icon
التغطية الحية

لماذا تحتاج تركيا إلى الجيل الجديد من طائرات إف-16 الأميركية؟

2021.11.01 | 15:18 دمشق

4d2f29c6-ce18-48bc-9413-7c3e7ed3959f.jpg
ناشيونال إنترست- ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أول تصريح له بعد لقاء الرئيس الأميركي جو بايدن "تفاوضنا حول توريد (مقاتلات) "إف-16"، ولم ألحظ أي مقاربة سلبية منه، ونأمل في إنهاء هذه المسألة الحساسة".

وتتوجه تركيا إلى الولايات المتحدة على أمل شراء مجموعة من طائرات إف-16 في المقاتلة الجديدة، إذ منذ أن اشترت منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، تم إخراج تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة جوينت سترايك إف-35، فصارت تراقب منافسيها على المستوى الجيوسياسي وهم يطورون إمكانياتهم العسكرية الجوية دون أن تتمكن من القيام بذلك. بيد أن تركيا ترى أن صفقة شراء إف-16في مهمة للغاية وذلك لتحافظ على قواتها الجوية ولتبقيها على أهبة الاستعداد في العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين وما بعدها.

إلا أن هنالك كثيرا من الأمور التي باتت على المحك، وليس فقط الخطط قصيرة المدى للقوات الجوية التركية، إذ مع اهتمام روسيا في عهد فلاديمير بوتين بعلاقات تركيا العابرة للأطلسي، يمكن أن يرسم رفض صفقة شراء إف-16في تغيراً في التوجهات الاستراتيجية لتركيا بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو). إذ إن النتيجة التي سترسو عليها هذه الصفقة يمكن أن تقيم أو تقطع التحالف التركي مع الولايات المتحدة.

تركيا في أمسّ الحاجة إلى طائرات إف-16 في المطورة  

يعاني سلاح الجو التركي من نقائص وعيوب يمكن أن تتسبب في حدوث حالات تراجع ونكسات كبيرة في حال لم تتم معالجتها كما يجب.

فقد خسرت تركيا فرصة شراء طائرات Lightning IIs إف-35 بعد شرائها لمنظومة إس-400 من روسيا. وبخروجها من تلك الصفقة انتهت فرص تركيا بالتحليق بواسطة الجيل الخامس من سلاح الجو في أوائل العشرية الثالثة من الألفية الثالثة. والأنكى من ذلك، هو أن مشروع الطائرات الحربية المحلية التركي، أي Milli Muharip Uçak (MMU، التي تعرف رسمياً باسم تي إف-إكس) يواجه مصاعب شديدة، خاصة فيما يتصل بقطع المحرك. ولهذا ستعمل تركيا على تشغيل أول طائرة بمحركات تم شراؤها جاهزة الصنع، على أمل أن تطور محركاً محلياً بالنسبة للدفعات القادمة من تلك الطائرات.

بيد أن مشكلات طائرات MMU لا تقتصر على المحرك فحسب. إذ إن النماذج الأولى للطائرات التي سيتم إنتاجها ستكون من منصات الجيل 4++ بدلاً من طائرات الجيل الخامس المقاتلة. وهذه الطائرات لا يمكن أن تحقق أرقاماً مهمة حتى منتصف العشرية الرابعة من القرن الحادي والعشرين، وربما بعد ذلك أيضاً. وبحلول ذلك الوقت، ستكون طائرات الجيل السادس قد دخلت الخدمة لدى أهم الدول التي تمتلك أقوى سلاح جو على مستوى العالم.

اقرأ أيضاً: الطائرات المسيّرة البريطانية قتلت نحو 1400 عنصر من تنظيم الدولة

واليوم، تعتمد القوات الجوية التركية على طائرات فالكون المقاتلة إف-16 من الجيل الرابع، دون أي توقعات بحصولها على طائرات مقاتلة مطورة من الجيل 4.5، باستثناء احتمال شراء طائرات إف-16 في. وفي الوقت الذي تجابه فيه تركيا تحديات هائلة، يحقق منافسوها على المستوى الجيوسياسي تطوراً كبيراً، فقد أتمت اليونان صفقة عقدتها لشراء طائرات رافال من فرنسا، إلى جانب الحلول الحربية البحرية المطورة التي توصلت إليها. كما تعمل أثينا أيضاً مع شركة لوكهيد مارتن الأميركية لتحديث أكثر من ثمانين طائرة إف-16 وتطويرها لتصبح من طراز إف-16 في. وستحصل اليونان أيضاً على طائرات الشبح المقاتلة إف-35. ولهذا سيلغي سلاح الجو التركي نفسه وهو يعمل على تسيير دوريات جوية مقاتلة بواسطة طائرات إف-16 من الجيل الرابع التي عفا عليها الزمن خلال العشرية الرابعة من القرن الحادي والعشرين، في الوقت الذي يستخدم فيه سلاح الجو اليوناني طائرات متطورة.

اقرأ أيضاً: بعد اختبارها في سوريا.. روسيا تستعرض أحدث طائراتها المسيرة

منظومة إس-400 لن تنقذ الأمور

حتى منظومة إس-400 أرض-جو القوية (SAM) تتمتع بقدرة محدودة على تعويض النقائص التي تعتري سلاح الجو التركي. إذ أولاً، تعتبر منظومة إس-400 التي تستخدمها تركيا عبارة عن منظومة نظرية قائمة بذاتها لا تشتمل على هندسة دفاع جوي قائمة على شبكات. إذ بخلاف تشكيلات SAM الروسية، لا توجد سا-17 ولا بطاريات لصواريخ بانتسير لدعم تلك المنظومة، ما يجعلها عرضة لضربات SEAD من النظم الجوية المعادية وذلك من خلال الصواريخ المضادة للإشعاع أو طويلة المدى، أو صواريخ كروز التي تطلق من الجو. ثانياً، وبسبب وجود العديد من حالات عدم التوافق التي تشمل عدم تطابق ربط البيانات، لا يمكن لتركيا أن تقوم بتشغيل منظومة إس-400 إلى جانب طائرات الإنذار المبكر أو طائرات الاستخبارات المحمولة جواً التي تصنعها شركة بوينغ، ولا أن تقوم بتسيير دوريات جوية قتالية بواسطة طائرات إف-16.

اقرأ أيضاً: الكشف عن أحدث طائرة تركية بدون طيار.. تعرّف على مواصفات AKINCI

وأخيراً، تسلمت تركيا رادار "بيغ بيرد" الذي يقوم بتحديد الأهداف، ورادار الإنذار المبكر "تشير بورد" ورادار الاشتباك "غريف ستون" عند شرائها لمنظومة إس-400. بيد أن هذه المجموعة التي تعمل بواسطة أجهزة الاستشعار، والتي تأتي دوماً مع صادرات إس-400، تفتقر إلى مجموعات الرادار المضاد لطائرات الشبح ذات التردد العالي للغاية من عائلة نيبو. أي إن منظومة إس-400 التي تمتلكها تركيا، من الناحية العملية، قد لا تنجو في حال وقوع أي نزاع، وذلك في حال إدخال منافسي تركيا الجيل الخامس من طائرات الشبح إف-35 في القتال.

البحرية التركية لا يمكنها أن تنقذ الوضع هي أيضاً

لا تعاني البحرية التركية من تلك العيوب التقنية، إذ ماتزال تركيا تتفوق بشكل واضح على اليونان من حيث ميزان القوة البحرية في بحر إيجة والمتوسط، حيث دخلت أربع طرادات تركية محلية الصنع الخدمة خلال السنوات الأخيرة الماضية، وستلحق بها قريباً أربع فرقاطات من المرتبة آي المتطورة والمزودة بإمكانيات مضادة للطائرات.

ومن المقرر أن تحصل البحرية التركية على جوهرة التاج قريباً، أي سفينة أناضول المخصصة للهجوم البرمائي TCG. ولكن، نظراً لفشل خطة الشروع في مشروع إف-35 بي، لذا فإن أصول القوة الرئيسية في تركيا ستحتاج بشكل كبير إلى جناح جوي من الروبوتات. كما أن الشركة المصنعة للطائرات المسيرة باكير تعمل على طائرات بيرقدار تي بي-3 وهي مركبة جوية قتالية بدون طيار، مزودة بجناحين قابلين للطي وحمولة خارجية أكبر للقتال مقارنة بطائرات بيرقدار تي بي-2. هذا وستبدأ طائرات MIUS وهي منصة أكثر طموحاً تتمتع بمحرك نفاث وميزات التصميم الهوائي-الديناميكي بتدريباتها الأولية على الطيران في عام 2023.

كما ستحصل تركيا أيضاً على ست غواصات من فئة ريس تعمل بالدفع الهوائي المستقل، خلال السنوات الخمس القادمة، وتعتمد هذه الفئة من الغواصات على تصميم الغواصات الألمانية من طراز 214. وأخيراً فإن البحرية التركية قد بدأت مؤخراً بتشغيل منظومة Aksungur (TUSAŞ) الجوية التي تعمل بدون طيار، والتي أنتجتها محلياً، وستشارك هذه المنظومة في مهام الحرب المضادة للغواصات وفي الدوريات البحرية.

وبالمقابل، ستقوم باريس بمساعدة ودعم إمكانيات البحرية اليونانية عبر تقديم فرقاطات جديدة خلال السنوات المقبلة، حيث سيتم تزويد تلك المنصات بأجهزة تعمل على مضاعفة قواتها مثل منظومة الدفاع الجوي والصاروخي أستير-30 وبلوك-1، وصواريخ مضادة للسفن من نوع إكسوسيت إم إم 40، وبلوك 3 سي، بالإضافة إلى تزويدها برادار سيفاير المتطور من إنتاج شركة تالس. ومع ذلك، في الوقت الذي ستقدم فيه تميمة "اللمسة الفرنسية" دفعة لأثينا، لا يمكن لبعض الفرقاطات الحديثة أن تغير حالة الارتباط البحرية للقوات، خاصة بالنظر إلى قطاع بناء السفن العريق في تركيا، وإمكانياتها في إنتاج الذخيرة محلياً.

وبالرغم من ذلك، لا بد لغياب القوة الجوية الكافية في تركيا من أن يقوض أي عملية بحرية. وهكذا، إن تمكن منافسو تركيا من السيطرة على السماء عند بداية أي معركة جوية-بحرية، عندها ستنكشف المنصات البحرية التركية بشكل خطير أمام وابل صواريخ الأعداء دون أن تدخل في الاشتباك الذي سيحيط بالدفاعات الجوية لسفن السطح المقاتلة، وذلك لأن اللعنة التقنية للقوات الجوية معدية، ولا يمكن للبحرية التركية أن تنجو من كل هذا.

التفاف تركيا على العقوبات الأميركية

بالرغم من مواجهتها لعقوبات بموجب قانون معاقبة خصوم أميركا (CAATSA)، مايزال بوسع أنقرة أن تستكمل صفقة شراء إف-16في بطريقة قانونية، إذ أمام تركيا سبيلان أساسيان لإتمام تلك العملية، أحدهما عبر مكتب المشتريات التابع لوزارة الدفاع الذي يشرف على المبيعات العسكرية في الخارج، والثاني عبر رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB) التي تتحكم بالشركات الفرعية الصناعية العسكرية، وتقوم بصورة أساسية بإدارة المشاريع التي تشارك فيها تقانة الدفاع التركية والقاعدة الصناعية التابعة لها. إلا أن رئاسة الصناعات الدفاعية التركية خضعت للعقوبات الأميركية بسبب شراء منظومة إس-400. لكن سبيل وزارة الدفاع ما يزال مفتوحاً أمام شراء مجموعة متكاملة من منظومة إف-16 في.

ومع ذلك، يحتفظ الكونغرس الأميركي بالسلطة القانونية التي تخوله منع قيام صفقة البيع تلك، فإذا قوبل طلب الشراء الذي تقدمت به تركيا بالرفض من قبل الكونغرس، عندها سيتعين على القوات الجوية التركية أن تبحر في أمواج العاصفة خلال العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين وما بعدها. كما ستضطر إلى تشغيل أسطول الطائرات المقاتلة القديم في الوقت الذي سيستخدم فيها منافسوها أحدث التقنيات في هذا المضمار.

والأسوأ من كل ذلك هو أن الكرملين قد يجد في كل هذا فرصة تاريخية ليستفيد من حالة الاستياء التركية في حال منع الكونغرس تلك الصفقة من أن تتم. إذ إن تركيا في حال تم نبذها من قبل أهم حليف في الناتو، عندها من المرجح أن تلجأ إلى شراء دفعة ثانية من إس-400 على الفور. ثم إن قيام صفقة شراء ثانية قد يشتمل أيضاً على انتقال التقانة والإنتاج الصناعي إلى تركيا بدلاً من اعتمادها على خطط لشراء القطع الجاهزة. وقد تختار تركيا أيضاً شراء طائرات من روسيا، فقد ذكر إسماعيل ديمير على الملأ، وهو رئيس مكتب المشتريات في تركيا، أن خيارات الطائرات المقاتلة من طراز سو-35 وسو-57 لم يستبعد من الأجندة التركية على الإطلاق.

ظلت روسيا تراقب برنامج الطائرات المحلية التركية لمدة من الزمان وذلك لتعرض عليها شراء محرك آر دي-33 إم كي الذي يقوم بتشغيل طائرات ميغ-35 وميغ-29 وإم/م2 المقاتلة. وهذا قد يؤدي إلى فرض عقوبات أميركية على الشركات المصنعة للمعدات الدفاعية في تركيا، مثل TUSAŞ و Aselsan و Roketsan، وذلك في حال دخولها في صفقات مهمة مع الروس.

وفي أسوأ الأحوال، يمكن لتلك العقوبات الإضافية أن تدمر سبيل الشراء الوحيد المتبقي بين الولايات المتحدة ومكتب المشتريات التابع لوزارة الدفاع التركية. وفي حال حدث ذلك، سيتم قطع المجال الدفاعي التركي عن أهم المراكز العابرة للأطلسي التي ارتبطت بعلاقات سابقة مع تركيا.

هذا ويتجاوز طلب تحديث الطائرات لتصبح من طراز إف-16 في الذي تقدمت به الإدارة التركية حدود صفقة بسيطة للأسلحة، إلا أن الأمر المثير للسخرية هنا هو أن طائرات فالكون المقاتلة من طراز إف-16 هي التي ربطت في وقت من الأوقات بين تركيا والولايات المتحدة عبر تحالف عسكري "من نوع خاص". ولكن بعد مرور عقود على ذلك، يمكن لمبيعات طائرات إف-16 المطورة أن تحدد مصير العلاقات الاستراتيجية التركية-الأميركية، كما بوسعها أن تحدد توجهات تركيا الجيوسياسية.

 

المصدر: ناشيونال إنترست