عن كذبة حب الثقافة

تاريخ النشر: 03.03.2021 | 16:20 دمشق

إسطنبول - ياسر الأطرش

بأسفٍ وأسى، قال الشاعر الكويتي المعروف، دخيل الخليفة، منذ أيام: إن صحيفة "القبس" الكويتية ألغت صفحات الفنون والثقافة وكذلك الملحق الثقافي، الذي أصدر عدده الأخير نهاية شباط/ فبراير الماضي، مؤكداً أن الأمر يسري على أغلب الصحف بعد غياب الإعلان.

وفي غياب الإعلان والمال أو بوجودهما، فإن الصفحات والملاحق الثقافية كانت دائماً الخاصرة الهشة والهدف الأول الذي يُرمى بسهام الاتهام والإلغاء عند كل خيبة أو تلمُّس ضعف.

الصحفي جمال موسوي قدم برهاناً على هذا الأمر الذي لا يحتاج أدلة ولا كبير عناء في الاستدلال والبرهنة، فرد على منشور "الخليفة" قائلاً: "مع الأسف الثقافة هي ما تتم التضحية بها في البداية. في اجتماع للتحرير في صحيفة العلم، رئيس التحرير تذمر من يوم الخميس، يوم الملحق الثقافي إذ كان أقل الأيام مبيعات، قال لنا إما أن تكون مبيعاته كباقي الأيام أو نحذفه" لكن الملحق بقي مستمراً.

هذا جديد المجال، الذي سبقه تاريخ طويل من الاستغناء عن الثقافة (والمقصود بها هنا تحديداً الآداب والفنون).

فمنذ سبعينات القرن الماضي، مع صعود العسكر إلى الحكم في غير بلد عربي، بدأ التضييق على الصحافة الثقافية، من تجفيف منابع التمويل، إلى ملاحقة وسجن الكثير من الكتّاب والمبدعين، إلى ممارسة رقابة لا يمكن معها الاستمرار..

وفي هجوم من زاوية مقابلة، يذكر جيلنا، وربما أجيال قبله، أن دروس الرسم والموسيقا منذ المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، كانت مستباحة لا تُرعى لها حرمة ولا ذمام، وكان نادراً ما يُعيَّن مدرس متخصص لها، فتُأخذ حصة الفنون لمصلحة الرياضيات أو ضروب العلوم الأخرى، وربما اللغة العربية أو التربية الإسلامية.

ومع تطور المناهج وأساليب التعليم، ووجود متخصصين على رأس هذه المواد في معظم المدارس العربية، جاءت جائحة "كورونا" لتؤكد من جديد زهدنا الرسمي والمجتمعي بالثقافة.. فخلال التعليم "عن بُعد" تم في الغالب إلغاء حصص الرسم والموسيقا وسائر الفنون، أما المفاجأة الأكبر فهي أن الإلغاء سيستمر في كثير من البلدان العربية وغيرها، مع العودة الحذرة إلى التعليم الوجاهي، والاكتفاء بتقديم المواد العلمية و"الأساسية"، في اعتراف رسمي "من قبل مؤسسات الدول" بأن الآداب والفنون مكملات لا مكان لها في ضروريات الحياة!.

هذه الحقيقة التي لن تعترف بها "المؤسسات"، تعضدها سياسة الإغلاقات التي حكمت -وما زالت- معظم دول العالم من جراء صعود موجات متتالية من فيروس "كوفيد 19"، فمعارض الكتب والمتاحف والمكتبات والمسارح ودور السينما والفاعليات الثقافية.. هي الأكثر تضرراً، فقد بقيت مغلقة في الغالب على الرغم من السماح بفتح المطاعم والمقاهي وأماكن التسلية، حتى إن جائزة نوبل للأدب وشقيقاتها لم يقم لها حفل وجاهي، وهو ما يمكن تفهُّمه لو أنَّ كل محافل الحياة غير الضرورية بقيت مغلقة.

الإغلاق لم يؤثر كثيراً في الحقيقة، فسرعان ما أوجد المثقفون طرائق وأساليب عصرية جديدة للتواصل والعمل، لكن مجمل تصرفات "الثقافة الرسمية وشبه الرسمية" تدلل على المكانة الفعلية للثقافة في أولويات تلك الجهات، وهم الذين لا يوفرون مناسبة في استغلالها والبناء عليها، خصوصاً مع اندراجها قوةً ناعمةً مؤثرة جداً وفق التصنيف الحديث للسياسات والتأثير في الرأي العام.

ومنذ العصور الوسطى، جنح المؤرخون والنقاد القدامى إلى تصنيف الأمم وفق معيار المُنتَج الثقافي، ورأى الجاحظ في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، أن الأمم تُقدَّر بنتاجها المعرفي الكتابي، وكان ذلك العصر أول عهد العرب بالمعرفة الكتابية، فالأمة التي تنتج كتباً أكثر هي الأمة الأرقى والأبقى، فرفع قدر العرب والروم والهند والفرس، وحط من قدر كل الأمم غير المنتجة ثقافياً في ذلك العصر.

ولعل لنا في تجربة الأندلس (التي نجعلها سنام افتخارنا واعتزازنا التاريخي) تذكرة بأن سمعتها التي تجاوزت الأمكنة والأزمنة، إنما تأتت بفعل ثقافي أدبي فني مذهل، فالمأثور عن تلك المرحلة (شفاهياً وكتابياً) أنها كانت مرحلة سمو علمي وأدبي وفني، وقطعاً فإن مآثر فنونها وعلومها أكبر من مآثر حروبها وفتوحاتها، فحتى في عصر تضعضعها أيام ملوك الطوائف، حافظت على سجل إنساني نبيل من خلال مواصلة اهتمامها بالثقافة والتنوير والمعرفة، واستمر ذلك حتى نفاد زيت آخر قنديل في آخر جامعة أندلسية.