج لوجهة نظر الاستبداد دون أي تدخل نقدي، لهو من أسوأ الممارسات الإعلامية وحريٌّ بالإعلام الموجّه والمقيّد.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار