لماذا لا تصبح شيخاً في أوروبا؟

تاريخ النشر: 02.10.2021 | 06:31 دمشق

بما أن المرجعية الدينية هي الأساسية لدى عامة الشرقيين عموماً والسوريين خصوصاً، فقد تبدت الحاجة إلى من يمثلها على أرض الواقع في بلدان اللجوء، بعيداً عن فضاء الإنترنت والسوشيال ميديا. إذ يحتاج كثير من "الناس المؤمنين" في فضاءاتهم اليومية إلى من يدلهم ويرشدهم، بل يأخذ القرار عنهم أحياناً، أو بلغة أخرى: من يفتي لهم، ويأخذ بيدهم إلى الطريق السليم الذي يعتقدون به، وهذه الشريحة تحسب أن معلوماتها ووعيها غير كافيين، لذلك تطلب المعونة ممن يمكن أن يشرح لها تفاصيل دينها، ويساعدها في اختيار سبل حياتها، وتحمّل أعباء رحلة التيه الطويلة، ذلك أنهم اعتمدوا في جوانب من حياتهم على مرجعية دينية، قد تتقاطع أو تتعارض أو تتوافق مع القوانين المدنية السائدة في البلدان الجديدة.

لا يمكن لهذه الشريحة الكبيرة من اللاجئين أن تتقبل فكرة تحييد الدين عن حياتها بين ليلة وأخرى، وقد كان مرجعية أساسية، كي تندمج مع المجتمع الجديد، الذي أزاح الدين جانباً عن تفاصيل حياته اليومية، ليصبح شأناً شخصياً محضاً، بل يُعَدُّ إظهار التدين عاملاً سلبياً أحياناً، كما حدثني صديق هولندي، يدير مشروعاً، احتاج إلى عدد من الموظفين، وكان أحد المرشّحين للوظيفة قد عمل، ذات يوم، قسّاً في كنيسة، فغدت وظيفته السابقة سبباً في عدم قبوله بالوظيفة الجديدة، لأن لجنة التوظيف اعتقدت أن من يسلم رأسه للتديّن بهذه الطريقة، أبعد ما يكون عن الاستجابة لمتطلبات العمل والحياة الحديثة، يقول صديقي ذو الجذور السورية: كنت متعاطفاً مع هذا المرشح، انسجاماً مع مفاهيمي القديمة التقليدية للتدين، وأن المتديّن سيكون أكثر إخلاصاً للقيام بعمله على أكمل وجه، لكن لجنة المقابلة رفضت قبوله، قائلة: لدينا من الآليات والأنظمة التي تمكننا من مراقبة جودة العمل وكفاءته!

***

دعانا أحدُ المتحمسين لجمع الجالية السورية في هولندا إلى جلسة عصف فكري، وكانت إحدى الطروحات في تلك السهرة، فكرة إنشاء "جامع سوري ومدرسة دينية"، لأنه يستطيع جمع الناس بأسرع طريقة، ولكي يقنع صاحب الفكرة الحاضرين بواقعية فكرته تحدّث عن تجربتين سابقتين حاضرتين هنا في هولندا هما: التجربة المغربية الأمازيغية، والتجربة التركية (نحو نصف مليون من كل جالية)، حيث تشكل الجوامع (التركية منها خاصة) أحد عوامل تجميع الجالية، وتتلقى دعماً من الدولة التركية، من خلال ممثلية الوقف الديني التركي، وتبرعات كثيرة كون العامل الديني أحد عوامل العصبة التركية، ونتيجة الفهم الاستثماري التركي (وقد يكون صحيحاً) فقد نشأت أنشطة تجارية برعاية الجامع التركي: الحلاق والدكان والمدرسة والمطعم والمقهى. قد يكون الرجل محقاً في البحث عن وسيلة للمّ شمل السوريين في تجمعات محددة، بعد أن فشلت معظم التجمعات ذات الطابع المدني، أو الثقافي أو الاجتماعي، ولا يزال الدعاء في عدد من الجوامع المغربية والتركية يوجّه لولي الأمر وهما: الملك المغربي والرئيس التركي.

كثير من السوريين يعتقدون أنهم بحاجة إلى "مشايخ سوريين" يفهمون تفاصيلهم، ويعرفون سياق حياتهم وخياراتهم

يسدُّ المشايخ المغاربة حالياً كثيرا من أسئلة فقه الحياة اليومية لسوريي هولندا، لكن كثيرا من السوريين يعتقدون أنهم بحاجة إلى "مشايخ سوريين" يفهمون تفاصيلهم، ويعرفون سياق حياتهم وخياراتهم، ذلك أن معظم فتاوى المشايخ المغربيين تكون وفقاً للمذهب المالكي، في الوقت الذي اعتاد معظم السوريين على تتبع خيارات كل من المذهبين الحنفي والشافعي، خاصة أن تلك المذاهب بينها اختلافات كثيرة فيما يُستفتى المشايخ فيه من تفاصيل يومية.

تبرز الحاجة لفتاوى المشايخ أكثر ما تبرز في جوانب رئيسية هي: الزواج، والطلاق، والموت، والطعام، والقروض، والحصول على البيت، والعمل دون علم مصلحة الضرائب، والاحتيال على الدولة، حيث سيحمل أولئك المشايخ جزءاً من "عبء الإثم"، وفقاً لرؤى شعبية مكرسة من سرديات المجتمع السوري، ترى أن صاحب الفتوى هو المسؤول عنها أمام الخالق، وهذا يختلف من عائلة إلى أخرى، تبعاً لمفهومها للدين والتدين ووعيها، ودور الدين في تفاصيل يومياتها.

يجد المشايخ لعدد من حالات الطلاق مخارج تساعد على عودة الوئام، بعد انتفاء لحظات الغضب، ومتى يجوز نقضه، وأيها لا يجوز نقضه أو إلغاءه، وفي هذه الحالة يلجأ الناس إلى المشايخ كي يبقوا متصالحين مع ذاتهم، خاصة أن كل زيجاتهم السابقة تمت وفقاً لمرجعية دينية. التقيت بشيخ مغربي في مجلس عام، فبادرني بالشكوى من شاب سوري من معارفي، وقد تطلق هو وزوجته خمس مرات، وسألني الشيخ ذو الجذور المغربية: لماذا "لا يتقي الله" في كثير من تفاصيل حياته؟ وحين سألته عن مآل ذلك الشاب وزوجته قال: إنهم يبحثون عن (مُجحِّش) محترم كي يستطيعا الزواج مرة أخرى، بعد أن اكتشفا أنهما لا يستغنيان عن حبهما، خاصة أنهما قد جربا نماذج أخرى من العيش المشترك. ثم حدثني عن عدد من "الطلاقات القانونية"، أمام البلدية، فيما يبقى الأزواج على ذمة بعضهما، كي يفيدوا من بيوت منفصلة، ومساعدات أخرى.

***

تظهر الحاجة إلى المشايخ في جوانب كثيرة أبرزها: ثقافة الاستثناء من القاعدة العامة، ومن يتحمل تبعاته أمام الخالق، فتبرز الحاجة إليهم لكي ينام المؤمنون بضرورتهم قريري العين، يحدثني أحد الآباء وقد زوّج بناته الثلاث تحت سن الثامنة عشرة، أن الشيخ قد أنقذ عائلته من "دمار مبين": "أخي أنا زوجتهن وشلت همهن من راسي لحتى ما يضيعوا بهالمجتمع اللي بلا أخلاق" الرجل كان يشيد بالمخرج الذي دلّه الشيخ عليه، لأن القانون الهولندي يعدّ كل من لم يتم الثامنة عشرة طفلاً ويمنع تسجيل زواجه، عقد الزواج الذي قام به الشيخ ذو مرجعية دينية، الأب قال أمام البلدية الهولندية بالاتفاق مع بناته وأزواجهن: إن بناته ارتبطن بأولئك الشباب بصفتهم أصدقاء لهن، وليسوا أزواجاً! سألت ذلك الرجل: كيف يلجأ إلى استعمال أساليب ومصطلحات، عادة ما ينقدها السوريون، ويعدونها نوعاً من الابتعاد عن الثوابت، وما هي الأخلاق التي يتحدث عنها؟ ردّ الرجل بالفم الملآن: أخي قوانين هذه البلاد لا تهمني، ما يهمني هو أن الزواج شرعاً صحيح، والدي ووالدتي في سوريا لم يثبتا زواجهما قبل أن أصبح شاباً!

أحد جيران ذلك الرجل قال: إنه لم يقبل بمهر أقل من عشرة آلاف يورو لكل صبية، زوّجها "شرعاً"، وقد قبضها (شندي بندي) كي لا تدخل في حسابه، فتقطع البلدية عنه المساعدة الاجتماعية!

***

يحدثني حلاق عراقي، حين سألته عن غياب "الصليب الكبير" عن صدره المكشوف دائماً، أنه خسر عدداً من الزبائن الهولنديين، بعد أن ظن أول لجوئه أنه قادم إلى مجتمع مسيحي، يعدّ الصليب أحد رموزه الرئيسية، وأن تغييب الصليب قد أكسبه زبائن جدداً، عدّوا وضعه للصليب بالصورة السابقة مبالغة في التقرب من المجتمع الهولندي، والتخلي عن هويته العروبية، وأعرب عن خيبة أمله بالمجتمع الهولندي الذي لا يعرف الإيمان والتدين، ولا يذهب معظمه إلى الكنيسة، ثم سألني إن كنتُ أعرف محاسباً محترماً يساعده بالهروب من الضرائب، ولم ينس أن يشيد بصدام حسين الذي ضاع العراق من بعده، وحدثني عن فتن ومفارقات تحدث في القرية الهولندية التي يعيش فيها، فابنة شيخ الجامع تعمل في سوبرماركت كبير، وتبيع الخمر بأنواعه، وتلمسه بيديها، وتمرره على جهاز المحاسبة.

***

تسود حالة من الوئام بين الدولة الهولندية ومواطنيها، وليس لديها أي حالة استفزازية تجاه المسلمين أو سواهم أو أي متدين، شرط عدم التدخل في شؤون الآخرين

حضور الإسلام السياسي في هذه المرحلة أوروبياً (خاصة هولندا) حضور ضعيف لعدد من الأسباب منها:

- تجفيف منابع الدعم عنه سواء المتمثل في الإخوان المسلمين أو الاتجاهات الأصولية التي كانت تتغذى من الخليج، وفقدان المصداقية، ومراقبة الدول لها.

– عدم وجود بيئة حاضنة لانتعاش الإسلام السياسي، إذ لا أمل باستلام الحكم مثلاً، لأن عامة المجتمعات غير مسلمة، ولا يوجد استبداد أو إساءة من الدولة، كي تكون حجة لإقناع العامة بضرورة الانتساب إليها، بل هناك قوانين وعدالة تنطبق على المواطنين جميعاً، وتسود حالة من الوئام بين الدولة الهولندية ومواطنيها، وليس لديها أي حالة استفزازية تجاه المسلمين أو سواهم أو أي متدين، شرط عدم التدخل في شؤون الآخرين، ويحرص المالك على تهنئة المسلمين بأعيادهم ومشاركتهم الإفطار في شهر رمضان مثلاً.

  • الاستقرار المادي ومحدودية وجود الفقراء، الذين يشكلون مادة رئيسية للإسلام السياسي، نتيجة ما ينتظرونه من هطولات قدرية عليهم، أو هطولات المساعدات من الأحزاب، إضافة إلى حضور قوي للتقنية في الحياة اليومية حيث إن انتظار المجهول والمعجزات والغيبيات يبدو ضعيف الحضور.
  • فضاء دخول الإسلام أو سواه من الأديان الأخرى متاح للجميع بصفته خياراً فردياً، ولا تزال عدة  جوامع تحتفل كل أسبوع بدخول شخص هولندي "أشقر" الدين الإسلامي، ويتبادل المتحمسون مقاطع الفيديو كإشارة إلى صحة خياراتهم، وأن الناس لا بد أن يعودوا إلى الإسلام كما يحلمون ذات يوم، ويتناسون أن خيار التدين، هاهنا، خيار فردي محض، ويتجاهلون أن الفضاء الديني لم يعد يشكل حضوراً كبيراً في حياة عدد كبير من الشباب المسلمين سواء أكان عبر المظهر التعبدي أو سواه، بل إن عدداً منهم تجاهل دينه أو غيّره!
  • تنمو قيمُ قبول الآخر المختلف في المجتمع الهولندي، وقد رفضت الشرطة الهولندية تنفيذ قرار منع النقاب، محافظةً على علاقة سليمة مع مواطنيها، في الوقت نفسه احتفلت هولندا قبل أسابيع بمرور عشرين عاماً على السماح بزواج المثليين! ولا يعدّ التدين صفة للمجتمع الهولندي فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن أكثر من نصف المجتمع الهولندي بلا دين، ربما هناك حضور لأعياد دينية أخذت طابعاً اجتماعياً كعيد الكريسمس ورأس السنة وسوى ذلك، ويعدُّ التدين شأناً شخصياً محضاً، ولا يدخل الدين في الحياة العامة، أو في اللغة اليومية، وقد أدارت معظم الدول الأوروبية ظهرها عن الدين منذ زمان طويل، وصار من الصعب العودة إليه ثانية.

***

الشيخ ذو الجذور المغربية كاشفني مرة: أنا لستُ شيخاً، وليس لدي معرفة عميقة بالدين، نحن المغاربة والأتراك أتينا عمالاً إلى هذه البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، وأنتم السوريون أتيتم متعلمين، ومثقفين، ثم سألني بمودة: لِمَ لا تصبح شيخاً، الجالية السورية بحاجة إلى شيخ، أنت أستاذ جامعي ومختص في اللغة العربية، واليوم ليس لديك فرصة لتعمل في الجامعات الهولندية؟

أدهشتني فكرته، فقد سبق أن تقاطعتُ مع حقول التديّن غير مرة في حياتي، إحداها معاون مؤذن جامع في المرحلة الابتدائية، والإنشاد مع فرقة صوفية على الطريقة القادرية في المرحلة الإعدادية والثانوية، ودرستُ الشريعة مدة عام بعد أن أنهيت دراسة اللغة العربية 1991، وسبق أن حققتُ ونشرتُ كتاب حقوق الجار للإمام الذهبي عام 1992.

 أجبتُه دون تردّد: أنا أستاذ جامعي، وباحث، وإعلامي، وسارد، مهمتي: التنوير، والتفكير، والتفكيك، والمعرفة، وإثارة الأسئلة، والنظر إلى الحياة على أنها حكاية حبّ جميلة!

 فيما مهمات الشيخ الرئيسية المكرّسة هي: تقديم الأجوبة، والنقل، والحفظ، والتلقين، والتخويف، واليقين! تلك مهماتٌ أبعد ما تكون عني، على الأقل في هذه المرحلة من العمر!