غوغاء وسائل التواصل الاجتماعي 

2021.11.26 | 05:08 دمشق

4268791-1750290392.png
+A
حجم الخط
-A

قبل عقود ليست بعيدة، فرحت البشرية بالتطور التقني وتطور المعلوماتية، وسمّت كل هذا التطور بـ "ثورة المعلومات" أو "عصر المعلومات"، واعتبرت أن الأرض باتت "قرية صغيرة"، وتحول الكبير والصغير إلى مُستخدم لهذه التقنيات ومستفيد من معلوماتها، سواء أكان استخدامها ضرورياً له، في عمله أو دراسته أو لخدمة البحث أو لتسهيل حياته، بل وحتى لملء الفراغ وممارسة الهواية واللهو.

كانت لثورة المعلوماتية أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية وعلمية وثقافية، لم يكن أحد يتوقع حجمها أو سرعة انتشارها وعمق تأثيرها، وأدى هذا التطور إلى تقريب الأفراد والأمم والشعوب من بعضها، عبر اطلاعهم على ثقافات وأحوال بعضهم البعض، وكشف منجزات كل شعب وتجاربه، وإخفاقاته ومآسيه، وأصبح الجميع يعرفون ما يجري في العالم لحظة بلحظة.

إن الحالة السورية هي نموذج لهذا الاستخدام العشوائي السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، فقد فسحت هذه الوسائل المجال لكل من يهرف بما لا يعرف لأن يدلي بدلوه، بحلوه ومره، وفي كل المواضيع، سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم فكرية.

توافرت أدوات ثورة المعلوماتية بين يدي كل شخص تقريباً، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، واستفاد كثيرون من هذه الأدوات التي كان لها دور حتى في ثورات الربيع العربي في العقد الأخير، ففي الثورة المصرية ساهم "فيس بوك" بشكل فاعل، كما ساهم "يوتيوب" في إطلاع المجتمع الدولي على مستوى عنف النظام السوري في السنة الأولى من الثورة.

من المهم أن يكون لأي تطور علمي فائدة مباشرة على البشر، خاصة التطور الذي له علاقة بتواصل البشر مع بعضهم، وأن يكون له دور في تفاعل الثقافات ورفعة الأخلاق وتمثل القيم الإيجابية، لكن وبطبيعة الحال، بدأت تظهر السلبيات، وصارت الثقافة التي تنتشر نتيجه الاستخدام الحر والعشوائي وغير المنضبط لهذه الأدوات هي ثقافة تخترق البشرية وتُغيّر في قيمها الأخلاقية والإنسانية والدينية وتخلخلها.

من يتابع السوريين على منصات التواصل الاجتماعي، بكل أنواعها - ولا نتحدث هنا عن المؤيدين للنظام - من "فيس بوك" وصولاً إلى "كلوب هاوس"، وما ينتج عنها، يمكن أن نقول بكثير من الثقة، إن الحالة السورية هي نموذج لهذا الاستخدام العشوائي السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي، فقد فسحت هذه الوسائل المجال لكل من يهرف بما لا يعرف لأن يدلي بدلوه، بحلوه ومره، وفي كل المواضيع، سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم فكرية، دون احترام للاختصاص والمعرفة، وصارت العواطف والرغبات تقود كثيرين، واستسهل بعضهم الشتم والتخوين والإهانة، وأفتى شبه أمّيين بقضايا فكرية، وغاص جاهلون في عوالم السياسة، وهذر ثرثارون بما لا يفقهون، وتضخمت الأنا، ولم تُفهم حرية التعبير كما يجب أن تُفهم، وتوسّعت قاعدة الشعبوية، وكثرت المبالغات، وسادت لغة سلبية لم يكن يألفها السوريون، أو كان استخدامها عيباً مجتمعياً، فابتعد كثير عن هذه الوسائل لأنها صارت بنظرهم شروراً ومضيعة للوقت.

قد يرى بعضهم أن كل ما سبق أمر عادي في مجتمعات تُعاني 5 عقود من قمع فكري ونفسي ومحاولات تجهيل، وعزل عن المحيط العالمي، وقد يرى آخرون أنه وسيلة لتفريغ شحنات كبتها النظام السوري جيلاً بعد جيل، أو أنه نوع من أنواع التعبير عن الرأي يجب احترامه، أو إحدى تجليات الحرية، لكنه في كل الأحوال مسيء على المستوى الاجتماعي والإنساني والسياسي أكثر من كونه مفيدا بدرجات.

ليس هناك أفضل من احترام الاختصاص، ولا يعيب الإنسان أن يصمت في مواجهة موضوع لا يفقه به، وليس هناك أجمل من التواضع، ولا أحسن من احترام الآخرين على اختلاف آرائهم، وليس هناك أكثر نوراً من فسحات النقاش والحوار البنّاء، ففي ذلك خير للجميع وتجلّي من تجليات الرقي الفكري.