قصة الجنوب و"الخطر القادم منَ الشمال"

تاريخ النشر: 02.08.2021 | 05:27 دمشق

لن أذهب بعيداً بتاريخ منطقتنا الأهم والأكثر مفصليّة في جيواستراتيجية العالم؛ ولكن عندما تمّ تقسيمها، وزرعُ علة في فلسطين تحلُّ للغرب مشكلته اليهودية، وتكون ثكنة متقدمة تحرص على بقاء المنطقة ضعيفة ومبعثرة ومتخلفة ومنهوبة الخيرات -  يتحكّم بمصير شعبها العظيم أدوات عميلة مرتبطة بهذا الغرب ومحميّة من قبله - لم يأخذ هذا الغرب بعين الاعتبار التواصل البشري، والانفتاح العالمي، وانتشار المعرفة، وتوق الإنسان إلى الحرية والوعي والانعتاق؛ وأن التخطيطات، والحسابات، والاستبداد، وأدوات ظبط سلوك الجماهير وإخضاعها أمور  ليست منزَّلة.

تبديد مخاوف "بنغوريون"

وفي هذا السياق، لم تكن مخاوف "بنغوريون" على إسرائيل في غير مكانها، عندما كَتَب في مذكراته إن "الخطر على الكيان يأتي من الشمال" - بحكم وجود الأسطول الأميركي السادس في المتوسط غرباً؛ وحاجز سيناء الطبيعي جنوباً؛ ومنطقة عازلة شرقاً، يُحْرَصُ دوماً على إنهاكها وتفريغ الكيان من أهله، بترحيلهم إليها. فقبل اكتمال عقدين من عُمْرِ الكيان الصهيوني، بدّد "حافظ الأسد" لـ "بنغوريون" مخاوفه، مقابل سلطة أبدية على سوريا قلب القضية النابض؛ فكان تحييد خطر الجولان شمالاً. وبقي الجنوب اللبناني الذي أصبح أكثر خطراً على الكيان بحكم وجود المقاومة الفلسطينية، وتحالفها مع مد وطني لبناني وعربي، بعد اتفاق القاهرة 1970. وهنا استمرت مهمة "حافظ الأسد"، فكان تعميد رئاسته وتثبيتها، بعد حرب 1973، وانطلاق مهمته الجديدة لاحقا في الخلاص من المقاومة الفلسطينية والمد الوطني العربي في لبنان. وابتدأ من تل الزعتر، مروراً بقيام إسرائيل ذاتها بغزو لبنان، وتغيير إسرائيل لتعهيد حماية الحدود الشمالية "لأنطون لحد وسعد حداد"، وصولاً إلى استرداد الأسد للتعهد عبر ميليشيات "حزب الله"، بالتنسيق مع ملالي إيران، إثر قيام "ثورتهم" "الإسلامية"؛ استمرّت إراحة "بنغوريون".

إسرائيل وانتفاضة السوريين

وبالعودة إلى وعي الشعوب وانتفاضتها وتوقها للحرية والانعتاق، بداية العقد الثاني من هذا القرن؛ كان الحرص شديداً ألا يصل ذلك إلى سوريا؛ ولكنه وصل بأعجوبة. راق إسرائيل شعار "نظام الأسد أو نحرق البلد" لمواجهة الثورة السورية؛ وسعت بصمت إلى قتل ثورة السوريين عبر تشجيع وحشية "النظام"، والسكوت على دخول حزب الله- رغم إشهارها العداء له- ثم تدخل إيران، وصولاً إلى تدخل دولة عظمى- كان لإسرائيل يد بتدخلها. كان استهداف إسرائيل لمواقع إيرانية في سوريا ملفتاً؛ وكانت غايته لكل متبصر واضحة؛ إنه محاولة إقناع العالم بأن العداء قائم بين الكيان الصهيوني وإيران "قائدة المقاومة والممانعة"؛ وكان التموضع الأهم بالنسبة لإيران أيضاً قريباً جداً من منطقة "خطر بنغوريون". وبحجة إيران، وتضخيم خطر وجودها في تلك المنطقة بالذات، يكون إفراغها وتحويلها إلى منطقة عازلة (buffer zone)؛ ومن هنا أخذ اتفاق التهدئة في الجنوب2018 الوجود الإيراني بعين الاعتبار؛ فكان الحديث بأبعاده- رغبة بتضخيم خطره- ليكون هو ذاته المنطقة العازلة الحامية لشمال الكيان؛ لإتمام المهمة القديمة، وتجديدها لمعالجة "الخطر القادم من الشمال".

الجنى المؤقت والحسابات البعيدة

قد يكون الجنى الإسرائيلي كبيراً مما حدث في سوريا، ولكن استراتيجياً لا بد أن إسرائيل والغرب يحسبون ألف حساب لتغيّر حقيقي في معادلة البقاء والأمن الاستراتيجي؛ فها هي معادلة الأمس المريحة تتبخر، والتعهد الأسدي بحماية "الشمال" استراتيجياً وتاريخياً يشهد نهايته؛ وكل المحاولات المستميتة للإبقاء على المنظومة الأسدية تتلاشى. ما يحدث ليس إلا محاولات بائسة مفلسة لإعادة معادلة الأمس بأمن "الشمال". حتى محاولات بوتين المستميتة لطلب ود الغرب عبر إسداء الخدمة الأجَلّ للكيان الصهيوني تصطدم بالمزاحمة على تعهد الحماية مع الملالي الخبثاء المزاودين بالمقاومة.

منطقة عازلة

 أضحت محاولات الحماية تتركز على خلق منطقة عازلة شمال الكيان، لتشمل القنيطرة ودرعا والسويداء. من هنا، ومؤخراً، يكشف السر تهديد ذلك الجنرال الروسي الغبي لأهل درعا بأنه سيفلت عليهم قطعان الميليشيات الإيرانية، ومن هنا التهديد لأهل السويداء بداعش، ومَن هنا شيطنة الجنوب السوري بإفقاره وإذلاله وتخريب نسيجه الاجتماعي بمخدرات إيران وعمليات الخطف، ومَن هنا تنافُر ُوتزاحمُ المتحالفين الإيرانيين والروس ومحاولات إثبات مَن له اليد العليا عبر منع الروس للغطاء الجوي لإظهار هشاشة ميليشيات الأسد وخامنئي في الجنوب. ومن هنا- فوق كل ذلك- أنه عندما تم اتفاق 2018، في الجنوب، كان بين الروس والأميركان بتنسيق إسرائيلي أردني؛ ولم يكن على طريقة ثلاثي "أستانا" بما يُسمى "خفض التصعيد". وهنا اتضح أن الجميع يقدم أوراق اعتماده لإسرائيل أولاً ولأميركا ثانياً.

دوام الحال من المحال

قد يسأل المرء ها هنا: وهل إسرائيل- بعد كل هذه القوة العسكرية الضاربة وقدراتها الجوية والتقنية لتهديد أي نقطة في محيطها، وتراكض البعض على التطبيع معها- تخشى أحداً أو تحتاج إلى مناطق عازلة إضافية؟ والجواب، نعم تخشى، وتخاف أيضاً. فالقانون الطبيعي والبشري يقول /دوام الحال من المحال/؛ وخاصة إذا كان قائماً على خطيئة أو زيف وتزييف. رحم الله الدكتور حيدر عبد الشافي؛ الذي قال لي في التسعينيات (في أثناء المفاوضات العربية-الإسرائيلية في واشنطن) إن رئيس الوفد الإسرائيلي سأله في أثناء تفاوضهما: "أو تعتقد أننا نتفاوض معكم الآن، لأننا نخشاكم؟ بإمكاننا هزيمة أية قوة عربية بأبسط مما تتصور. إننا نتفاوض معكم الآن، ونفكر لخمسين عام قادمة. فلسنا متأكدين ما سيحدث بعدها. اتفاقنا معكم قد يضمن هذه الفترة".

فتح دفاتر الذاكرة

تعرف إسرائيل ومَن وراءَها أن السوريين- جذوة هذه المنطقة وروحها وقلبها النابض، وهم المشَرّبون بقناعة أن فلسطين قطعة من كرامتهم- سيعودون إلى فتح دفاتر وسجلاّت ما حل بهم، ومَن كان وراءه: ابتداءً مِن ارتياح إسرائيل لشعار "الأسد أو نحرق البلد"، وتشجيعه، إلى استدعاء إجرام خامنئي وبوتين بحقهم وحق بلدهم، وصولاً إلى تفاني الجميع بخلق منطقة عازلة منهكة مدمرة في شمال الكيان.

قدسية صمود الجنوب

من هنا قدسية صمود الجنوب، من هنا قداسة وشرف ما يقوم به شباب حوران، من هنا صبرهم على الحصار والقصف والاختراقات بكل أشكالها، من هنا يتحتم على كل سوري يحترم نفسه ووطنه وعرضه وكرامته- أكان مع منظومة الأسد أو ضدها- أن يقف في وجه هكذا مخطط، أن يقف مع حوران نبع انتفاضة الحرية والكرامة.

مَن شرب البحر، لا يغص بالساقية

قضية السوريين ليست فقط مسألة تمرير خطوط غاز، ولا هي مقاومة إرهاب، ولا هي موضة تغيير، ولا اختراق أو حفاظ على القانون الدولي أو حق الشعوب أو الحؤول دون تغيير نظام بالقوة، ولا هي قصة معابر، ولا هي داعش والجولاني وبوتين وخامنئي والأسد، وإعادة إعمار، ولجوء، وأكثر من مليون شهيد ومعتقل؛ إنها شيء من كل هذا يدور في فلك الصراع على الشرق الأوسط ؛ وفي بوابة القارات الثلاث بالذات، وفي مفتاح حربة الغرب وثكنته المتقدمة شرق المتوسط "إسرائيل" وحالها وجودياً. من هنا ثورة سوريا ستغيّر التاريخ عاجلاً أم آجلاً. أيها السوريون مَن شرب البحر، لا يغص بالساقية. الذاكرة السورية ستحمل كل ما جرى؛ الواقع وتطوره يقول بأن القرارات الدولية تحفظ حق السوريين في الجولان، وجنوبهم لهم؛ والاستبداد إلى زوال. نريد العودة إلى الحياة وبناء مستقبل حر آمن كريم تحت مبدأ: Live and let live/ / "لنعش وندع الآخرين يعيشوا".