لماذا لم تُستخدم منظومة إس 300 ؟ أسباب فنية أم سياسية؟

لماذا لم تُستخدم منظومة إس 300 ؟ أسباب فنية أم سياسية؟

الصورة
23 كانون الثاني 2019

خالد المطلق

كاتب في الشؤون العسكرية والأمنية.

تجاوز عدد الضربات الجوية التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي على الأراضي السورية المائتي ضربة، استُهدف من خلال هذه الضربات الكثير من الأهداف الإيرانية متفاوتة الأهمية كمراكز تطوير بعض الأسلحة والطائرات المسيرة، ومستودعات تجميع الأسلحة، وتجمعات لبعض القادة الفنيين، وبعض طائرات الشحن الجوي، كما استهدَفت هذه الضربات بعض الأهداف الحيوية التابعة لجيش الأسد، مثل مراكز البحوث في جمرايا وفي برزة وقرب مصياف ومركز الاستشعار عن بعد في منطقة الصبورة.

وعلى الرغم من حجم الخسائر الهائلة من حيث الحجم والأهمية والعدد التي تكبدتها قوات الأسد والقوات الإيرانية، لم نشاهد ردود

حسب خبرتي وخدمتي في سلاح الصواريخ، أعتقد جازما أن الطائرة الروسية تم تدميرها بصاروخ جو – جو من إحدى الطائرات الإسرائيلية

أفعال حقيقية على هذه الضربات باستثناء بعض الإطلاقات لوسائط الدفاع الجوي في جيش الأسد التقليدية منها كالمدفعية المتوسطة مثل الرشاش "شيلكا" والرشاش "14.5مم"، ولعل أضخم عملية رد على الضربات الإسرائيلية كانت إطلاق صاروخ من منظومة الصواريخ م/ط "إس 200" والذي كان نتيجته إسقاط طائرة القيادة والاستطلاع الروسية التي أثارت الكثير من البلبلة بين الروس والإسرائيليين، على الرغم من أنني وحسب خبرتي وخدمتي في سلاح الصواريخ، أعتقد جازما أن الطائرة الروسية تم تدميرها بصاروخ جو – جو من إحدى الطائرات الإسرائيلية في طريق عودتها من مهمتها في سوريا، وقد تم إثارة الضجة الإعلامية الكبيرة آنذاك للتغطية على السبب الحقيقي لإسقاط هذه الطائرة، والذي لو تم كشفه لوقع الروس في حرج كبير، قد يصل إلى صدام بين الدولتين، ولهذا قام الكثير من الأطراف بالعمل على منع وقوع هذا الصدام، وخرجوا بحل اتُهم فيه الطرف الأضعف في إسقاط الطائرة وطبعًا هذا الطرف هو وسائط الدفاع الجوي السوري.

ويمكن أن يتساءل الكثير لماذا لا يتم التصدي للأهداف الإسرائيلية من قبل وسائط الدفاع الجوي لنظام الأسد طوال هذه الفترة الطويلة؟ على الرغم من أنها تعتبر أكبر وأضخم شبكة دفاع جوي موجودة في الشرق الأوسط من حيث العدد وطبقات التغطية ومساحة التغطية للمجال الجوي السوري، كما أنها زودت من حوالي عشر سنوات بنوعين مهمين من عربات الصواريخ المضادة للطائرات المتطورة نسبيًا مثل "البوك" و"البانتسير" والتي ثبت عدم فعاليتها مع الطيران الإسرائيلي من خلال تدمير عدد من هذه العربات في أكثر من غارة إسرائيلية على مواقع هذه العربات، وقد زادت هذه التساؤلات كثيرًا بعد أن تم الإعلان عن تسليم جيش الأسد منظومة الصواريخ S-300"" المتطورة والتي تعتبرها روسيا باكورة إنتاجها من وسائط الدفاع الجوي فنيا وتقنيا!!، ويمكن الإجابة عن هذه التساؤلات جميعها إذا دققنا في الكثير من الأمور الفنية لهذه المنظومات وكفاءتها القتالية ويمكن أن نلخص ذلك في حقيقة قد لا يعرفها العامة، تتمثل بأن منظومات الصواريخ الروسية المضادة للطائرات مازالت تعتبر من الأسلحة التقليدية، بسبب وجود هامش خطأ في دقة إصابة الأهداف، ولعل أعلى نسبة إصابة لأحدث نوع من منظومات صواريخ الدفاع الجوي الروسي تصل إلى 90% فقط وبرشقة صاروخين أو ثلاث صواريخ على الهدف الواحد.

وهذه النسبة على الرغم من ارتفاعها إلا أنها لا ترقى إلى مصافِّ الأسلحة الغربية وخاصة الأمريكية والإسرائيلية، والتي تصل نسبة الإصابة فيها إلى 100% ويطلق على هذه المنظومات "الأسلحة ذات الدقة العالية" ويمكن أن نطلق عليها مصطلح "إطلق وانسى" أي أن الصاروخ يقوم بتوجيه نفسه ذاتيا بعد إطلاقه نحو الهدف من خلال المعلومات التي يتم تحميلها للطيار الآلي الموجود في القسم القتالي للصاروخ، ولهذا السبب الفني الذي تخشى روسيا أن يكتشفه أحد قبل بيع أكبر كمية ممكنة منه إلى بعض الدول لم يتم التعرض للطائرات الإسرائيلية التي تقوم بمهامها بشكل سلس وسهل ولو أنه تم إطلاق أي صاروخ من منظومة " S-300"على أي هدف إسرائيلي فإن نسبة فشله في الحالات المثالية للإطلاق 10% وهذا ما يؤرق الروس تمامًا خاصة أنهم أعطوا لهذه المنظومة حجماً كبيراً وضخماً جداً، وهذا هو أسلوبهم في إطلاق حملات الدعاية الضخمة جداً لِتُضخّم فيها فعالية أسلحتها وتطورها لتسويقها في الأسواق الدولية لبيعها  لدرجة أنهم أصدروا نشرة رسمية في هذا الإطار يدّعون أنهم جربوا أكثر من أربعين نوعًا من مختلف أصناف هذه الأسلحة في سوريا ومنها  القاذفة الاستراتيجية "السوخوي 57".

ولعل روسيا والعالم نسيت أو تناست أن هذه الأسلحة المتطورة نسبياً استُخدمت ضد شعب أعزل لا يملك حتى مضاد طيران بسيط يمكن أن يتعامل مع الطائرات من الجيل الأول، فكيف يمكن

السبب الحقيقي لعدم تعامل وسائط الدفاع الجوي في جيش الأسد مع الطائرات الإسرائيلية هو عدم قدرة هذه المنظومات على مجاراة مواصفات منظومات الأسلحة والطائرات التي تستخدمها إسرائيل

له أن يتعامل مع جيل "السوخوي 57" والأسلحة الفتاكة التي استخدمتها!، ويمكن أن نتساءل كمتابعين كيف لمن يقوم على عمليات اختبار هذه الأسلحة أن يحدد سلبياتها وإيجابياتها إذا لم تتوفر ظروف قتالية حقيقية يمكن فقط من خلالها اختبار مثل هذه الأسلحة؟، ويمكن الاستدلال على ما سبق أيضا من خلال الحرص الشديد من قبل الروس على عدم إطلاق أي صاروخ من منظومات الصواريخ "S-300" أو "S-400" على هدف حقيقي وليس تدريبي، ومن هنا يمكننا أن نقول بأن السبب الحقيقي لعدم تعامل وسائط الدفاع الجوي في جيش الأسد مع الطائرات الإسرائيلية هو عدم قدرة هذه المنظومات على مجاراة مواصفات منظومات الأسلحة والطائرات التي تستخدمها إسرائيل في ضرباتها المستمرة على الأراضي السورية بالإضافة إلى هذا السبب الجوهري هناك أسباب سياسية تتمثل في التحالف الروسي الإسرائيلي والتنسيق المستمر والكامل بينهما واتفاقهم على تقليم أظافر إيران ومنعها من تثبيت وجودها في سوريا وهذا الأمر يخدم المصالح الإسرائيلية الاستراتيجية، وأيضا يخدم المصالح الروسية في سوريا المتمثلة في السيطرة على مقدرات البلد والتحكم به بشكل كامل، وبنفس الوقت لتبقي أسرار أسلحتها وخاصة السلبية منها طي الكتمان مؤقتا ريثما يتم تسويق وبيع أكبر عدد ممكن من هذه المنظومات.

خلاصة القول يمكن أن نقول بأن هذه اللعبة يمكن ألا تستمر طويلًا ويمكن أن تتطور مع تطور القصف وتأثيره على الأهداف الإيرانية في سوريا، وأعتقد إذا شعرت إيران أنها يمكن أن تفقد السيطرة على الأمور في سوريا ستقوم باستخدام وسائل وطرق مبتكرة للدفاع عن وجودها هناك ومنها أسلحة قد تؤثر على القواعد الجوية الإسرائيلية المتواجدة في فلسطين المحتلة وهذا الأمر أعتقد أنه بات قريباً وقريباً جداً.

شارك برأيك