في المدى المنظور.. لا حروب في الشرق الأوسط بعد حرب غزة

2024.01.11 | 07:06 دمشق

3 آلاف جندي أميركي من الأسطول الخامس ينتشرون في البحر الأحمر.. ما علاقة إيران؟
+A
حجم الخط
-A

كانت الخصومات الضارية التي خضّبت أرض أوروبا بالألوان القانية هي التي دفعت المخلصين من ساستها ومفكريها إلى البحث عن الوسائل الناجعة لنشر السلام والحفاظ على الأمن بين الدول، وظلت فكرة التنظيم الدولي أمنية يتجه إليها الفلاسفة ويرفع لواءها دعاة الإصلاح إلى أن أصبحت حقيقة ممكنة التطبيق في القرن التاسع عشر، ففي هذا القرن تشابكت مصالح الدول وقويت حركة التبادل التجاري والصناعي والفكري بينها، وتاقت شعوبها إلى عهد طويل من الهدوء والسلام.

تحول التاريخ المعاصر إلى سفر حروب متعاقبة، ومع تطور آلة الحرب والتفنن في وسائل التدمير، بات الفناء يهدد دول العالم بالهلاك، لا فرق في ذلك بين الدول المتحاربة والدول المسالمة أو المحايدة.

كان الغرض الرئيسي من إنشاء المنظمتين هو استباب السلام وتحقيق الأمن، ومنع الحروب بين الدول وتنمية التعاون بينها، وإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب..

وبعد الحربين العالميتين شعر العالم بأثره بحجم المخاطر التي تجلبها الحروب، وشعرت البشرية بضرورة إيجاد السبل الكفيلة بعدم تكرار المأساة، فنشأت عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنها فشلت في منع نشوب الحرب العالمية الثانية، فقامت على أنقاضها هيئة الأمم المتحدة.

كان الغرض الرئيسي من إنشاء المنظمتين هو استباب السلام وتحقيق الأمن ومنع الحروب بين الدول، وتنمية التعاون بينها، وإنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت على الإنسانية خلال جيل واحد آلاما يعجز عنها الوصف.

هكذا جاء في ديباجتي الميثاقين للمنظمتين، وكانت هذه الأهداف تعبيرا عن رغبة شعوب العالم وحاجة ملحة فرضها تطور العلاقات الدولية، فنمو التجارة بين الدول أوجد ما بات يعرف بالاعتمادية، حيث تعتمد دول العالم على بعضها البعض في إنجاز مشاريع التنمية والازدهار.

مهما كانت تفضيلاتها ونوازعها، أصبحت الدول تخشى الحروب نتيجة لكلفتها المرتفعة، فبعد الحرب العالمية الثانية عرف العالم حربا من نوع آخر أطلق عليها مصطلح "الحرب الباردة"، ذلك أن قطبيها الولايات المتحدة ومن خلفها المعسكر الغربي والاتحاد السوفييتي ومن خلفه المعسكر الشرقي لم يتجرأا على المواجهة العسكرية المباشرة رغم حدة التنافس والصراع والتوتر الذي وسم العلاقة بين هذين المعسكرين الكبيرين، وكان تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 إيذانا بنهاية هذا الصراع الذي امتد لأكثر من أربعين عاما.

رغم أن تلك الفترة لم تخلُ من الحروب إلا أن هذه الحروب -رغم فارق القوة بين طرفيها- أثبتت فيما لا يدع مجالا للشك أن الحروب في العصر الحديث أصبحت مرتفعة الكلفة ومرهقة لأكبر الدول وأقواها؛ حتى وإن كان الطرف الآخر دولة ضعيفة، وهنا يمكن أن يذكر على سبيل المثال: الغزو السوفييتي لأفغانستان، والغزو الأميركي لفيتنام، حيث هزمت الدولتان القطبان أمام دولتين تعدان من أضعف دول العالم.

بعد مرور ما يقارب الثلاثين عاماً على الهزيمة الأميركية في فيتنام، ومع غياب القوة العظمى التي يمكنها أن تدعم الخصوم (تفكك الاتحاد السوفييتي)؛ ظن الأميركيون أن هذه البيئة مع التقدم الهائل بالتكنولوجيا العسكرية ستجعل غزو بلدان ضعيفة منخفض الكلفة.

يقول "جوزيف ستيغلتز": عشية نشوب الحرب (حرب العراق) جرت نقاشات مستفيضة حول الكلفة المحتملة لها، فقال لاري لندسي المستشار الاقتصادي للرئيس "بوش": إن الكلفة قد تصل إلى 200 مليار دولار. لكن وزير الدفاع "رامسفيلد" استبعد هذا التقرير واصفا إياه بالهراء؛ معتبرا أن الكلفة ستتراوح بين 50 و60 مليار دولار.

الكلام السابق أورده "ستيغلتز" في كتاب ألفه بالتشارك مع "ليندا بيلمز" سمياه "حرب الثلاثة ترليونات دولار"، وجاء هذا الكلام في سياق نقد لاذع للحكومة الأميركية آنذاك، وهما قدما دراسة مفصلة لكلفة الحرب على العراق، ليتوصلا إلى أن الكلفة الإجمالية وصلت إلى ثلاثة ترليونات دولار.

ومن خلال قراءة الكتاب يمكن للقارئ أن يلاحظ أن الكاتبين غاصا في تفاصيل شديدة التعقيد ليصلا إلى هذا الرقم. ولكن رغم ذلك، فالرقم المعتمد بين الأميركيين فيما يخص كلفة الحرب في العراق وأفغانستان هو ترليونا دولار.

منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا تشكل فكرة الحرب بالنسبة للأميركيين ما يمكن أن نسميه "فوبيا الحروب"، ويمكن للمرء أن يلاحظ أن الساسة الأميركيين، عند أي احتكاك عسكري، يسارعون لطمأنة الشارع الأميركي بأنهم لا يسعون لمواجهة موسعة مع الطرف الآخر، وهكذا أصبحت الولايات المتحدة دولة توجه النصح للأصدقاء بعدم التورط في حروب موسعة أو متطاولة.

وهذه الحقيقة أصبحت واضحة لكل الحكومات حول العالم، ولكل المحللين السياسيين في الأوساط الغربية عموما، وفي الأوساط الأميركية على وجه الخصوص.

الأساطيل التي توجهت نحو المنطقة إلا من أجل منع الحرب وليست من أجل شن الحرب، ولعل المنع والردع موجه للأصدقاء قبل الأعداء..

كل هذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت دولة متهالكة لا تقدر على فعل شيء تجاه الأعداء أو الأصدقاء، بل هي دولة دخلت في مرحلة تراجع القوة النسبية، لذلك لجأت إلى سياسة الإخلال، بمعنى إحلال سلوك مكان سلوك آخر.. سلوك منخفض الكلفة مكان سلوك مرتفع الكلفة، فهي تستطيع أن تعاقب وتحاصر اقتصاديا، وأن تحارب سياسيا، وأن تدعم، أو ترفع الدعم، والأهم أنها تستطيع أن توجه ضربات عسكرية انتقامية موجعة للجهة التي تريد أن توجعها عندما تفشل الأساليب الأخرى، وهذا يختلف عن الحرب.

ضمن هذا السياق يجب أن تقرأ السياسة الأميركية، وما الأساطيل التي توجهت نحو المنطقة إلا من أجل منع الحرب وليست من أجل شن الحرب، ولعل المنع والردع موجه للأصدقاء قبل الأعداء.. من أجل هذا كله يمكن القول: إنه لا حروب قادمة في المنطقة. أقله في الوقت الراهن.