غضب المخيمات

تاريخ النشر: 10.02.2021 | 00:03 دمشق

انتهى مهرجان الطين في مخيمات الشمال السوري المحرر مع انتهاء موسم الأمطار والثلوج، وها هي الأخبار تبشر بالقدوم المبكر لفصل الربيع بما يحمله من معاني الأمل.

بعض هذه الخيام تجاوز عمرها ثماني سنوات وقد خضعت لعمليات ترقيع متعددة، وصبرت كما أهلها على السيول الجارفة والبرد القارس والشمس الحارقة.

في الشمال السوري المحرر يعيش 2,1 مليون نازح نصفهم أي أكثر من مليون إنسان يعيش في المخيمات التي يصل عددها بما فيها المخيمات العشوائية إلى 1290 مخيما، في هذه المخيمات يعيش 408,000 طفل و19,000 إنسان من ذوي الاحتياجات الخاصة.

هذه المخيمات هي محصلة ونتاج لجريمة ضد الإنسانية لم يتدخل المجتمع الدولي لمنع حدوثها، وحالياً هو عاجز عن الإيفاء بواجباته، فالعجز في الاستجابة الإنسانية في قطاع الأمن الغذائي تجاوز الـ 50%، وفي قطاع المياه والإصحاح العجز حوالي 70% أما في قطاعي التعليم والصحة فالعجز حوالي 80% أيضاً.

مع كل موسم أمطار وسيول تتجدد وتتفاقم هذه الكارثة الإنسانية وتمتلئ وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وصور تبيّن وتصف حجم المأساة، لأنها لا تستطيع أن تُضمِّنها المعاناة والألم والهلع والقلق الذي يتخبط الناس، وهي غير قادرة أن تشرح ما ينتاب الإنسان الذي يحاول أن ينام واقفاً.

هذه المأساة كل أيامها كارثية، وطريق الوصول إلى المخيم يبدأ ببرميل متفجر يهدم البيوت وينال من أفراد الأسرة

منظمات المجتمع المدني تنبري بكل ما لديها من وسائل لتستجمع عواطف وشفقة الناس وتحوله إلى ما يمكن أن يسعف المنكوبين ويضمد جراحهم، ومؤسسات الأمم المتحدة وبكل أناقة تمارس وظيفتها بالإحصاء والتوصيف وجدولة الحصص.

هذه المأساة كل أيامها كارثية، وطريق الوصول إلى المخيم يبدأ ببرميل متفجر يهدم البيوت وينال من أفراد الأسرة، ففي كل خيمة قصة بطولة وحكاية وطن وإباءٌ سوري... في كل خيمة حكايات حزن وتحدٍ وألم.

هذه المخيمات اصطفّت خيامها واتسعت رقعتها مع ازدياد إجرام وتغول نظام الأسد، وازدياد داعميه واختلاف طبيعة أطماعهم في سوريا، وكذلك من كثرة الألاعيب في غرف الظلام بمسميات الحيادية والواقعية... هم روّجوا ودعموا وسوّقوا لغير الممكن ولغير الواقعي، فاستبدال خيمة ببيتك وبيت أجدادك ليس لها سقف هو عين اللاواقعية وغير المقبول.

هذه المخيمات هي مصدر عذاب للسوريين ومصدر عار للعالم بأسره.

في لبنان أحرقوا قلوبنا وخيامنا بغية إحراق أواصر الإخوة بين الأخين الجارين، واليوم يتحدث بعض البلهاء منهم عن حرمان السوريين من اللقاح ضد كورونا.

المخيمات في الأردن هي تراكم لرماد تعلوه رمال في صحراء يحيطها سراب... هي كيانات تستهدف السوري بأنفته وكبريائه.

المخيمات هي كارثة إنسانية موصوفة تحتاج لحل إسعافي فوري، يُفترض أن لا تخضع للمساومة السياسية... وللعلم المتاجرة بآلام ومصائب الناس مرفوض بكل الأعراف والألواح السماوية والوضعية.

لنضع حداً لهذا التعامل الموسمي مع هذه الكارثة ولنختصر القول بأن الحاجة الوحيدة والمطلقة لأهل هذه المخيمات هي العودة إلى بيوتهم، والتحدي الوحيد والمطلق هو نظام الأسد.

هذه المخيمات هي مصدر خوف ورعب للنظام ومن والاه لأن هذه المخيمات تضم أبطالاً أحراراً قبلوا كل أنواع التحدي بما فيها التهجير القسري مقابل حريتهم وكرامتهم، وكذلك أطفال هذه المخيمات تعلموا العزم والصبر والتمرد على الظالم من أبجديات هذه الثورة، فلا خنوع ولا استكانة...هم من سيمزقون هذه الخيام في وجه الطغاة.

هذه المخيمات هي مساحات للحرية، ستجدد ثورتها وستراجع كل حساباتها وستمحو كل المسميات لتبقى "سوريا" اسماً واحداً وللجميع وللأبد

نحن في عالم لا أريد أن أقول إن قيمه قد تغيرت، بل أريد التأكيد أن سنن الله على الأرض ماضية إلى يوم القيامة، الخير بيّن والشر بيّن، وما اختلف هو أن العالم يُدار اليوم من قبل مجموعة الشر المتضامنة مع الطغاة... وما ثورتنا ضد الطاغية بشار إلا جزء من الصراع بين الخير والشر.

هذه المخيمات هي مساحات للحرية، ستجدد ثورتها وستراجع كل حساباتها وستمحو كل المسميات لتبقى "سوريا" اسماً واحداً وللجميع وللأبد.