لم يُصلّ عليه أحد..

لم يُصلّ عليه أحد..

الصورة
22 أيار 2019

كأي سوري مغترب يتخذ من منصات التوصل الاجتماعي مساحة للقاء الأصدقاء، طالعت في الأيام الماضية الصفحات والمنشورات وما فيها من سيل النعوات والأسى لروح الفيلسوف السوري الراحل الطيب تيزيني، كان الأمر ملفتا لدرجة أن الرجل بدا شهيرا وكأنه علامة فارقة في حياة السوريين على الأقل الذين أعرفهم "افتراضيا"، أسحب بأصبعي للأعلى على شاشة هاتفي وتتقاطر الكلمات الطيبة بحق الطيب، وقد مر من يستنكر استذكاره بهذا الزخم بعد أن مات وهؤلاء لم يدركوا بعد كم نحن نستذكر أمواتنا وكأننا ننتظر الرجال لتموت فنرفع من شأنهم، وهذه إحدى طبائع المجتمعات "المتخلفة" كما يرى الدكتور مصطفى حجازي في تشريحه لسكولوجية الإنسان المهدور في كتابه التخلف الاجتماعي.

يسركَ كمّ العارفين بالطيب تيزيني وفكره ومواقفه والمشيدين به وبصموده في سوريا رغم أنهم يرونه من أوائل المعارضين لنظام بشار الأسد والرافضين لقتل المتظاهرين، لكن يسوؤك في تصفح اليوم التالي صورة الجنازة المتواضعة بل اللاجنازة التي شيع بها الراحل إلى مثواه الأخير، بالكاد كانوا عشرة رجال يوارونه الثرى في اللحد الذي اختار في مدينته التي اختار وأحب، ليس مشهدا نادرا في دولة الأسد وعصر الأسد فهكذا يموت الكبار والفلاسفة ويدفنون، فهذه البلاد التي يختار فيها شخص أن يحيا لفردانيته وهوسه وسطوته، ويخلق لنفسه حيزا منفردا يلتحق به من يختاره كشبه إله مطلق، لينقسم المجتمع وتتطور الشروخ فيه وتتعاظم، لتصبح حروبا

يموت أحد رجالات سوريا الكبار الذي كانت له صولات وجولات وأفكار وطروحات، يموت وحيدا ويدفن كذلك ويبين مشهد دفنه، وكأنه فعلا لم يصل عليه أحد!

كالتي يخوضها بشار الأسد ضد الشعب السوري وهذه الحرب تصل حد التنصل من ميت وقد كان برتبة فيلسوف ضرب يوما من قبل طغمة الأسد لأنه اعتصم انتصارا للحق، يشبه فلاسفة صنعوا أمجاد الأمم الأخرى يوما في عصور النهضة والتنوير وكانت أسماؤهم وأفكارهم مصدر إلهام ووصل بهم الحال حد القداسة، صنعت لهم التماثيل ورفعوا عاليا لكن تلك الأمم حكاما ومحكومين اختاروا الحرية والحياة الطبيعة ولم يختر جزء منهم "الأسد أو لا أحد.. الأسد أو نحرق البلد.." وكثيرة هي الشواهد.

أمضي في مطالعتي لما كتب في حق الرجل خيرا وشرا  حتى يصادفني منشور من الكاتب خالد خليفة عن إصداره روايته الجديدة "لم يصل عليهم أحد" كانت صدفة بحجم صدمة كبيرة، كيف فصّل القدر هذا الموقف يموت أحد رجالات سوريا الكبار الذي كانت له صولات وجولات وأفكار وطروحات، يموت وحيدا ويدفن كذلك ويبين مشهد دفنه، وكأنه فعلا لم يصل عليه أحد!

هذه الفارقات العجيبة تكشف مزيدا من الدمار الذي أوقعه نظام الأسد المستمر (الأب والابن) فينا كسوريين، كيف حولنا على مدار

نحن الآن كسوريين ندفع الأثمان الغالية ليس لثورتنا المستمرة ضد عصابة الأسد وحسب، بل ضد منظومة قيم مشوهة وشبكة ارتباط ودولة عميقة ورجال فساد ومستفيدين وهياكل تابعة

نصف قرن لمجتمع مهدور محطم مشتت لا جوامع له تقريبا مجتمع قابل للانفجار، وقد كان هذا الانفجار على هيئة ثورة لكن للأسف كان النظام وعلى مدار السنوات التي نغلي بها يعد العدة للانقضاض علينا وعلى هذا المجتمع لسحقه وتدميره بما فيه من تراث وحضارة ورموز وأشخاص سحقه بكثير من الحقد الذي عبأ به ثلة تابعة بعضها طائفي والآخر يرى مصلحته باستمرار هذا النظام.

نحن الآن كسوريين ندفع الأثمان الغالية ليس لثورتنا المستمرة ضد عصابة الأسد وحسب، بل ضد منظومة قيم مشوهة وشبكة ارتباط ودولة عميقة ورجال فساد ومستفيدين وهياكل تابعة. وما تحول الانتفاضة إلى ثورة ترفع شعار الكفاح المسلح إلا إحدى صور النضال الذي أحسبه مستمرا وطويلا وشاقا، وليصل لغاياته لابد أن يمتد إلى الجذور فيقتلعها ويغرس قيما ومنظومة أخلاق أخرى ترفع شأن من يستحق وتحط من شأن من يستحق.

بموت الطيب تيزيني وسيل المحبين "الافتراضيين" له وصورة دفنه الواقعية الباهتة التي تحزن أكثر، وتواطؤ القدر في توقيت عرض عنوان رواية خالد خليفة.. ننكشف كسوريين كم تمزقنا من الداخل وتحطم فينا الكثير وأصبحنا افتراضين أكثر نقلب الأحداث أمامنا على الشاشات وتقلبنا الأحداث في واقع لن يقبلنا افتراضين أكثر.. بل سوريين أكثر.

شارك برأيك