قرابين البحر

تاريخ النشر: 10.02.2021 | 00:02 دمشق

معطفٌ رث خبأنا في جيوبه بعضاً من أحلامنا الصغيرة وكيس بلاستيكي مملوء بأوراق كثيرة تثبت وجودنا في السجلات الرسمية، وبعض من القطع النقدية قليلة القيمة، هي زوادتنا التي ما زلنا نحتفظ بها بعد عشر سنوات من الترحال.

مسافرون من غير أمتعة فقد تركنا أشياءنا تباعاً في المحطات التي عبرناها، في كل مكان حططنا فيه كنا نترك بعضاً من أشيائنا وبقايا من الحاجيات التي لم تعد ضرورية في رحلة التنقل من ملجأ إلى آخر، فالرحلة لم تنته بعد ولا نستطيع التنبؤ باحتمالية انتهائها من عدمه، كان علينا إذن أن نخفف الوطء ونقلل حمولة أكتافنا فالأرض ربما لم تعد تحتمل ثقلنا.

أقدامنا أصبحت أكثر ضعفاً مع مرور الوقت، وظهرنا امتلأ بحدبات الذكريات التي طردناها من ذاكرتنا فتكورت فوق أكتافنا وأحنت ظهورنا.

جزء صغير منا كان يعي ما يحدث ويعرف أننا تجاوزنا مرحلة النهايات منذ زمن وأننا سقطنا في البرزخ منذ وقت طويل

لم تكن أجسادنا بتقوّسها قادرة على إكمال المسير لولا أننا أطفأنا زر المشاعر وأشعلنا زر غريزة الحياة، كنا نحارب بما تبقى لنا من حركة الرئتين غير الإرادية كي نستمر، غير أن الحياة كانت تأبى أن تسكن في وجوهنا الميتة فتذهب باتجاه وجوه أكثر حيوية تعتقد أنها تستحقها أكثر منا.

جزء صغير منا كان يعي ما يحدث ويعرف أننا تجاوزنا مرحلة النهايات منذ زمن وأننا سقطنا في البرزخ منذ وقت طويل، لكنه لم يكن ليقنع الجزء الغريزي الأكبر المسيطر على سلوكنا في رغبته بالتشبث بما بقي لنا، أو في حلمه بتلافي ما خسره معتقداً أنه قادر على البدء من جديد وخلق حياة جميلة نستطيع أن نليق بها أخيراً.

يحتاج البدء من جديد إرادة كاملة ونحن لم نعد نملك منها شيئاً، حوّلَنا العالمُ إلى ريشة خفيفة تذهب مع اتجاه الريح لكننا قاومنا ودفنّا أجسادنا واستعرنا أجساداً أخرى، كي نتمكن أخيراً من الاحتماء تحت قماش رث أكثر ضعفاً من أن يحمينا، لكن السماء أفرغت جام غضبها علينا هي أيضاً وحملتنا مجدداً مع الرياح العاتية إلى صحاري البلاد في رحلة تشرد جديدة.

ليس من حقنا أن نفكر بعد اليوم في الإنجاب من عدمه، فهو أمر غريزي خارج عن الإرادة بالنسبة لكائنات عديمة النفع مثلنا إلا في إنقاذ البشرية من الانقراض، وربما هو الشيء الوحيد الذي بقي ليعطي لحيواتنا معنى ونفعاً، وعلى الرغم من هذا فإنهم لا يتوقفون عن لومنا ونعتنا بصفات قبيحة بسبب ممارستنا أبسط حقوقنا الإنسانية في التكاثر، فالعالم ليس مستعداً لاستقبال كائنات جديدة لا تليق به ورفاهية حق الحياة ليست في متناول أيدينا.

نفكر يومياً في الحالة التي وصلنا إليها وكيف آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن، ما هي نقطة التحول التي فقدنا فيها كل شيء حتى إدراكنا المادي لوجودنا كأحياء؟

إن التجربة الأولى  التي يتعرض لها الإنسان في الفقد مرتبطة بـ "الحياة"، فمنذ أن  يخرج الجنين من رحم أمه  وتبصر عيناه النور، وبعد أن يُقطع حبل السرّة الذي يربطه بالشخص الأكثر قرباً منه، يبدأ بالتعود على الانفصال عن الآخر مهما كانت صلة ارتباطه به وثيقة.

بينما على الضفة الأخرى من ذلك ترتبط التجربة الثانية بـ "الموت"، وهو أبشع أنواع الفقد فمن لم يختبر موت أحد المقربين إليه لم يشعر قط بمرارة تجربة الفقدان أو العجز عن تغيير الواقع وإعادة الارتباط بالآخر الذي نشعر من دونه بالنقص.

بين هاتين التجربتين نمر بمراحل كثيرة صعوداً وهبوطاً، نفقد كثيراً من الأشياء ونستبدلها بأشياء كثيرة أخرى قد لا تحل محلها لكنها قد تشكل حلاً تعويضياً، أما بعد هاتين التجربتين يصبح كلّ الفقد سواء وكل الامتلاك هراء.

إن عدد المرات التي جربنا الموت فيها والتي فقدنا فيها أشخاصاً نحبهم جعلتنا من أقل الناس تعاطفاً مع مصاب الآخرين، فلقد مررنا بالأصعب، وأكبر خسارتنا قد حصل فعلاً، لهذا أصبحنا عديمي المبالاة إلى حد كبير، غير مهتمين نفتقد الخطط أو الطموحات في أحيان كثيرة، لكننا نستمر بالتخبط من أجل أن نبدأ حياة جديدة ونرخي جذورنا في أرض جديدة مستنسخين أنفسنا في أماكن أخرى وبظروف مختلفة. 

كتل متحركة من التناقضات التي تمارس التنفس اللا إرادي، نحن الميتون الأحياء الذي انساقوا وراء سراب الحياة الذي يلوّح لنا من بعيد، فرمينا أنفسنا نحوه لكننا كنا نرمي آمالنا في كل رحلة هروب خرجنا في طريقها قاصدين حياة آمنة ومطمئنة، وكأن تلك الأمنية كانت كثيرة على أمثالنا ممن لا يراهم العالم لائقين بالحياة أو مستحقين لها.

كان البحر طماعاً إلى حد كبير لم يكتف بابتلاعنا بل ابتلع قصصنا أيضاً، ولم يخبر العالم بما سمعه من استغاثاتنا أثناء تلاطم الأمواج التي طعنتنا من الخلف

خبأنا أصواتنا في البحر وأغلقنا حناجرنا كي تغلق صوت الألم الذي يحتضر في صدورنا، أغلقنا أفواهنا مجدداً لنمنع مياه البحر من ابتلاعنا، اعترانا شعور مُريب بالخفة وأصبحنا خفيفين للغاية من الماضي والحاضر، قامرنا بهما وبأجسادنا من أجل مستقبل أفضل أو ما اعتقدنا أنه كذلك، بذلنا للبحر قرابينه فابتلعها بصمت ولؤم مثل حاكم مستبد يعتقد أنه امتلك أجسادنا فلم يلفظها إلى الشاطئ.

كان البحر طماعاً إلى حد كبير لم يكتف بابتلاعنا بل ابتلع قصصنا أيضاً، ولم يخبر العالم بما سمعه من استغاثاتنا أثناء تلاطم الأمواج التي طعنتنا من الخلف حين أدرنا لها ظهورنا وأمّنا لديها أمنياتنا عن عالم أكثر عدلاً وأماناً، وأحلامنا عن حياة لا تستبيح رغباتنا البسيطة في حياة وسكينة.

أين كان يكمن الخطأ؟ وماذا سنستفيد من تداركه اليوم سلسلة عبثية من الأفكار التي لا يحق للموتى مثلنا الخوض فيها فالجدل صنعة الأحياء الذين لطالما خدرونا بالأمل، غير أن العطار لا يستطيع إصلاح ما أفسده الدهر أو ريثما يفعل ذلك يكون قد انعطب فينا ما بقي منا على قيد الأمل.

كلمات مفتاحية