كارثة غير مسبوقة.. 51 % من أطفال الشمال السوري خارج المدارس

تاريخ النشر: 24.09.2020 | 12:46 دمشق

إسطنبول- كاترين القنطار

تعاني مناطق الشمال السوري من تسرب الأطفال من مدارسهم وانضمامهم إلى سوق العمل، بحثا عن مصدر للرزق، حيث أثرت ظروف الحرب تأثيرا خطيرا في مختلف نواحي الحياة. إلا أن الأطفال يدفعون الثمن الأعلى في مثل هذه الظروف، وهم الحلقة الأضعف، إذ تترك الحرب آثارا عميقة في نموهم وفي تربيتهم وتطورهم من مختلف الجوانب، الجسمية والاجتماعية والنفسية الانفعالية. وأثرت الحرب التي شنها نظام الأسد على الشعب السوري على ملايين الأطفال، خصوصا أولئك الذين شُرّدوا ودمرت بيوتهم ومدارسهم.

وفي حديث مع يوسف، طفل من مدينة حلب، يبيع المناديل الورقية حتى ساعات متأخرة من الليل، قال "أبيع نحو 10 علب في اليوم لأساعد عائلتي المكونة من 13 فردا، نقطن في بيت على العظم أعطانا إياه صاحبه دون أي مقابل، أبدأ عملي في حدود الساعة 11 صباحا ومن ثم أعود ظهرا لأخذ استراحة في المنزل لأخرج وأكمل بيعي للمناديل الورقية حتى الساعة 11 ليلاً".

وأضاف يوسف "لا أذهب للمدرسة، كذلك إخوتي حيث يعمل أحدهم في إحدى مطاعم مدينة سرمدا، وآخر يبيع المناديل أيضاً، نحاول أن نعيل أسرتنا لكن الوضع المادي صعب جداً ولا يكفي ما نجنيه حتى آخر الشهر".

أما عمر من مدينة حلب أيضاً، فقد أباه بالحرب، وينام برفقة أخ له في إحدى السيارات، وعند شروق الشمس يبدأ بجمع النايلون على أمل بيعها والعيش من مردودها.

الوضع مختلف بالنسبة لعبد الله يحيى، وهو طفل من قرية كفرنوران، هجّر مع عائلته إلى عفرين، ولم يستطيع إكمال دراسته بسبب عدم توفر المدارس، وأصبح يعمل حتى يجمع قوت يومه، وبعد عودته إلى مسقط رأسه كفرنوران وجد أن المدرسة تحتاج إلى ترميم بعد دمارها إثر قصف جوي من قبل قوات النظام وروسيا.

 

300 ألف طفل في الشمال السوري متسربون من الدراسة

تعاني مناطق سيطرة المعارضة من تسرب الطلاب من المدارس، إذ إن نحو 300 ألف طالب في سن التعليم متسرب من المدارس، من أصل نحو 600 ألف طالب أي بنسبة 50% من الطلاب، بحسب ما صرح به مدير التربية حسن الشوا لموقع "تلفزيون سوريا".

وعزا الشوا الأسباب إلى النزوح والمعارك الأخيرة، وذكر أنه سيتم إحصاء أعداد الطلاب المتسربين وأماكن وجودهم حتى يتم بناء مدارس قريبة منهم بهدف تقليل من هذه الظاهرة.

مصادر محلية أكدت أنه في مناطق سيطرة المعارضة يغيب قانون إلزام التعليم للأطفال، وفي الوقت نفسه تعاني المدارس من الاكتظاظ إذ كان يوجد في الصف الواحد نحو 50 طالبا وطالبة، أما بعد عمليات التهجير الأخيرة أصبحت الأعداد مضاعفة، مما أثر بشكل كبير على قطاع التعليم، فأصبح يواجه تحديات كبيرة أبرزها انخفاض مستوى التعليم نتيجة لاكتظاظ المدارس.

ولجأ كثير من الأهالي إلى تسجيل أولادهم في مدارس خاصة، والتي أصبحت توجد بكثرة في مناطق المعارضة، حيث ذكرت مديرية التربية الحرة في إدلب عن وجود نحو 170 مدرسة خاصة، تتراوح أقساطها بين 20 إلى 30 دولارا شهرياً، بحسب مصادر محلية.

اقرأ أيضاً: نظام الأسد هو الأسوأ على مستوى العالم في الاعتداء على المدارس

اقرأ أيضاً: مركز أبحاث: أطفال سوريا يدفعون ضريبة الحرب مرتين

ويعيش في شمال غربي سوريا أكثر من مليون ونصف المليون طفل محروم من التعليم، بحسب إحصاءات صادرة عن "وحدة تنسيق الدعم"، منهم مايقارب 51% يعملون لإعالة أسرهم، 63% يعملون ضمن أعمال تتطلب جهداً و9% يعملون في أعمال تتطلب جهداً وتشكل خطراً على حياتهم.

infographic-schools-03-2048x1448.jpg

 

وبحسب الإحصاءات، تم تسجيل نحو 56% من الطلاب ليس لديهم كتب مدرسية، و43% تغيبوا بسبب المرض، و37% من المدرسين في المنطقة عبر لهم الأطفال عن عدم شعورهم بالأمان بسبب وجودهم ضمن المدارس.  

 

كارثة غير مسبوقة

وفي حديث خاص مع اختصاصي التربية وعلم النفس، الدكتور فايز القنطار، لموقع "تلفزيون سوريا" قال "تشير بعض البحوث إلى وجود أكثر من 3 ملايين طفل سوري خارج المدرسة، في كارثة غير مسبوقة في هذا القرن. يجب على الجميع تحمل المسؤولية في مواجهة هذه المشكلة التي تهدد أجيالنا بالجهل والأميّة".

وأضاف القنطار "أما بالنسبة للأطفال الملتحقين في المدارس، سواء في مناطق النزوح أو في المناطق التي يسيطر عليها النظام، فهم أيضا ضحايا الأوضاع المعقدة التي يعيشها المجتمع السوري. فوجود نسبة 37% من أطفال مدارس إدلب لا يشعرون بالأمان يشير إلى الأوضاع الصعبة التي يعانيها الطفل، فالخوف من استمرار الحرب والتهديد اليومي للغارات الجوية التي يشنها النظام مع القوات الروسية، تفسر مشاعر الخوف والقلق وعدم الشعور بالأمان عند هذه النسبة المرتفعة من الأطفال.

اقرأ أيضاً: 24 ألف طفل متخلفون عن التعليم في الرقة

وأكمل الدكتور القنطار تجدر الإشارة الى أن اضطراب أوضاع الأسرة وفقد مقومات العيش وغلاء الأسعار نتيجة تدمير الاقتصاد، والنزوح وما رافقه من تفكك اجتماعي، وقلق الأهل وتوترهم المستمر، ينعكس على الاستقرار النفسي للطفل، ويترك آثارا ضارة بنموه النفسي الانفعالي، ويؤثر تأثيرا سلبيا على حياته المدرسية وتفاعله مع العملية التربوية.

وأشار الدكتور القنطار أنه يضطر كثير من الأطفال إلى مغادرة المدرسة ودخول سوق العمل في سن مبكرة، لتقديم العون لأسرهم التي فقدت الأب قتلا أو سجنا، فهؤلاء الأطفال عرضة لأبشع أنواع الاستغلال. فالعمل في سن مبكرة لا يتناسب وقدراتهم، ويترك أثرا خطيرا في نموهم الجسمي والعقلي ويدفع بهم نحو الجهل والأمية. وتشكل هذه الظاهرة تحديا كبيرا للمجتمع السوري الذي سيجد ملايين الأميين من هؤلاء الذين اضطرتهم ظروف الحرب إلى مغادرة المدرسة.

وأكد القنطار قائلا "على السوريين في الشتات وفي كل مكان أن يتنبهوا إلى هذه الظاهرة الخطيرة، التي تهدد أجيال المستقبل، وأن يستنفروا كل الجهود من أجل التعليم وتقديم الفرص التربوية لجميع الأطفال. علينا أن نتمثل تجربة إخوتنا الفلسطينيين، حيث لديهم أفضل مستوى تعليمي تربوي في العالم العربي، بالرغم من ظروفهم التي تشبه ظروفنا الحالية، لا بد من تكثيف الجهود لتمكين أطفالنا من تعويض الأوضاع التربوية القاسية التي يعيشونها".

وأشار الدكتور فايز على أن أجيالنا تستحق أن نعمل على بناء مشروع تربوي حديث من أجل سوريا المستقبل، يليق بتضحيات الشعب السوري، يوفر لأبنائنا فرص التعلم والنمو والإبداع، في شروط من الحرية؛ حرية التفكير وحرية التعبير. فالتربية التي لا تقوم على الحرية هي تربية زائفة.

 

 

اقرأ أيضاً: "التعليم عن بعد" في تركيا.. قلقٌ يسيطر على أهالي الطلاب السوريين