عواطف جغرافية!! إغماض العينين عن صور الضحايا

2023.11.09 | 05:56 دمشق

عواطف جغرافية!! إغماض العينين عن صور الضحايا
+A
حجم الخط
-A

في الوقت الذي أعلن فيه ماكرون الرئيس الفرنسي موقفه المنحاز بشكل كامل لإسرائيل معتبراً أن الأولوية هي لمحاربة الإرهاب وداعياً لإقامة تحالف دولي ضد حماس، وقفت نائبة في البرلمان الفرنسي لتعلن بقوة غير معهودة انحيازها إلى جانب الشعب الفلسطيني في غزة شارحة ما يجري هناك من اعتداء على المدنيين ومن تدمير للبنى التحتية بما فيها المشافي والمدارس، ولتذكّر زملاءها في البرلمان أنه لا يمكن تجزئة المواقف الإنسانية، فلا يجوز لدموع الحزن أن تكون ذات صبغة جغرافية تذرف على الضحايا الإسرائيليين وتمنع عن الضحايا الفلسطينيين، بحسب قولها ..

النائبة الأميركية من أصل فلسطيني رشيدة طبيب وقفت قبل أيام (6 تشرين ثاني) أمام الكونغرس لتسائل أعضاءه لماذا لديكم مشكلة في سماع بكاء الأطفال الفلسطينيين؟ ولتقول نحن بشر مثلكم، منحازة بالكامل إلى هويتها الإنسانية والفلسطينية بفعل نكران الكونغرس أبسط القواعد والأسس التي يتميز بها البشر: التعاطف مع الأطفال الجرحى والموتى.

في الأيام التي أعقبت السابع من تشرين الأول أثبتت النخبة السياسية الحاكمة في أوروبا وأميركا أنها تنتمي إلى قبيلة كبرى، فتصرفها إزاء ما يحدث في فلسطين هو سلوك قبيلة ارتدت إلى عصبيتها بمجرد شعورها بالخطر

خطاب شبيه بخطاب النائبة الفرنسية وكلام رشيدة طليب ترددت أصداؤه في الكنيست الإسرائيلي ومن قبل نائبة إسرائيلية دافعت عن الحق في التعاطف مع أطفال غزة، الأمر الذي لم يعجب زميلتها في الكنيست، فارتفع صوتها بالصياح: "أطفال غزة جنوا على أنفسهم" كما لو أنها تحمل الأطفال الفلسطينيين مسؤولية إطلاق القنابل الذكية ثم مسؤولية الموت كضحايا لتلك القنابل التي يبلغ وزن الواحدة منها ثلاثة أطنان، والتي كانت شحنت للتو من مخازن الجيش الأميركي في ألمانيا وبريطانيا.. في جسر جوي لم يتوقف منذ منتصف تشرين الأول الماضي.. ما يذكر بالجسر الجوي الأميركي لإنقاذ إسرائيل في تشرين الأول 1973.

وفي الأيام التي أعقبت السابع من تشرين الأول أثبتت النخبة السياسية الحاكمة في أوروبا وأميركا أنها تنتمي إلى قبيلة كبرى، فتصرفها إزاء ما يحدث في فلسطين هو سلوك قبيلة ارتدت إلى عصبيتها بمجرد شعورها بالخطر.

فأن تتعرض إسرائيل لهجوم وتنكسر صورتها كدولة سوبر أو سوبر دولة هو أمر يستشعر الغرب منه الخطر.. لكن هناك أمر آخر خفي لا يعلنه الأوروبيون المدافعون عن إسرائيل، هو الرعب من فكرة عودة اليهود الإسرائيليين إلى أوروبا بشكل نهائي.. هذا ما لا تريده أوروبا التي طردت خارج حدودها يهودها مرة واحدة وإلى الأبد، ولن يجرؤ أحد من تلك النخبة الحاكمة على مجرد تفكير بإعادتهم مرة ثانية إلى ديارهم، فأوروبا لم تحتمل وجود مليوني يهودي في أراضيها لاسيما في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وسواها فكيف والحال الآن وقد بلغ تعدادهم عشرة ملايين إسرائيلي؟!

لأجل ذلك سيكون مسموحاً لإسرائيل ليس إزالة حماس من الخريطة بل كذلك إزالة غزة لو اقتضى الأمر في سبيل استعادة صورة إسرائيل كسوبر دولة واستعادة صورة جيشها الخارق الذي لا يهزم!!

هكذا انطلقت جبهة عالمية ضد فلسطين بحجة حماس تذكر بالتحالف الدولي ضد العراق بحجة امتلاك نظام صدام حسين للسلاح النووي، بعد تفجير برجي التجارة الدولي في نيويورك.. وبدأت موجة تضامن مع إسرائيل دون أي اعتبارات أخلاقية أو إنسانية أو واقعية فبدأت المواقف تتالى ابتداء من أميركا ومن ألمانيا ثم من فرنسا وصولا إلى الهند وسواها من البلدان.. تلك المواقف ترجمت على الفور بسلسلة زيارات عاجلة لدعم إسرائيل بدأها وزير الخارجية الأميركي ثم وزير الدفاع الأميركي ولحق به المستشار الألماني وقبله وزيرة خارجية ألمانيا.. الأمر الذي استغله نتنياهو فورا فسارع لتوظيف زيارات الدعم لإسرائيل ليحولها إلى قنابل أميركية سقطت فوق مشفى "المعمداني".

فمنح الضوء الأخضر لنتنياهو وجيش الدفاع الإسرائيلي لتدمير غزة هو ما تضمره وتوحي به سلسلة المواقف السياسية والزيارات الخاطفة الأميركية والأوروبية إلى تل أبيب، وكذلك الحملة الإعلامية الدولية الهائلة التي قامت بها معظم المؤسسات الإعلامية الغربية الكبرى لتسويق أكاذيب نتنياهو عن قتل حماس للأطفال وحرقهم واغتصاب نساء إسرائيليات، أكاذيب سرعان ما تبين خطلها.. فتراجعت عن تسويقها بعض وسائل الإعلام المشاركة في الحملة في حين لم تقدم بقية المؤسسات الإعلامية أي توضيح أو اعتذار..

من بين أقوى التظاهرات الرافضة لقصف غزة كانت تظاهرة يهودية في بريطانيا هتف المتظاهرون فيها "ليس باسمنا" رافضين أن تقصف إسرائيل غزة باسم اليهود

لكن من ناحية أخرى يتبلور موقف شعبي أوروبي ضد الحكومات الأوروبية المؤيدة لإسرائيل دون تحفظ، ونشهد إرهاصات سياسية لموقف غير رسمي أوروبي يرفض دعم إسرائيل دون حساب وفي كل حال، كان أوضحها تظاهرة في لندن ضمت مئة ألف متظاهر مؤيد لفلسطين، ومظاهرات صغيرة في كل من برشلونة الإسبانية ودوسلدورف الألمانية، وفي باريس أيضا، التي عمدت فيها الشرطة الفرنسية لاعتقال بعض المتظاهرين، ومن بين أقوى التظاهرات الرافضة لقصف غزة كانت تظاهرة يهودية في بريطانيا هتف المتظاهرون فيها "ليس باسمنا" رافضين أن تقصف إسرائيل غزة باسم اليهود، إضافة لتظاهرة يهودية أخرى في واشنطن رافضة للحرب ولقصف غزة.

هذه التظاهرات الرافضة لتأييد إسرائيل والداعمة لفلسطين إضافة لمواقف سياسيين وفنانين وكتاب غربيين إضافة لموقف اليهود غير الصهاينة وغير المقادين بالضرورة لدعم إسرائيل.. تكشف عن تحول مهم في الغرب لناحية مزيد من العقلانية والعدالة تجاه قضية مركزية كالقضية الفلسطينية، وهو ما يعيد الصراع إلى أصوله كصراع سياسي إلى حد بعيد مثلما هو صراع أخلاقي بين حق وباطل، وليس كما يحلو لبعض المهووسين في الشرق والغرب تصويره كصراع ديني، فموقف المتظاهرين اليهود المضاد للحرب على غزة هو موقف أخلاقي أولا وسياسي ثانيا.. وليس موقفا دينيا وهو تطور ليس بالقليل، يضعف ويفضح تيارا واسعا في الغرب يذهب إلى أن دعم إسرائيل واجب ديني.

سؤال يسأله كل إنسان صدمه موقف الحكومات والشخصيات السياسية الأوروبية والأميركية التي سارعت للوقوف مع إسرائيل، في ذات الوقت الذي صمّت آذانهم فيه عن سماع صراخ الأطفال الفلسطينيين ضحايا القصف الإسرائيلي هو: هل يعقل أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين؟