لنسمّي الأمور بمسمياتها

لنسمّي الأمور بمسمياتها

لنسمّي الأمور بمسمياتها
دورية عسكرية أميركية شمال شرقي سوريا - رويترز

في الإنكليزية يقولون: "let’s call a spade a spade" لنسمّي الأمور بمسمياتها؛ فالطفل السوري أضحى على بيّنة أن قرار القضية السورية باليد الأميركية -الإسرائيلية؛ وما الجهات الأخرى المتدخلة بالقضية السورية - بما في ذلك روسيا- إلا أدوات تنفيذية - ببعض الصلاحيات- لحماية منظومة الاستبداد.

بعض السوريين التقطوا هذه المسألة مبكراً؛ فسارعوا للارتماء بالأحضان الإسرائيلية، لينافسوا نظام الاستبداد، وليسحبوا منه هذه الورقة، معتقدين أنه بإمكانهم أن يكونوا البدلاء لمنظومة الأسد في خدمة إسرائيل. لكن هؤلاء أغفلوا أن السادات، عندما قفز إلى إسرائيل، قدّم حيادية أو حتى إلغاء دورها تجاه القضية الفلسطينية والعربية كثمن؛ وأن الأسد الأب بدوره  قدَّم سوريا كقوة ردع للسوريين ولأهل القضية الفلسطينية كثمن.

نسي من قفز إلى الحضن الإسرائيلي -إما انفصاماً عن الواقع أو غباءً- أن ما بيدهم شيئاً يقدمونه إلا خيبتهم؛ فعادوا-إثر ذلك- ليشوّهوا كل شيء، كي يتوازنوا نفسياً واجتماعياً؛ بعد أن أفسحوا في المجال لمخلوق كـ "إيدي كوهين" أن يكون منظراً لقضيتنا ومستشاراً لها. 

 من جانب آخر، ما من سوريٌ إلا ويرى قضيته السورية الأهم في العالم؛ ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للعالم، وتحديداً للدول والقوى المتدخّلة بالشأن السوري. مستهجَنٌ أيضاً أن يطلب السوري من تلك القوى أن تخلّص بلده وشعبه من منظومة استبدادية ترزح على كاهله لعقود، وجلبت له ولسوريا الويلات خلال تسع سنوات؛ وربما من السذاجة أن يتطلع إلى أميركا أو إسرائيل كمخلص أو منقذ من هذا الوباء الذي حلَّ بسوريا وأهلها؛ عندما تكونا قد ساهمتا بتمدد المأساة السورية، بداية بدفعها لتدخل إيراني وروسي متغاضيةً عن إجرامهما بحق السوريين وبعثرتهم، وتالياً في الحؤول دون تمكُّن السوريين من مقاومة ذلك الوباء. 

والآن، ومع  وصول الأمور إلى خواتيمها، ومع بلوغ مفاعيل شعار: "الأسد أو نحرق البلد" أهدافه؛ حيث انتهى البلد فعلاً؛ فلا يمكن أن يحصل الإسرائيليون والأميركيون وأدواتهم ونظام الاستبداد على الخيارين أو الاحتمالين معاً. يستحيل الحصول على الأسد ونهاية البلد معاً. أي لا وجود للأسد، والبلد منته؛ ولا سوريا تبقى، ببقاء الأسدية. من هنا نشهد تغيُّر طبيعة الأداء الأميركي والإسرائيلي أيضاً.

لقد بدأ تفكيك منظومة الاستبداد: فبالنسبة للأدوات التي كان دورها حماية النظام، هناك قرار بفكفكتها؛ حيث نشهد استهدافاً لإيران وميليشياتها بشكل شبه يومي؛ وهناك الضغط على روسيا لتنفيذ القرار 2254، والمعروف أن النظام لا يستطيع أن يدخل بهكذا عملية، ففيها نهايته. والروس -كأداة- مكلفون بالفكفكة السياسية والأمنية للنظام. وكل ما يُبث عن "علاقات هامة وعضوية واستراتيجية" بين أدوات الحماية والنظام كلام خلبي للاستهلاك، يتم استخدامه لإحباط السوري، ولإدخال النظام في  فرامة الحل السياسي التي يستحيل أن يدخله طوعاً.

لقد بدأ تفكيك منظومة الاستبداد: فبالنسبة للأدوات التي كان دورها حماية النظام، هناك قرار بفكفكتها؛ حيث نشهد استهدافاً لإيران وميليشياتها بشكل شبه يومي

وبخصوص الخطوات التي يتخذها مديرو العملية، نلحظ أن قانون قيصر الذي مرَّ بإعجوبة في الكونغرس الأميركي- ورغم إحساس بعض السوريين بالامتنان لتمريره في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين- إلا أن أمراً كذلك يبقى أضعف الإيمان تجاه جريمة حرب ارتكبها نظام استبداد قلَّ مثيله في العالم. ولا تستقيم الأمور في الديمقراطية الأقوى في العالم دون اتخاذ موقف تجاه هكذا جريمة ضد الإنسانية. فأين يذهب هؤلاء النواب أمام صرخة التاريخ بعد رؤية 55 ألف صورة موثقة لخمسة وخمسين ألف جريمة تم توثيقها؟!  

 صحيح أن العدالة تسير كالسلحفاة، وفي النهاية تصل. وصحيح أن آخر قائمة في العقوبات حملت رمزية خاصة عندما ذكرت ابن بشار الأسد، لتقول أن لا وجود لبشار الأسد أو لهذه العائلة مكاناً في سوريا الغد، إلا أن تعب السوريين وأوجاعهم تفوق التصوّر البشري، وتنتظر إجراءات أكثر وأشد حسماً. لم يترجَّ السوري أويستجدِ أية إجراءات؛ ولكن طالما أن المسألة حُسِبَت عليه، فلتكن ذات تأثير، وسريعة. هذا هو لسان حال السوريين الذين يدين لهم العالم برمته بكل أنواع الاعتذارات، وخاصة أميركا أوباما، الرئيس المسؤول عن سفك دماء السوريين على يد أصدقائه ملالي طهران، عندما ترك لهم الحبل على الغارب في سوريا.

 والآن، والانتخابات الأميركية على الأبواب، وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية لا تشكّل اهتمامًا يُذكَر في الانتخابات الأميركية، إلا  أن الارتباط العضوي  لجملة من المسائل  على رأسها إسرائيل والنفط وأمن المنطقة يجعل إغفال الملف السوري عنصر خلل استراتيجي في تلك الانتخابات؛ فمن يكتب النوتة للزمار في البيت الأبيض، يريده أن يعزف اللحن الذي يريد في الشرق الأوسط؛ وبوضوح أكثر، كما ينتظر الملالي رحيل ترامب، ومجيء نسخة أوباما البيضاء"بايدن"، كي تعيد إطلاق يدهم أكثر في سوريا؛ كذلك ينتظر السوريون استمرار ترامب؛ ويريدونه أن يكون أكثر حزماً وحسماً مع مجرمي العصر.

 لا ينفع السياسة الخارجية الأميركية تجاه القضية السورية - وخاصة للدولة العميقة- النهج الذي حدده بايدن  كمزيج من الخطوات والتكتيكات الأوبامية والترامبية. الأمور لا تحتمل اللون الرمادي، لقد تمت تسمية الأمور بمسمياتها؛ والأقدر والأصدق والأنسب للتعامل مع الحالة هو ترامب؛ وهكذا سيكون المآل: سوريا ستعود، ولكن مرحلياً وللأسف ستكون شبه محمية أميركية من دون الأسدية. وأول دلائل ذلك ما يجري في الشمال الشرقي السوري.

مقالات مقترحة
نائب برلمان النظام.. بشّر أمس بزيادة الرواتب وتنصّل اليوم
أزمة الخبز في سوريا.. عقوبة للسوريين وتمرير للصفقات
وزارة تجارة النظام تطبّق آلية جديدة لتوزيع المواد التموينية
حالة وفاة و ٤٨ إصابة جديدة في مناطق سيطرة "قسد"
كورونا.. أول وفاة و240 إصابة في مخيمات اللاجئين باليونان
4 وفيات و34 إصابة بفيروس كورونا في مناطق نظام الأسد