عن استثنائية "عفو" الأسد الأخير

2022.05.10 | 07:06 دمشق

photo1651737402_5.jpeg
+A
حجم الخط
-A

لم يكن الرأي باستثنائية "العفو" العام الذي نص عليه المرسوم التشريعي رقم 7 لعام 2022، والصادر في 30 نيسان/أبريل الماضي، مقتصراً على نظام بشار الأسد، حين عدته رئيسة محكمة الإرهاب زاهرة بشماني من "أوسع مراسيم العفو"، كونه "شمل كل الجرائم والأفعال الإرهابية المنصوص عليها في قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 سواء فيما يتعلق بالعقوبة المقيدة للحرية أو العقوبة المالية".

ومن ثم، بدا طبيعياً البحث عن الأسباب الحقيقية لعفو كهذا "غير مسبوق" بوصف المحامي السوري عارف الشعال، بعيداً عن "كليشيهات" النظام الذي برر العفو، كما جاء على لسان معاون وزير العدل في حكومة الأسد، نزار صدقني، بـ"الانتصارات التي حققها الجيش العربي السوري وتحريره لمعظم الأراضي السورية من دنس الإرهاب لذلك عفت الدولة ووجهت دعوة مصالحة لأبنائها الذين تورطوا بجرائم إرهابية للاستفادة من المرسوم والعودة لحياتهم الطبيعية".

هكذا، قُدمت على الجانب المقابل تفسيرات مختلفة تماماً بشأن دوافع ما يسمى "عفواً". أولها وأكثرها انتشاراً محاولة النظام احتواء تداعيات افتضاح مجزرة حي التضامن بريف دمشق، بالصوت والصورة، قبل أيام من صدور العفو، كما لخص ذلك وسم (هاشتاغ) "العفو عند المجزرة" على وسائل التواصل الاجتماعي. في حين يأخذ تفسير آخر بالتغيرات الدولية والإقليمية، لا سيما انعكاسات التورط الروسي الذي يبدو أنه سيكون طويلاً في أوكرانيا، وعدم اليقين بشأن إحياء الاتفاق النووي مع إيران، أو ارتدادات اتفاق كهذا حتى في حال حصوله على استقرار نظام الأسد.

عملية الإفراج عن المعتقلين، وأعدادهم، وتاريخ اعتقال عدد منهم، وحتى الجرائم المنسوبة إليهم أو المدانين بها، تُظهر أن هدف النظام أبعد ما يكون عن محاولة استمالة الشعب السوري

ورغم أن التفسيرات الأخيرة تصدر عن مناوئي الأسد، فإنها تنطوي على افتراض ضمني أساسي، جوهره أن النظام بما يسمّيه "عفواً" عن "إرهابيين" إنما يقرر العودة إلى الشعب السوري، استرضاء أو احتواء، لتدارك تداعيات واحدة من مجازره أو تصليب موقفه في مواجهة التغيرات الدولية المحتملة.

لكن عملية الإفراج عن المعتقلين، وأعدادهم، وتاريخ اعتقال عدد منهم، وحتى الجرائم المنسوبة إليهم أو المدانين بها، تُظهر أن هدف النظام أبعد ما يكون عن محاولة استمالة الشعب السوري بأي شكل كان، وإنما العكس تماماً. وهو ما يستتبع بالضرورة العودة إلى البحث عن أسباب أخرى للعفو تتفق مع حقيقة هذا النظام، بكونها تهدف حتماً إلى ضمان بقائه، لكن، وكما دائماً، على حساب حقوق الشعب السوري ككل.

تقدر الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد المعتقلين والمختفين قسرياً في سجون النظام منذ اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011 حتى آذار/مارس الماضي بـ132,667 شخصاً. في المقابل، لا يزال عدد المفرج عنهم في حدود بضع مئات. والخشية أن لا يكون العدد النهائي أكبر من ذلك بكثير. هكذا، يبدو المردود الوحيد المؤكد حتى الآن لما يسميه الأسد "عفواً" ليس سوى تفجير مآس مكبوتة إلى العلن، تلخصها جموع السوريين المحتشدين أملاً في أن يكون أبناؤهم وأحبتهم بين العدد القليل جداً من المفرج عنهم. ولعل أكثر ما يلخص هنا مأساة العيش في سوريا الأسد ما يتم تناقله على وسائل التواصل الاجتماعي عن وجود أمهات بين المترقبين يمتلكن شهادات وفاة لأبنائهن، لكنهن مع ذلك يأتين على أمل أن يكون أبناؤهن من بين المطلق سراحهم؛ ففي سوريا الأسد لا الأحياء أحياء فعلاً، ولا الأموات أموات بالضرورة.

هل أراد النظام فعلاً إذلال السوريين وقهرهم حتى بالأمل؟ لا يبدو ذلك مستبعداً أبداً. فرئيسة محكمة الإرهاب التي تصف بـ"ضعاف النفوس" مروجي الأخبار عن وجود قوائم تتضمن أسماء المفرج عنهم، تعود لتشدد أن نظامها لن يصدر قوائم كهذه، تاركاً الناس نهبَ أملهم ولهفتهم وأخيراً قهرهم. أيضاً، يبدو لافتاً غضّ النظام عن التجمع تحت جسر الرئيس بدمشق بانتظار أحبتهم، في حين لا يتصوّر غالباً السماح لأعداد أقل من ذلك بكثير بالتجمهر هناك في ظروف أخرى، خشية تحوّل التجمع إلى تظاهرة. فهل كان غضّ الطرف هذا مقصوداً لإظهار انتصار النظام في قهر السوريين بحيث ما عادوا قادرين على الاحتجاج حتى في مواقف قاسية كهذه؟

إذا كان للعفو الأخير دوافع إقليمية، فهي لا تتجاوز توفير الأسد غطاء هزيلاً، وإجرامياً في الوقت ذاته، لحلفائه (الجدد خصوصاً) للمضي قدماً في تعويمه إقليمياً ودولياً

ربما أراد النظام كل ذلك، وربما جاء نتيجة غير مقصودة، إنما مرحّب بها، لدوافعه الحقيقية لإصدار العفو. ويبقى، من باب التخمين أيضاً، أنه إذا كان للعفو الأخير دوافع إقليمية، فهي لا تتجاوز توفير الأسد غطاء هزيلاً، وإجرامياً في الوقت ذاته، لحلفائه (الجدد خصوصاً) للمضيّ قدماً في تعويمه إقليمياً ودولياً. أما المؤكد فهو أنه لم يكن يريد التغطية على مجزرة التضامن، بل تعزيز تبعاتها بتعميق الاستقطاب الطائفي، عبر ضمان تماسك حلقة الكراهية والخوف المفرّغة التي يدور فيها السوريون. فهكذا فقط نجا النظام وينجو. وهذا فقط ما يجعل من عفو الأسد الأخير استئنائياً فعلاً.