لبنان.. إلى أين؟

تاريخ النشر: 26.11.2019 | 16:51 دمشق

آخر تحديث: 26.11.2019 | 23:12 دمشق

لأوّل مرّة منذ أحداث الفتنة الطائفيّة الكبرى عام 1860 يتوحّد اللبنانيّون على أسس وطنيّة في مواجهة النظام السياسي كاملاً. لقد كان للصراع بين السلطنة العثمانيّة وروسيا القيصريّة دور كبير في تأجيج تلك الفتنة التي تحوّلت عن أساسها الطبقي بين الفلاحين والإقطاعييّن إلى شكل طائفي بين الدروز والموارنة ثم بين المسلمين والمسيحيّين.

لا شكّ في أنّ غياب مفهوم المواطنة آنذاك، والانتماء المتساوي إلى فكرة أو كيان الدولة الوطنيّة كان له دور كبير في تفتيت السكّان على أسس دينيّة وطائفية، فقد كانت الدول تعامل السكّان على أنّهم رعايا لا مواطنين، وبالتالي كان من الطبيعي وجود تفرقة على أسس طبقيّة أو فئوية أو قبليّة أو جهوية تعدم المساواة بينهم.

لقد ترسّخ النظام الطائفيّ في لبنان منذ ذلك التاريخ بأرجحيّة واضحة للطائفة المسيحيّة المارونيّة، وعندما حاولت الحركة الوطنيّة اللبنانية في سبعينّيات القرن الماضي تغيير المعادلة، فشلت وتحوّل الصراعُ إلى حرب أهليّة غيّرت موازين القوى وعكست التغيّرات السكّانية الكبيرة التي حصلت في المئة عام المنصرمة على بدء الحرب، فترسّخ بنهايتها نظام المحاصصة الطائفيّة بشكله الجديد الذي عبّر عنه اتفاق الطائف بالدستور المعمول به حتّى الآن. ولعلّ من أسباب فشل التغيير آنذاك أنّه كان موجّهاً ضدّ طائفة بعينها من قبل طوائف أخرى، حتى وإن كان قد أخذ شكل الحراك السياسي العابر للطوائف.

أدرك اللبنانيّون أنّ هذا النظام الطائفي عاجزٌ عن بناء دولة حقيّقية، بل هو ترسيخ لدورة الفساد المتكاملة التي تُعيد إنتاج احتكار زعماء الطوائف لثروات البلد تحت عنوان حماية رعاياهم

أدرك اللبنانيّون أنّ هذا النظام الطائفي عاجزٌ عن بناء دولة حقيّقية، بل هو ترسيخ لدورة الفساد المتكاملة التي تُعيد إنتاج احتكار زعماء الطوائف لثروات البلد تحت عنوان حماية رعاياهم. أي أن الثورة الحاليّة هي ثورة فكرة المواطنة الكاملة على فكرة الرعيّة الملحقة بالزعيم. إنّها ثورة اللبناني الذي يريد تعريف نفسه هكذا فقط دون لواحق أو سوابق أخرى تصنّفه تبعاً لدين أو طائفة أو مذهب أو زعيم. لعلّ أكثر ما يُخيف النخبة السياسيّة المستأثرة الآن هو هذا الوعي الجمعي بأسّ المشكلة في النظام اللبناني ككل. لقد أوضح الثائرون من مختلف المناطق والمكوّنات اللبنانيّة أنّ صراعهم مع الجوهر لا مع القشور.

شكّل هذا الوضوح في الرؤية صدمة كبيرة للزعامات التقليدية والفئة السياسيّة الحاكمة، فاستدعت على الفور خطاب المؤامرة على مستويات مختلفة. فجماعة إيران المتمثلون بحزب ولاية الفقيه اعتبروا الحراك الشعبي مصدر تهديد مستقبلي لمشروعهم الخاص، أي أنّه سيكون المسمار الأكبر في نعش دولتهم التي أقاموها داخل الدولة اللبنانيّة وعلى حسابها والتي باتت أكبر وأقوى منها. لذلك خطب حسن نصرالله متّهماً المشاركين في الحراك بتلقّي التمويل من السفارات. نسي حسن نصرالله نفسه عندما أعلن أكثر من مرّة جهاراً وأمام الجميع بأنّه جنديّ في جيش الوليّ الفقيه، وأنّ تمويل حزبه ونفقاته ورواتب كوادره وسلاحه وعتاده ومتطلّباته كلّها من مالٍ إيرانيّ.

لا يمكن لأيّ نظامٍ سياسي في العالم أن يقبل بتلقّي حزبٍ تمويله من دولة أجنبيّة، ولا يمكن أن تقبل أيّة دولة في العالم وجود جيش موازٍ داخلها يتبع لدولة أخرى بأهدافه ومرجعيّته وتمويله. لو كان هناك أدنى شبهة بوجود دولة في لبنان لقامت الدنيا ولم تقعد على تصرّفات هذا الحزب وتصريحات زعيمه، ولو كان هناك حقّاً فصلٌ بين السلطات ولو كان هناك قضاءٌ سيّدٌ مستقل، لما بقي اسم هذا الشخص "السيّد" بل لاستحقّ بقوّة القانون لقب المجرم تبعاً لأفعاله التي تشكّل جنايات خطيرة ضدّ أمن الدولة اللبنانيّة. كيف إذن لو أضفنا إلى ذلك انفراد هذا الحزب بقرار الحرب والسلم وما تبعه من خسائر فادحة ألحقها بلبنان وشعبه عام 2006 وبعد مشاركته العمليّة الفاعلة مع نظام الأسد في حربه ضدّ الشعب السوري؟

أمّا جماعة "العهد القويّ" الذين اكتسبوا قوّتهم من تحالفهم مع ممثل إيران في لبنان، فإنهم يعتبرون هذا الحراك أو هذه الثورة الوطنيّة اللبنانيّة أيضاً أكبر مسمارٍ في نعش التوريث الساعين إليه بكلّ ما أوتوا من قوّة. لذلك استدعوا الخطاب الشوفيني التحريضي الذي انتهى يوم 12-11- 2019 بقول رئيس هذا العهد لأبناء الشعب اللبناني الثائر، بأنّ عليهم الرحيل والهجرة إن لم يكن بمقدورهم تحمّل هذا الوضع. إنّه خطابٌ واحدٌ متسلسل من قصر المهاجرين إلى قصر بعبدا، فالشعب في خدمة السلطة ورجالها، وإن لم يقوَ على أداء واجباته أولى به الرحيل، وكما فعل بشّار بالسوريّين، يستدعي عون ونصرالله وبرّي المقارنة بشكل أو بآخر أمام اللبنانييّن.

لقد شكّل قبول سعد الحريري قيادة حكومة تصريف مصالح حزب الله والتيار الوطني الحر بمشاركة من وليد جنبلاط وسمير جعجع وبقيّة رموز النخبة السياسية الحاكمة، غطاءً لمصالحهم جميعاً بالدرجة الأولى، ومن ثمّ شرعنةً لنظام المحاصصة دولياً. وباعتبار أنّ هذا الزواج كان بمثابة عقد إذعان فرضه سلاح حزب الله، وباعتبار أنّ أصحابه وجدوا أنفسهم مضطرّين لذلك بعد التقاء مصالح الحزب مع الرغبة الجامحة لميشيل عون بمنصب الرئاسة ولو على حساب هويّة لبنان وقُوْتِ أهله، فقد انفرط عقدهم بعد أيّامٍ من بدء الثورة. لقد وجد هؤلاء أنفسهم في وضع يسمح لهم بالتفلّت من هذا الزواج القسري. لذلك استقال الحريري من رئاسة الحكومة وتبعه وزراء جنبلاط وجعجع بعد أيام قليلة.

لا أحد يمكنه التنبّؤ بسيرورة الأحداث وتطوّرها في لبنان، خاصّة بعد أن اتخذ النظام قراره بزجّ بعض قطعات الجيش موثوقة الولاء مثل الحرس الجمهوري في مواجهة الشعب، ولعلّ استشهاد الشاب علاء أبو فخر يوم 12-11-2019 برصاص أحد عناصر جهاز مخابرات الجيش سيكون له ما بعده من تطوّرات، خاصّة أنّ عناصر حزب الله وعناصر حركة أمل لم يتوانوا عن مهاجمة المتظاهرين وساحات الاعتصام منذ اليوم الأولّ للاحتجاجات، وكان آخرها يوم أمس في 25-11-2019 حيث اعتدوا على المعتصمين في ساحة العَلَم في صور وعلى تقاطع جسر الرينغ وجسر الكولا وفي ساحة رياض الصلح وأحرقوا خيامهم وتسببوا بجرح العديد منهم.

العلم اللبناني الذي يرفعه المتظاهرون مترافقاً مع شعارات وطنيّة تنادي بدولة المواطنة، يقابلها أعلام حركتي أمل وحزب الله ورايات فئويّة أخرى مترافقة مع خطابات طائفيّة وشعارات تُعلى إرادة فئة واحدة على إرادة عموم اللبنانيين. ليس من المصادفة أن يرفع أمس مناصرو إيران في لبنان شعارات ( شيعه شيعه شيعه) مقابل شعارات المتظاهرين (كلّنا للوطن)، وليس مفاجئاً أن يهتف أنصار حسن نصرالله قائلين ( الشعب يريد 7 أيار جديد)، فهم يرون أنّ الشعب محصور بهم وحدهم وكلّ من يخالفهم الرأي والموقف ليس من الشعب بل هو عدوّ يجب قتله وحرقه.

لا أحد يمكنه التنبّؤ بسيرورة الأحداث وتطوّرها في لبنان، خاصّة بعد أن اتخذ النظام قراره بزجّ بعض قطعات الجيش موثوقة الولاء مثل الحرس الجمهوري في مواجهة الشعب

يبدو أنّ اللبنانيين مصرّون حتى الآن على الوقوف جبهة واحدة ضدّ النظام الطائفي، ويبدو أنّهم قد تجاوزوا بنجاح – حتى الآن أيضاً – انتماءاتهم الطائفيّة وعبروا إلى انتمائهم اللبناني الجامع. وسيكون من الواجب عليهم التفكير مليّاً بخطواتهم القادمة لمواجهة تعنّت نظام الفساد المدعوم إيرانيّاً تحت ستار صمت غربي ومحاولة تعويم فرنسي واضحة. سيكون عليهم أن ينظروا إلى تجارب العراقيين الذين صاغوا أهدافهم بورقة محددة من عشرين بنداً، ثم عليهم أن يضعوا آلياتٍ محددةً لتنفيذ هذه الأهداف، وبعد ذلك عليهم أن ينتخبوا قيادة مركزيّة لقيادة حراكهم الثوري، ويجب ألّا ينسوا أنّ الثورة دون قيادة سيكون مصيرها التشتت والضياع ومن ثمّ الارتهان لغير الأجندة الوطنية كما حصل مع السورييّن.

لسنا في وارد الأستذة ولا الخطابة على اللبنانييّن بالتأكيد، وليس ثمّة قالبٌ يمكن بموجبه قياس الثورات، فلكلّ مجتمع خصوصياته ولكلّ ثورة حيثيّاتها وظروفها، لكن تشابه الأنظمة القمعيّة من جهة وتشابه الأهداف التي تسعى لها شعوب المنطقة من جهة ثانية، يجعلان من المقارنة والقياس في حدودهما الدنيا أمراً مقبولاً ومفيداً بل وأحياناً واجباً. وهذا ما جعلنا نشاهد الشباب والشابّات يرفعون علم الثورة السوريّة في ساحات العراق العظيم، وهذا ما جعلنا نسمعهم ينشدون أغانيهم بألحان قاشوش الثورة السوريّة في شوارع وساحات لبنان الجميل. إنّها وحدة الشعوب ووحدة المصير في مواجهة العدوّ المشترك.

 

بسبب سرقة النظام الغطاسات ولوحات الكهرباء.. أزمة المياه تتفاقم في درعا البلد
استمرار تنفيذ اتفاق التسوية مع النظام في ريف درعا الغربي
تطبيقاً لاتفاق التسوية.. قوات النظام تدخل بلدة تسيل بريف درعا
12 وفاة و 1273 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا
8 وفيات و350 إصابة جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
بأكبر قدر منذ الحرب العالمية الثانية.. كورونا يخفض متوسط الأعمار