كيف أسس سجن غوانتانامو للاحتجاز في مخيم الهول شمال شرقي سوريا؟

كيف أسس سجن غوانتانامو للاحتجاز في مخيم الهول شمال شرقي سوريا؟

متظاهرون يقفون أمام البيت الأبيض يطالبون بإغلاق سجن غوانتانامو - التاريخ 2 نيسان 2022
متظاهرون يقفون أمام البيت الأبيض يطالبون بإغلاق سجن غوانتانامو - التاريخ 2 نيسان 2022

تاريخ النشر: 12.09.2022 | 18:06 دمشق

تروث آوت - ترجمة: ربى خدام الجامع

إنَّ ما يعرف بالحرب على الإرهاب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في العالم رداً على هجمات 11 أيلول في عام 2001، لم تغير قواعد الحرب كثيراً بقدر ما أطاحت بها بعيداً.

إذ في أعقاب 11 أيلول، وما تلا ذلك من حروب في أفغانستان والعراق، تم التخلي عملياً عن اتفاقية جنيف حول معاملة أسرى الحرب، وذلك عندما اعتقلت الولايات المتحدة وحلفاؤها الآلاف من الرجال والنساء والأطفال، وأغلبهم من المدنيين، كما أصبح التعذيب والاعتقال التعسفي لأجل غير مسمى سمة مميزة للحرب على الإرهاب.

بيد أن المعلومات الاستخبارية التي تم انتزاعها بالتعذيب لم تكن مجدية إلى حد كبير، كما تم اللجوء لإجراء التجارب على البشر منهم في خضم كل ذلك، ولهذا يعتبر سجن غوانتانامو الذي يؤوي حالياً 36 سجيناً، آخر ما بقي من سياسة الاعتقال العشوائي الجماعي بنظر الكثير من المدافعين عن حقوق الإنسان.

أما الضوء البسيط الذي سُلط على تلك الممارسات فقد أتى نتيجة لعمل جاد ودؤوب من قبل المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني، وكذلك من قبل محامين واصلوا مقاضاة الدول وغيرها من الأطراف المتورطة دفاعاً عن الضحايا وعائلاتهم، بما أن بعضهم مايزالون رهن الاعتقال.

ومن خلال تقرير قدمته في مطلع هذا العام فيونوالا ني آولين، المقررة الأممية الخاصة بمكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، في متابعة لتقرير أممي صدر عام 2010 حول الاعتقال السري، تم التوصل إلى أن "عدم معالجة مسألة الاعتقال السري" سمح بظهور ممارسات مماثلة وانتشارها في شمال شرقي سوريا وفي مقاطعة شينجيانغ الصينية.

شمال شرقي سوريا

أصبحت طريقة التعامل مع مؤيدي تنظيم الدولة وعناصره في سوريا والعراق ممن اعتقلوا عشوائياً معضلة بدأت في عهد أوباما، لكنها لم تؤت أكلها إلا خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2018-2019 وذلك عندما خسر تنظيم الدولة آخر معقل له ومناطقه المهمة، ما أدى إلى ظهور مخيمات لاعتقال تلك العناصر مثل مخيم الهول الذي يتوسع على الدوام، فقد تأسس مخيم الهول كمخيم للاجئين العراقيين على يد الأمم المتحدة في عام 1991 ليتسع لنحو 15 ألف نسمة. وفي عام 2018، أصبح عدد قاطنيه من اللاجئين العراقيين 10 آلاف نسمة. وأغلب قاطنيه البالغ عددهم 73 ألفاً بالإضافة إلى سكان هذا المخيم الذين وفدوا إليه منذ عام 2019 هم من النساء والأطفال، وهناك نحو 11 ألف نسمة منهم مواطنون في دول أخرى غير سوريا أو العراق، لكنهم يعيشون في ظل ظروف حقيرة من حيث المأوى ووضع النظافة والشروط الطبية.

كل هؤلاء اعتقلتهم "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا وكذلك قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهما كيانان لا يمثلان دولة، إلا أن الجهود التي بذلاها في مجال التحقيق مع عناصر تنظيم الدولة ومقاضاتهم ماتزال في مراحلها الأولى، كما ينقصها الاعتراف الرسمي والواسع إلى جانب عدم فصلهما في جرائم الحرب المحتمل وقوعها. ولكن بوجود معتقلين تجاوزت فترة احتجازهم ست سنوات دون أن توجه لهم أي تهمة، ولم يخضعوا لأي محاكمة أو تم تحديد وضعهم القانوني بشكل رسمي، يصبح ذلك الوضع شبيهاً إلى حد كبير بما جرى في أفغانستان والعراق.

إذ بحسب ما ذكرته ني آولين فإنه: "لم تؤسس أي عملية قانونية من أي نوع لتبرير اعتقال هؤلاء الأفراد، كما لا توجد معلومات رشحت للعامة حول من يجري احتجازهم في تلك المخيمات، بما يخالف شروط اتفاقية جنيف التي تشترط وجود سجلات للمعتقلين تحدد جنسياتهم والسبب القانوني للاعتقال.. تلخص تلك المخيمات حالة تطبيع ممارسات الاعتقال السرية وتوسعها خلال العقدين الماضيين منذ أن أسس سجن غوانتانامو في كوبا. حيث تمارس حالياً عمليات الاعتقال السري ذي الطبيعة المريعة والحبس الانفرادي والحبس في ظل ظروف قاسية ومهينة وغير مقبولة مع توفر حصانة وإذعان من قبل عدد من الدول".

وإضافة إلى ذلك، تمَّ احتجاز نحو عشرة آلاف رجل و750 فتى (بينهم ألفان من السوريين و150 من العراق) في بعض مراكز الاحتجاز البالغ عددها 14 مركزاً في شمال شرقي سوريا، وجميعهم متهمون بالانضمام لتنظيم الدولة، ولهذا تضيف المقررة: "لم تحدد أي عملية قضائية مدى قانونية احتجازهم وتناسبيتها، وهنالك تقارير أيضاً حول حالات حبس انفرادي".

بذلت جهود منيت بنجاحات متفاوتة لإجلاء وإطلاق سراح اللاجئين العراقيين والنازحين السوريين بسبب النزاع الإقليمي، حيث تم إجلاء نحو 2400 عراقي خلال السنة الماضية.

بيد أن الدول الأوروبية وغيرها من الدول الغربية عارضت في البداية إجلاء مواطنيها، ولذلك هدد الرئيس السابق ترامب بإرغام تلك الدول على فعل ذلك، في حين أن بعض الدول، مثل المملكة المتحدة، أطلقت إجراءات لتجريد هؤلاء من جنسيتها بهدف منعهم من العودة إليها. أما الجهود التي بذلت فيما بعد من قبل الدول الأوروبية فقد نظرت لتلك المسألة من خلال مقارنة قائمة على الجندرة، حيث سعت لإجلاء النساء والأطفال من تلك المخيمات، إلا أن هذه المقاربة تغض الطرف عن ممارسات قسد في فصل الصبيان عندما يصبح عمرهم تسعة أعوام عن عائلاتهم واحتجازهم مع الرجال في السجون، بما أنهم يمثلون خطراً على الأمن. ولهذا لم تظهر تلك المخاوف إلا خلال اقتحام أحد السجون في مطلع عام 2022 عندما خيف على هؤلاء الأطفال الوقوع بين أيدي تنظيم الدولة، وكأنهم كانوا بأمان بين أيدي سجانيهم السابقين.

إضاعة الهدف من "الحرب على الإرهاب"

لقد صبت تلك المقاربة القائمة على الجندرة بالنسبة لعملية إجلاء المعتقلات في بوتقة الآراء الاستشراقية والإمبريالية القديمة، حيث صورت القوى الغربية على أنها منقذة لتلك النسوة والأطفال، مع استبقائها للرجال والصبيان بما أنهم "مقاتلون" لدى تنظيم الدولة وذلك دون التحقيق معهم أو التثبت من أنهم كانوا كذلك.

إذ على الرغم من إدانة الولايات المتحدة مؤخراً عناصر بريطانيين سابقين لدى تنظيم الدولة وذلك بسبب الدور الذي لعباه في خطف الأسرى الغربيين وقتلهم، إلا أنه لابدَّ لنا من التشكيك في أهمية هذه السياسة القائمة على الاعتقال، إذ كما هي الحال في أفغانستان والعراق، يصبح اعتقال الآلاف بصورة تعسفية وتعرضهم لأقسى العقوبات، في ظل ظروف أسوأ مما هي عليه ظروف المعتقلين المرتبطين بتنظيم الدولة، أمراً غير مبرر على الإطلاق.

خلص تقرير ني آولين إلى أنه لا معتقلين بسبب الحرب على الإرهاب "حصلوا على جبر ضرر كامل ومناسب قانونياً" كما أن عدم قيام عملية مقاضاة مناسبة أدت إلى استمرار إحساسهم بالخزي بسبب وصمة العار التي لحقت بهم، إلى جانب تعرض السجناء الذين أفرج عنهم من سجن غوانتانامو للاضطهاد.

بعد مرور عقدين على ذلك، مايزال غياب العدالة في غوانتانامو موضوعاً متكرراً، حيث تسعى النيابة حالياً لتسوية الأمور عبر صفقة قائمة على الإقرار بالذنب مع محامي الدفاع بالنسبة لقضية 11 أيلول بهدف تجنب المحاكمة، وبالتالي الابتعاد عن اكتشاف أمور التعذيب، ومن ثم الحكم بالإعدام، بما أن هذه القضية ستسمر لعقد آخر من الزمان.

تظهر تمثيلية "العدالة" الهزلية بأوضح معانيها مع عدم إطلاق سراح ماجد خان الذي أنهى حكمه في الأول من آذار، عقب صفقة للإقرار بالذنب وسنوات عديدة تعرض خلالها للتعذيب في السجون السرية التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فقد استنكر المحلفون العسكريون في جلسة النطق بحكمه تعرضه للتعذيب وقدموا عريضة تطالب بالعفو عنه. إلا أنه بقي في غوانتانامو بما أنه من غير الآمن له العودة إلى باكستان، كما لم تعثر الولايات المتحدة له على دولة آمنة ليتم إعادة توطينه فيها. وبعد مقاضاته وصدور حكم بحقه، أتى رد وزارة العدل الأميركية المتمثل باعتراضها على الالتماس الذي قدم له، بحجة أنه لا يخضع لاتفاقيات جنيف.

ما العدالة؟

ترتب على عقدين من الاعتقالات العشوائية السرية حرمان ضحايا جرائم الحرب والأعمال الإرهابية من العدالة، وخلق ضحايا جدد، هم المعتقلون وأهاليهم، بما أن هؤلاء قد حرموا من العدالة أيضاً.

بعد عقدين من الزمان، لم يعد عدم إغلاق سجن غوانتانامو وإنهاء تلك الاعتقالات السرية التعسفية، والغموض التي مايزال يكتنف كل ذلك (مثل رفض الكشف بشكل كامل عن تقرير مجلس الشيوخ الأميركي الذي صدر في عام 2014 حول عمليات التعذيب التي مارستها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية) مجرد أخطاء أو حالات إغفال، بل إنها سياسة متعمدة، توفر الإفلات من العقاب للدول وللفاعلين الذين تدعمهم الدول، بينما يتم وصم المعتقلين بوصمة "الإرهابيين" طوال ما تبقى من حياتهم دون أن يخضعوا لمحاكمة عادلة، مما يجعلهم في مأزق قانوني يستمر معهم على الدوام في مجالات عديدة من حياتهم اليومية.

بعد عام على انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، مايزال الشعب الأفغاني محروماً من العدالة. وذلك لأن محكمة العدل الدولية تسعى للبدء بتحقيقها مجدداً، لكنها ستستثني الولايات المتحدة وحلفاءها من الأفغان من ذلك التحقيق، الأمر الذي سيمنحهم حصانة في الوقت الذي سيتم التركيز فيه على طالبان، إذ تقول الرئيسة السابقة لهيئة حقوق الإنسان المستقلة الأفغانية، شهرزاد أكبر: "لقد أتت المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن لتمثل العدالة بوجهها الانتقائي المؤجل بالنسبة للكثير من ضحايا الحرب في أفغانستان، إذ بعد مرور عام على انسحاب القوات الدولية والكثير من الممارسات المبنية على الدروس المستفادة، مايزال يتعين على قوات الدول المشاركة من أمثال الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي أن تفكر في إرث الإفلات من العقاب الذي خلفته وراءها".   

لم نصل إلى أي مكان

عبر عرضها لتقريرها أمام الأمم المتحدة في نيسان الماضي، ذكرت ني آولين بأن" عدم الوصول للمحاسبة وجبر الضرر وعدم شفافيتهما ساعد على ظهور بيئة متساهلة وبقائها بالنسبة لعمليات الاعتقال والإيذاء التي يتعرض لها الأفراد على نطاق واسع".

كما عبرت في هذا التقرير عن مخاوفها إزاء: "عدم وجود تعريف للإرهاب والتطرف (العنيف) متفق عليه عالمياً، إلى جانب عدم تعريف أعمال الإرهاب بطرق دقيقة وواضحة ضمن التشريعات الوطنية"، وذلك لأن الغرض من التعريف الغامض توصيف أي معارض أو أي مقاومة للدولة بالنشاط الإرهابي.

إن التركيز على غوانتانامو وعلى الاعتقالات الجماعية للمشتبه بتورطهم بالإرهاب قد صرف الانتباه عما تمارسه الدول من ممارسات جسدية، إذ لم تثر عمليات التعذيب والحبس الانفرادي لفترات طويلة، والاغتصاب، والانتهاكات الأخرى التي يتعرض لها السجناء في السجون الفيدرالية القدر ذاته من الانتقاد والتحرك.كما أن التركيز على سجناء تنظيم الدولة حول الانتباه أيضاً عن عمليات الاعتقال الجماعية والانتهاكات التي يتعرض لها المحتجزون في السجون السورية.

وفي الوقت ذاته، ساعدت الاعتقالات الجماعية التعسفية والسرية "للإرهابيين" على تبرير عمليات توسيع السجون، بعد تورط متعهدين من القطاع الخاص في تلك العمليات. وخلال العقدين الماضيين، استخدم التعذيب بشكل كبير في مختلف بقاع العالم، ولعل أشد ما يقلق في الموضوع هو ازدهار عمليات الاعتقال الجماعي التعسفية والانتهاكات التي يتعرض لها الرجال والنساء والأطفال في مختلف أنحاء العالم دون أن يخضعوا لإجراءات مناسبة أو ينالوا الحد الأدنى من حقوقهم القانونية وذلك تحت شعار احتجاز المهاجرين، وذلك بعدما تمت إعادة رسم صورة الهجرة واللجوء بوصفهما مشكلة تمس الأمن على مدار عقدين من الزمان.

إن ظهور مثل هذه التقارير ومراقبة الوضع باستمرار على أعلى المستويات ومن قبل منظمات المجتمع المدني يعني بأن السجناء لم يتم تغييبهم أو نسيانهم أو تطبيع وضعهم بالقدر الذي ترغبه الدول المتورطة بذلك. إلا أن الحاجة للعدالة بالنسبة لكل الضحايا تتجه نحو أي نوع من السلام، ولذلك ماتزال ضرورية لمواصلة الضغط ولتأييد ما دعت إليه ني آولين من حيث "الوصول للمحاسبة ولجبر الضرر وللشفافية حيالهما".

المصدر: تروث آوت  

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار