في اليوم العالمي لحقوق الإنسان: التناقض بين حقوق المواطن والمهاجر

2021.12.15 | 05:19 دمشق

story039-migrationhatespeech.jpg
+A
حجم الخط
-A

صادف العاشر من كانون الأول؛ اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مثل هذا اليوم من عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي وثيقة تاريخية أعلنت حقوقًا غير قابلة للتصرف؛ إذ يحقّ لكل شخص أن يتمتع بها كإنسان، بغضّ النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غيره أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر.

وبالرغم من تعدّد وتنوع المواثيق والعهود والإعلانات والبيانات التي تدعم حقوق الإنسان؛ سواء كانت دوليّة أو شبه دوليّة، يبقى إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي تبنّته الثورة الفرنسية عام 1789، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنّته الأمم المتّحدة عام 1948 هما الأهمّ، من حيث أثرهما المباشر وغير المباشر على مسار حقوق الإنسان عبر التاريخ.

لقد سبق إعلان حقوق الإنسان هذا مسيرةٌ فكريّة وفلسفية طويلة بنت عليها الحضارة الحديثة مفاهيمها عن حقوق الإنسان، وعبر القرون الفائتة أسهمت الفلسفة السياسية والأخلاقية في إيصال فكرة حقوق الإنسان إلى ما نراها اليوم عليه؛ وقد توالت الإعلانات والبيانات الشارحة والمفصّلة لحقوق الإنسان، وتكاثرت الجماعات التي كرّست جهودها لخدمة حقوق الإنسان.

تسبق اللحظة الفلسفية المؤسّسة لخطاب حقوق الإنسان، اللحظة التشريعية والسياسية التي تمثّل الجانب الإجرائي والقانوني؛ فروح حقوق الإنسان هي فلسفة حقوق الإنسان، ومواثيق حقوق الإنسان ومعاهداتها وإعلاناتها واتفاقياتها هي جسدها، إنّ الأساس الفلسفي لحقوق الإنسان يكمن في العلاقة الوثيقة بين حقوق الإنسان والحقوق الطبيعيّة، فحقوق الإنسان هي حقوق طبيعية أصيلة لا تُعطى ولا تُمنح ولا يستطيع أحد أن يهبها لأحد كما يرى بعض الفلاسفة والمفكّرين ممّن كانت لهم ملاحظات على الإعلان في مراحله المختلفة ونقدٌ له في بعض المواضع، تنطلق من القدرة على رسم حدّ فاصل بين الإنسانيّ وغير الإنسانيّ، إضافةً إلى الغموض الذي يعتري مصطلحي الإنسان والمواطن على حدّ تعبيرهم.

الملايين من المهاجرين واللاجئين ما زالوا يواجهون حالات غير واضحة ومترابطة، وإنّ أقصى ما يسعون إليه هو الحصول على مكان آمن فقط

في عالمنا الحاليّ الذي بات يعجّ بالنازحين والمشرّدين؛ يرى إدموند بيرك صاحب كتاب "تأملات حول الثورة الفرنسية" أنّ هناك غموضًا يعتري مصطلح حقوق الإنسان والمواطن، ويقول: "إنّ الوضوح المجرّد لكون المرء ليس سوى إنسان، هو أعظم خطر على الإنسانية، ذلك أنّ حقوق الإنسان فكرة مجرّدة، وليس بوسع البشر أن يتوقّعوا أن تحميهم حقوق الإنسان كثيرًا؛ إلّا إذا اكتست عظام تلك الفكرة المجرّدة بلحم حقوق الإنسان الإنكليزي أو حقوق الإنسان الفرنسي".

وفي الوقت الذي تسعى فيه الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها إلى تلبية الاحتياجات الناجمة عن الهجرة وعن التنقّل البشري بشكل عام من خلال تطوير اتفاق واحد يشمل اللاجئين والمهاجرين كلّهم، ينبغي التذكير أن الملايين من المهاجرين واللاجئين ما زالوا يواجهون حالات غير واضحة ومترابطة، وأنّ أقصى ما يسعون إليه هو الحصول على مكان آمن فقط.

كما ترى حنة آرنت الفيلسوفة والمنظّرة السياسية الألمانية البارزة التي كانت هي لاجئة أيضًا في مقالها الذي كتبته عام 1943 تحت عنوان نحن اللاجئون: "بادئ ذي بدء، نحن لا نحبّ أنّ نسمّى (اللاجئين).. لقد بذلنا قصارى جهدنا لإثبات أنّنا مجرد مهاجرين عاديين.. أردنا أن نعيد بناء حياتنا، وهذا كان كلّ شيء".

لقد بقيت فكرة آرنت هذه تغذّي أسس كفاح النازحين حتّى يومنا هذا، سواء كان سبب النزوح الصراعَ والعنف أو الجوع والفقر؛ فإنّ هؤلاء النازحين يصلون البلدان المضيفة والأمل يحدوهم بأن يصبحوا أشخاصًا عاديين، ربما يكونون مختلفين في الانتماء العرقي والديني والثقافي، إلّا أنّهم مواطنون منتجون لا يرغبون بأن يكونوا عالةً على أحد.

إنّ حقوق الإنسان التي يُفترض أنها أصيلة؛ غير قابلة للتطبيق والتنفيذ متى ظهر أناسٌ ليسوا مواطنين لأيّة دولة سيادية بحسب ما تذهب إليه آرنت، وواقع الأمر أنّه لا وجود في أيّ مكان من العالم لبشرٍ يهبون (حقوق الإنسان) من دون أيّ شيء آخر في عالمنا الحاليّ الذي باتت تحكمه سلطة الطرد والإقصاء؛ خصوصًا الإقصاء الذي يُمارس ضدّ من باتوا يسمون منذ منتصف القرن العشرين باسم (اللاجئين) وهم المحرومون من مكان خاصّ بهم على الخريطة الإدراكية للعالم.

إنّ المشكلة التي يواجهها العالم اليوم تتمثّل بازدياد غير مسبوق في أعداد طالبي اللجوء والهجرة، وغالبية المطالبين فقراء يائسون هربوا من مناطق النزاع في بلدانهم، بطرق غير شرعية خاطروا فيها بأرواحهم وأرواح عائلاتهم للوصول إلى الجهة التي يقصدونها، وبلدان هؤلاء معظمهم بعيدة تختلف كثيرًا في أحوالها عن البلدان المستقبِلة، ما يجعل الأمر مكلفًا وصعبًا بعض الشيء بالنسبة إلى الدول التي تستقبلهم.

فبسبب الاختلافات الكبيرة في الدَّخل والثقافات، فإن منح اللاجئين والمهاجرين في الدول المتقدمة حقوقًا، لن يحل المشكلة كما يرى كثيرون؛ لذلك ظهرت دعوات تحثّ على الإسهام في تحسين أوضاع من يطالبون باللجوء، ليس فقط في بلدانهم، بل في الدول المجاورة لهم، وبتنا نلمح اليوم اتجاهًا واضحًا لدى بعض الدول في اتّخاذ تدابير وإجراءات صارمة للحدّ من الهجرة، قد تطول الدول نفسها التي أتى اللاجئون منها وتلك التي عبروا من خلالها إلى البلد الذي يقصدونه.

في وقتٍ سابق كانت بلدان مثل البرتغال وتركيا من البلدان المورّدة للعمالة المؤقّتة، وكان الألمان يخشون أن يفسد أولئك الغرباء الوافدون منظر بلدهم الجميل، وأن يتزعزع الميثاق الاجتماعي الذي يمثّل أساس أمنهم وراحتهم، أمّا البرتغال فبعد تحسّن أحوالها، تحوّلت من بلدٍ مصدّرٍ للعمالة إلى بلدٍ مستورد لها، وهكذا نسيت البرتغال ألوان العذاب والذلّ مما ذاق أبناؤها حين اضطروا للسفر والعمل في بلدان أخرى؛ بل أصبح قسمٌ كبير منهم يرى أنّ المناطق المجاورة لهم والتي ابتُليت بالأجانب والجريمة هي مصدر قلق لديهم، ليدلي "باولو بورتاس" أحد القادة السياسيين لديهم بورقته التي تتبنّى مبدأ (الأفضليّة الوطنية) وتتجلّى في منح الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للسكان الأصليين فقط وإقصاء المهاجرين والأجانب.

بموجب اتّفاقية الأمم المتحدة الخاصّة باللاجئين وحقوقهم في المجتمعات الجديدة، فإنّ الدول الموقّعة ملزمة بقبول أولئك الذين لديهم خوفٌ مبرّر من التعرّض للاضطهاد بكلّ أنواعه

في تركيا كذلك تتجه المعارضة التركية اليوم إلى تعليق كلّ الأزمات التي تعصف بالبلاد على شماعة السوريين الوافدين إلى تركيا مهما كان السبب الذي دفعهم للقدوم إليها، وتحوّلت عبارة الحدّ من الهجرة وإعادة اللاجئين إلى بلدهم لورقة رابحة في يد بعض السياسيين؛ خصوصًا في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة والتي يميل عدد من مواطني البلد وسياسييها إلى اتّهام اللاجئين السوريين بأنّهم سببها، وهكذا يصبح اللاجئون السوريون مصدر الشعور المزعج بعدم الاستقرار لدى أولئك الذين ينتابهم شعورٌ ضاغط بعدم استقرار مجتمعهم، ويمتزج هذا الشعور لديهم بقلق كبير على المستقبل ومصادر رزقهم، ثمّ يتحوّل هذا القلق بالتدريج وفي مرحلة لاحقة إلى خوف على الممتلكات الشخصية والجسد والبيت.

بموجب اتّفاقية الأمم المتحدة الخاصّة باللاجئين وحقوقهم في المجتمعات الجديدة، فإنّ الدول الموقّعة ملزمة بقبول أولئك الذين لديهم خوفٌ مبرّر من التعرّض للاضطهاد بكلّ أنواعه، ما يجعلهم مؤهلين للحصول على لجوء، ويبدو أنّ الاعتراف بهم من قبل الدولة والمجتمع المضيف هو العامل الحاسم في وجود حقوق لهم من عدمه؛ بل إنّ الأمر أحيانًا يكون كما تقول آرنت: "في هذا العالم المجنون، يكون المرء مقبولًا لكونه رجلا عظيما، أكثر من أن يكون مقبولًا لأنّه كائن إنساني".