قراءة موجزة في مجريات الحرب الروسية الأوكرانية..

2023.06.22 | 19:41 دمشق

آخر تحديث: 22.06.2023 | 19:41 دمشق

قراءة موجزة في مجريات الحرب الروسية الأوكرانية..
+A
حجم الخط
-A

بعد مضي ما يقارب من 16 عشر شهرا ما تزال الحرب الروسية الأوكرانية مستعرة، وما تزال عملية بوتين "الخاصة" مستمرة وتستخدم في مواجهاتها الدامية كافة أنواع الترسانات البرية والبحرية والجوية التي كلفت الروس حتى الآن إخفاقات استراتيجية وتكتيكية وخسائر فادحة بالأرواح والمعدات، كما خلفت دمارا هائلا للمدن الأوكرانية وبناها التحتية والخدمية بالإضافة إلى تشريد الملايين من المدنيين الأوكران خارج حدود بلادهم، ولا شك أنه ومن وجهة النظر الروسية فإن الذي يحدث  وتقوم به روسيا على الساحة الأوكرانية الآن ليس إلا سعيا ومحاولة من المحاولات العديدة التي تقوم بها لاستعادة النظام العالمي متعدد الأقطاب بعد أن خسرته لصالح واشنطن والغرب، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر/ تشرين الأول 1991.

بالتأكيد القيادة الروسية في الكرملين عندما خططت وبدأت غزوها لأوكرانيا في شباط 2022 لم تكن تأمل أو تقبل بأقل من سيطرتها المطلقة على العاصمة كييف خلال أيام، أو ربما أسابيع قليلة على أبعد تقدير، ولكن المفاجأة والحقيقة التي لربما غابت عن القيادة الروسية والمخططين الاستراتيجيين الروس جاءت بما لا تشتهي رياح الكرملين، فالآن وبعد اقتراب الحرب من إتمام العام والنصف من عمرها وبعد الانسحابات وسلسلة النكسات والإخفاقات السابقة التي مني بها الجيش الروسي على العديد من الجبهات وخاصة في محيط كييف وخاركيف شمالا وخيرسون جنوبا، فإن الواقع الميداني وتطوراته تقول إن الحرب ستكون طويلة استنزافية وإن الأهداف الروسية المعلنة وغير المعلنة منها تبدو وللعديد من الأسباب والمعطيات بعيدة المنال، إن لم نقل أنها فشلت تماما، بل ولا تلوح في الأفق معها أية احتمالية لنهاية المعارك، وخاصة مع استمرارية التدفق الهائل للأسلحة والعتاد المتنوع الذي تحصل عليه كييف من واشنطن والغرب والذي يقابله استمرار القوات الروسية في مساعيها للسيطرة على كامل إقليم وحوض الدونباس (دونيتسك، لوغانسك) وكامل مدينة باخموت ومحيطها وجعله ربما قاعدة انطلاق جديدة باتجاه خاركيف ومدن الوسط على طول ضفة نهر دينيبر الشرقية.

من خلال متابعة سير المعارك التي بات يغلب عليها ومنذ أشهر عدة طابع الاستنزاف، والتي لا تزال تدور الآن على جبهة قتال بطول 850 كيلومترا، نرى أن التقدمات التي تحققها القوات الروسية وميليشيات فاغنر بالنسبة للخسائر التي تتكبدها تعتبر صغيرة ونادرة. من ناحية ثانية ما كان من المفترض أن يكون عملية سريعة وحاسمة تحقق من خلالها موسكو أهداف العملية بنزع سلاح أوكرانيا وتخليصها من القوميين المتطرفين الذين يقول الكرملين إنهم يشكلون تهديداً لأمن روسيا القومي، هو الآن حرب مرهقة ومكلفة على كافة الصعد وستكون بلا شك طويلة الأمد، وخاصة بعد تعهد قادة الدول الغربية الذين يخوضون حربا بالوكالة مع موسكو العزم على بذل قصارى الجهود لكي تكون كييف هي المنتصرة فيها وذلك بالتأكيد لا يكون إلا من خلال تقديم كافة أنواع الدعم اللوجستي والعسكري من العتاد والأسلحة المتقدمة التي ستساعد الأوكران على الصمود، وربما قلب المعادلة من خلال امتلاك زمام المبادرة والإعداد للهجمات المعاكسة ومن محاور عدة وذلك لخلط الأوراق الميدانية على الروس فيها. من جانب آخر أشاد الرئيس بايدن بصمود وثبات أوكرانيا، ووعد بأن تقوم واشنطن بكل ما تستطيع من قوة مع شركائها الأوروبيين لمنع روسيا من الانتصار وتحقيق أهدافها التي خططت لها، في حين وعد الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي شعبه بأن يكون العام الثاني للحرب هو عام الانتصار على الجيش الروسي، وسيأتي معه تحرير واستعادة كافة الأراضي التي احتلتها روسيا سابقا بما في ذلك شبه جزيرة القرم، أما الرئيس الروسي فقال إن الحرب في الواقع تدور بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، وإن أوكرانيا ليست سوى أداة ووكيل للحرب وأراضيها مسرح للعمليات، مؤكدا أن روسيا التي تدافع عن وجودها ووحدتها لا يمكن إلا أن تكون منتصرة ولن تقبل مطلقا أن تُهزم.

مما لاشك فيه أن الثبات والصمود الأوكراني والخسائر الكبيرة والفادحة للقوات الروسية منذ بدء العملية الخاصة وحتى هذا الوقت قد أفشل التصور الروسي للحرب (الخاطفة)، وأحبط التقديرات والحسابات الاستراتيجية للقيادة الروسية، وهذا ما حدا بالمتحدث الرسمي باسم الكرملين "ديميتري بيسكوف" في وقت سابق بالاعتراف الصريح والمفاجئ بأن العملية العسكرية الروسية مكلفة وصعبة جدا لكنها ستستمر حتى دفع القوات الموالية لكييف للتراجع وتحقيق العملية لأهدافها، وأضاف أن روسيا تمكنت من إلحاق أضرارا جسيمة فادحة بالآلة والقوات العسكرية الأوكرانية.

الأسباب الواقعية للصمود الأوكراني:

 هناك العديد من الأسباب التي ساعدت كييف وقواتها المسلحة على الصمود، وصعبت المهمة على الجيش الروسي وجعلته يخفق حتى الآن من الوصول إلى تحقيق الأهداف المرسومة ولعل من أهم هذه الأسباب:

  • الانضباطية والروح المعنوية العالية للقوات الأوكرانية، والتفاف الجيش والشعب بقوة حول قيادته السياسية والعسكرية.
  • المساعدات والدعم العسكري اللامحدود المقدم من واشنطن والدول الغربية (الناتو)، حيث تلقت كييف ومنذ الأشهر الأولى للحرب كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة الدبابات والناقلات المدرعة، وراجمات الهايمرز وأنظمة صواريخ باتريوت الأميركية وغيرها للدفاع الجوي، ناهيك عن أعداد من الطائرات السوفييتية من نوع ميغ 29، كما أعلنت بريطانيا إرسال صواريخ من طراز "ستورم شادو"، ما سيسمح للقوات الأوكرانية ويطيل يدها بضرب القوات الروسية وخطوط ومستودعات الإمداد الروسية في العمق خلف جبهات القتال. وبالتأكيد وبفضل تلك المساعدات السخية استطاع الجيش الأوكراني والحرس الوطني إنشاء وتجنيد ما لا يقل عن 16 لواءً جديدًا تضم نحو 50 ألف مقاتل.
  • التدريبات الغربية للقوات الأوكرانية وإطلاق واشنطن برامج تدريب للجيش الأوكراني على أسلحتها الحديثة المقدمة -ومنها منظومات باتريوت ودبابات أبرامز، كما أن 8800 جندي أوكراني أنهوا تدريبا مشتركا على الأسلحة في ألمانيا، والاتحاد الأوروبي ينوي في هذه الأوقات تدريب نحو 30 ألف جندي أوكراني في بولندا وألمانيا ودول أوروبية أخرى- هذه التدريبات   جعلت وستجعل الأوكران في وضعية قتالية أفضل وتحقيق الصمود أمام الجيش الروسي، بل وستجعلهم أكثر قدرة ونجاحا في تنفيذ الهجمات المضادة.
  • المعلومات الاستخبارية والاستطلاعية عن الجيش الروسي والتي تشمل تحركاته وتموضعاته وإحداثيات قواته وأسلحته والمقدمة لكييف من واشنطن والدول الغربية تلك المعلومات  ساعدت كثيرا في إحباط الكثير من الهجمات الروسية وإفشالها.
  • اعتماد القوات الأوكرانية على التحصينات الهندسية، والاستخدام الأمثل لطبيعة الأرض، والاعتماد على قتال حرب الخنادق على الرغم من أنها تكتيكات عسكرية قديمة، إلا أنها ساهمت في تحقيق بعض الانتصارات لأوكرانيا، وقامت بحماية قواتها من النيران المباشرة وضربات الصواريخ والمدفعية.
  • التوترات الحاصلة بين الجيش والقيادة الروسية، وبين ميليشيات فاغنر حيث دارت حرب كلامية بين قائد قوات "فاغنر" يفغيني بريغوجين من جانب، ووزارة الدفاع الروسية من الطرف الآخر، بسبب نقص إمدادها بالذخيرة اللازمة وخاصة على جبهات مدينة باخموت.

ختاما.... لاشك أن الحرب الروسية الأوكرانية وعلى صعد عدة مليئة بالتداعيات السلبية الكثيرة والكبيرة، وخاصة وبالدرجة الأولى على طرفي الصراع وشعبي البلدين وثانيا على الاتحاد الأوربي والعالم، ولكن الواقع يقول إنه وبعد مرور 16 شهرا على اندلاعها فإن الخاسر الأكبر في هذه الحرب هي موسكو ورئيسها بوتين، الرئيس الذي أظهر وكشف حقيقة وبما لا يدع مجالا للشك عن مدى إجرام نظامه ووحشية جيشه، واستعدادهما وبدون أي رادع لارتكاب أبشع أنواع المجازر وجرائم الحرب العديدة في أوكرانيا وسوريا، ناهيك عن الخسائر العسكرية والاقتصادية الجسيمة التي فقدوها على المسرح الأوكراني.