فنانو وأدباء سوريا.. بين تكسير الأصابع والتغييب والإعدامات

تاريخ النشر: 25.10.2020 | 06:24 دمشق

إسطنبول- أحمد طلب الناصر

لم يستثنِ نظام الأسد أحداً من السوريين في ملاحقاته الأمنية واعتقالاته وتصفياته الجسدية داخل المعتقلات وخارجها، منذ ما قبل منتصف آذار 2011، إلا أن حجم الوحشية تضاعف بشدّة عقب اندلاع الاحتجاجات الأولى للثورة.

وتعرّض العديد من الكتّاب والأدباء والفنانين السوريين؛ للتهديدات المتكررة وللاعتقالات والملاحقات الأمنية، من قبل النظام، الذي ارتكب بحق بعضهم جرائم التصفية الجسدية.  

شاهد: كيف اعتقل النظام السوري عائلة الشاعر فرج بيرقدار؟

استهداف النظام لفئة الكتاب والفنانين بصورة مركّزة، ومن دون أدنى تمييز عن باقي شرائح وفئات المجتمع في تعاطيه الأمني معهم؛ يتجلّى في حالة القلق التي تشكلها تلك الفئة منذ عهود سبقت الثورة بسنوات طويلة. فالأسد الأب ضيّق على الكتاب والفنانين عموماً، وأنتج نمطاً مدجّناً منهم، يخضع غالبية أفراده لتوجيهات أجهزة الأمن التي تحكّمت بأنشطتهم وأعمالهم ونتاجاتهم، بل وبعلاقاتهم المهنية أيضاً.

كما لم يرضِ النظام وقوف الكتاب والفنانين على الحياد أو التزامهم الصمت، عقب اندلاع الثورة، بل أُجبِروا على الجهر بالولاء وتأييد ممارسات النظام بصورٍ ساهمت في الحطّ من قيمة الثقافة بغالبية جوانبها ورموزها، خصوصاً بعد انتشار مشاهد من يرتدي منهم الزيّ العسكري أو حين يقبّل أحذية جنود الأسد بعد عودتهم من طقوس الذبح.

 

لعق-الأبواط.jpg

 

كل ما أسلفناه، لم يمنع كثيرين من شخصيات الأدب والفن من المشاركة بالتظاهرات الاحتجاجية في وقت مبكر من الثورة، بل وقبل باقي الفئات والأطياف السورية الأخرى.

ولا شك بأن ما عُرف بـ "بيان الحليب" الذي حمل توقيع أكثر من ألف شخصية جلّهم من الأوساط الثقافية والفنية؛ هو الأول من نوعه في سوريا، إذ طالبوا فيه النظام بإيصال المساعدات الغذائية والدواء والحليب إلى أطفال درعا، في نيسان 2011.

وشهدت "مظاهرة المثقفين" في 13 من تموز 2011، اعتقال 19 شخصية من الكتاب والفنانين قبل انطلاقها بدقائق. ولم يتم الإفراج عنهم إلا بعد أن نالوا نصيبهم من التعذيب والتهديد.

لاحقاً، وخلال الأشهر الخمسة الأولى من عمر الحراك، نادراً ما كان يخلو تشييعٌ أو مجلس عزاء لأحد ضحايا الاحتجاجات، في دمشق وريفها، من مشاركة أحد الكتاب والفنانين أو مجموعة منهم.

وبعد تصاعد وتيرة الملاحقات وممارسة أساليب الترهيب بحقهم، بما فيها المقاطعة الفنية والمهنية، والحملات الإعلامية المسيئة ضدهم، وتراجع الحراك السلمي مقابل تنامي المسلّح؛ كل ذلك دفع غالبيتهم إلى مغادرة البلاد.

اقرأ أيضاً: "كاريزما" الممثلين السوريين في تلميع صورة النظام الاستبدادية

تكسير الأصابع التي سخرت من رأس نظامهم

شكّل الاعتداء على فنان الكاريكاتير السوري، علي فرزات، صباح  25 من آب 2011، وما نتج عنه من تكسير وتهشيم أصابع يديه، مؤشراً خطيراً على ما قد يحدث للسوريين لاحقاً على يد "شبيحة" النظام، فالمكانة التي كان يحوزها فرزات، ليس داخل سوريا وما كان يشاع عن تميّزه لدى رأس النظام فحسب بل داخل الأوساط العربية والدولية أيضاً؛ لم تكن تسمح لأحد أن يتخيّل ما حصل له.

ضحايا الزنزانات

أما ما يخصّ حالات الاعتقال، فالقائمة تطول قليلاً وتعود إلى فترات مبكرة من عمر الثورة، ولعل أقدمها كان مع مفكرين وكتّاب وحقوقيين وفنانين وإعلاميين بعد تنفيذهم ما عرف بـ "اعتصام وزارة الداخلية" في 16 من آذار 2011.

ثم جاء الاعتقال الأشهر والأكثر حفراً في الذاكرة، حين طال هذه المرة الفنانة الراحلة مي سكاف، لتضطر إلى مغادرة سوريا بعد إخلاء سبيلها منه وإحالة أجهزة الأمن ضبطها الأمني إلى "محكمة الإرهاب".

اقرأ أيضاً: اعتصام 16 من آذار أمام الداخلية. "ذعرهم كان وراء العنف المفرط"

كما طال الاعتقال أيضاً الممثل محمد آل رشي، الذي شارك في مظاهرات ريف دمشق، وبعد خروجه من المعتقل أيضاً رحل إلى بيروت.

 

 

ناهيك عن اعتقال كل من الفنان والمؤلف، محمد أوسو، أكثر من مرة بسبب مشاركاته في المظاهرات، وجلال الطويل الذي تعرض للضرب من قبل الشبيحة إثر مشاركته في تظاهرة حي الميدان الدمشقي الذي استطاعت الفنانة يارا صبري الهروب فيها قبل القبض عليها واعتقالها.

ولا ينسى السوريون الفنانة الشابة الراحلة فدوى سليمان، ومشاركاتها مظاهرات حمص إلى جانب الراحل عبد الباسط ساروت، قبل أن تغادر إلى باريس نتيجة تعرضها للخطر.

ولا تقف قائمة الفنانين عند هذا الحد، إذ يضاف إليها: فارس الحلو وزوجته سلافة عويشق، وواحة الراهب ومكسيم خليل، والراحل عامر سبيعي، والممثلة عزّة البحرة، والممثل جهاد عبدو الذي شقّ طريقه للنجومية في هوليود؛ وعبد الحكيم قطيفان الذي عانى من الاعتقال (9 سنوات) أيام الأسد الأب عام 1983 لاتّهامه بتحريض الرأي العام ضدّ نظام البعث.

كما اعتقلت الفنانة سمر كوكش، ابنة المخرج السوري علاء الدين كوكش، في نهاية 2013 ليتم الإفراج عنها بعد حوالي أربع سنوات. وكانت تهمتها مساعدة طفلة في الخروج من حصار مدينة المعضمية لإجراء عمل جراحي عاجل لها.

وأيضاً الفنانة ليلى عوض التي اعتقلت بعد عودتها إلى سوريا، ووردت أنباء تفيد بأن الفنان دريد لحام هو من أقنعها واستدرجها للعودة ليتم اعتقالها على الحدود السورية اللبنانية.

بينما لا يزال مصير الممثل المسرحي زكي كورديللو، وابنه مهيار الذي كان طالباً في المعهد العالي للفنون المسرحية عندما اعتقلا سنة 2012، مجهولاً حتى اللحظة.

اقرأ أيضاً: زكي كورديللو.. الفنان المغيب في معتقل الأسد يُكرَّم مسرحه ويغيب هو

ضحايا الدم

بعد عودته إلى سوريا ليشارك في ثورتها، متخلياً عن عيشه الآمن في الولايات المتحدة، اعتقل المخرج السينمائي باسل شحادة إثر مشاركته في "مظاهرة المثقفين" بدمشق. وفي أواخر أيار 2012 استهدفه قصف النظام في مدينته حمص، ليفقد حياته وهو يدرّب بعض شبانها على فنون التصوير والإخراج.

وبتاريخ 24 من شباط عام 2013، أُطلقت قذيفة (آر بي جي) من حاجز للنظام بمنطقة "القدم" الدمشقية على سيارة الممثل الليبي- السوري، ياسين بقوش، بعد مروره من جانب عناصر الحاجز متوجهاً نحو منزله، وبعد أن سمحوا له بالعبور أطلقوا على سيارته القذيفة التي أودت بحياته.

وشكّل نبأ وفاة فنان الكاريكاتير أكرم رسلان تحت التعذيب في أقبية أمن النظام فاجعة مضاعفة لذويه وأصدقائه وعموم السوريين، فالخبر الذي تضمّن حدوث وفاته (أيلول 2015) أكّد أن الوفاة حصلت بُعيد أشهر قليلة من اعتقاله في عام 2013.

 

في الشرق السوري، وبقلب مدينة دير الزور، نفّذ عناصر النظام إعداماً ميدانياً بحق الكاتب والروائي "إبراهيم خرّيط"، مع ولديه "سومر" و"راني" خلال ارتكابهم مجزرة حيّي "الجورة والقصور" الشهيرة في أيلول 2012.

 

22089145_1514182655314312_5716805808020756729_n.jpg
الكاتب الروائي إبراهيم خريط

 

وبعدها بنحو سنتين، تشرين الثاني 2014، عثر على جثة الكاتب والروائي "محمد رشيد الرويلي" متفسخة بعد شهرين من اختطافه من قبل مخابرات النظام بدير الزور. واتهم ناشطون من المدينة السلطات الأمنية  السورية باختطافه وقتله