كارثة السوريين المستمرة

تاريخ النشر: 11.03.2020 | 23:00 دمشق

في عام 2017، وبعد الاستيلاء على شرق حلب نتيجة القصف الروسي العنيف، دعت روسيا لعقد مباحثات أستانا التي دخلت بجولات مكوكية برعاية الأطراف الثلاث (روسيا وإيران من جهة، وتركيا من جهة أخرى)، كان من أبرز ما ترتب عنها الدعوة لمؤتمر سوتشي في أوائل 2018 الذي دعا صراحة إلى تشكيل لجنة دستورية وانتخابات رئاسية، وهي ما أخذت طريقها للواقع عام 2019، ورغم كل قصورها، لم تتمكن من التوصل إلى  نتيجة بسبب موقف النظام وداعميه، والحدث الآخر هو اتفاق سوتشي بين الرئيسين التركي والروسي في أيلول 2018 حول ترتيبات منطقة خفض التصعيد الرابعة (ريف حماة الشمالي ومحافظة إدلب وريف حلب الغربي)، والتي تدور المعارك فوقها منذ أشهر، حيث تمكن النظام وداعموه من استعادة قسم كبير منها.

تبادل الطرفان الضامنان (روسيا وتركيا) الاتهامات حول تنفيذ اتفاق سوتشي، حيث تتهم تركيا روسيا بأنها هي من يشجع النظام على خرق الاتفاق، وأنها لا تتمسك بالمادة الثانية من الاتفاق، والتي تدعو إلى الحفاظ على وقف إطلاق النار في إدلب وحولها من خلال اتخاذ "جميع التدابير اللازمة" لمنع "العمليات العسكرية والهجمات". وتطالب بالانسحاب إلى المناطق المحددة فيه، بينما تتهم روسيا تركيا بأنها لم تتمكن بعد أكثر من عام من نزع السلاح الثقيل من المعارضة ومن فصل العناصر الإرهابية (هيئة تحرير الشام) عن الجيش الوطني (الذي يقبل التفاوض مع النظام)، ووفق "تفسير" موسكو فإن وجود العناصر الجهادية، أي هيئة تحرير الشام، على الأرض يضفي شرعية على هجوم قوات النظام، مما يلغي عملياً وقف إطلاق النار، حسب مضمون المادة العاشرة من الاتفاق، والتي تدعو إلى محاربة الإرهاب في منطقة التصعيد في إدلب.

وسط الخلافات حول تفسير ذلك الاتفاق، باشر النظام وداعميه بهجومه الذي أسفر أولاً عن تهجير حوالي مليون سوري إلى المجهول، في ظروف مناخية وإنسانية قاسية جداً فاقت قدرات كل المنظمات الدولية التي أكدت على موت الأطفال نتيجة البرد، مع عجزها الكامل أمام تلبية احتياجات العدد الكبير من المهجرين، وعن احتلال وتهديم مئات القرى والبلدات من خان شيخون حتى سراقب مروراً بمعرة النعمان وكثير من القرى بينهم وحولهم.

لم تحقق روسيا -الداعم الرئيس للنظام- رغم التقدم العسكري والسيطرة على الأراضي أي انتصار سياسي في سوريا، فالسيناريو الذي فرضته بالقوة كصيغة سياسية (لجنة دستورية وانتخابات) بات في طي النسيان بعد الهجوم الأخير، حيث لاقى رفضاً من الولايات المتحدة ومن أوروبا، لكنها تستغل علاقة تركيا المتوترة مع الغرب ومع الولايات المتحدة، وتعرف جيداً أن الناتو لن يقدم المساعدات العسكرية للقوات التركية التي تعرضت لأكثر من اعتداء لأسباب عديدة، أهمها أن تلك القوات موجودة خارج الأراضي التركية، ولذلك تدفع روسيا لتشجيع النظام على التقدم أكثر نحو مدينة إدلب دافعاً بالملايين نحو تلك الحدود، بقصد إجبار الأوروبيين على تقديم الثمن لغطرستها في سوريا والمتمثل برفع العقوبات وحتى تقديم الدعم لإعادة الإعمار من دون حضور سياسي لها، وهو ما ترفضه أوروبا منذ زمن ولا تزال، أو مواجهة خيار موجة جديدة من اللجوء لا يمكن لتركيا تحمل عبئها لوحدها.

لتدارك تلك التوترات التي كادت أن توصل لصدام مباشر بين الطرفين، كان اللقاء الأخير بين الرئيسين، أردوغان وبوتين، في أوائل هذا الشهر، والذي كان إنجازه الأول والمهم، وقف عمليات القتل والتهجير لسكان محافظة إدلب،  وكذلك الحديث عن العودة للقرار 2254 كصيغة للحل السياسي من دون ذكر لمخرجات سوتشي، لكنه من جهة أخرى، يبدو أنه تجاوز المطالبات التركية بانسحاب قوات النظام للحدود السابقة لمنطقة خفض التصعيد هذه، حيث لم يرد ذكر لطريق M5 ومحيطه، بل فرض ممراً آمناً حول الطريق M4 يتقاسم إدارته الطرفان، الذي يصل حلب مع اللاذقية، وبالتالي أقر الاتفاق بالوجود العسكري للنظام في القرى والبلدات التي احتلها مؤخراً، مما يمنع بالتأكيد عودة المهجرين لتلك المناطق رغم الحديث عن عودتهم، حيث لا يثق الناس بالعودة لمناطق يسيطر عليها النظام، خاصة أن تجارب من عاد مؤلمة ومخيفة.

يمكن اعتبار التفاهم بين البلدين كفترة راحة لن تطول، يسعى فيها الطرفان لإعادة ترتيب القوى استعداداً لجولة أعنف، فالسفن الروسية لا تزال تعبر نحو سورية، والميليشيات الإيرانية تتقاطر لتعويض النقص البشري الذي أحدثته مشاركة القوات التركية، وخاصة الطائرات المسيرة، التي وجهت ضربات موجعة لقوات النظام، أما تركيا فتسعى جاهدة الحصول على موقف داعم من الناتو، وضمناً من الولايات المتحدة، دعماً يتجاوز الخطاب اللفظي والسياسي يمكنه أن يكبح العربدة الروسية بعد أن حصرت الولايات المتحدة مهمتها في سورية بمحاربة داعش، كما تسعى مع الاتحاد الأوروبي للتوصل لصيغة  مقبولة من الدعم السياسي والمالي لقضية اللاجئين، التي أصبحت مشكلة داخلية تركية.

ما لم يتحرك الغرب والولايات المتحدة بشكل جدي ويخرج من حالة الشلل لكبح عدوانية روسيا باجتياح المنطقة، وفرض حالة من الأمان تمكن المهجرين من العودة لبيوتهم وتمنع أي تهجير جديد عبر صفقة تركية روسية غربية تضمن تركيا فيها حماية المنطقة، وإيجاد حل لهيئة تحرير الشام، الذريعة المستمرة لروسيا لشن عدوانها، والتي وضعت محاربتها في الاتفاق الأخير من ضمن بنود الاتفاق. وتقدم أوروبا الدعم المالي لخلق بيئة تحتية وخدمية للسكان، فالمنطقة مقبلة على انفجار سيكون أعنف هذه المرة، ولربما يوصل لاصطدام مباشر بين تركيا وروسيا، ويفجر موجة كبرى من التهجير ستكون تداعياته أكبر من أن تتحمله دولة بمفردها.    

التطورات المقبلة على أرض الواقع قد تجيب على هذا السؤال. فالاتفاق الأخير بين الرئيسين لا يشكل أي ضمان كافٍ ولا يمكن اعتباره إلا اتفاقا مؤقتا بغية التشاور والتوصل لاتفاق يمكنه من الاستمرار إلى حين البحث الجدي عن حل سياسي نهائي. ويبدو أن إدلب ستكون ساحة المساومة الأخيرة، التي ستجبر جميع الأطراف إلى حلٍ لقضية المهجرين ويجنبهم الكارثة التي ستحل بهم فيما لو بقوا تحت سيطرة نظام القتل الأسدي.

كلمات مفتاحية