على مفترق اليمين: الانتخابات السويدية الفاصلة

2022.09.06 | 06:02 دمشق

على مفترق اليمين: الانتخابات السويدية الفاصلة
+A
حجم الخط
-A

بعد أيام تُغلق صناديق الاقتراع في السويد، قد يبدو الأمر عادياً ومألوفاً، لولا أنها الانتخابات الأهم في تاريخ السويد المعاصر، فلأول مرة في السويد تجري انتخاباتها في ظل مفارقات لم تكن حاضرة سابقاً، والناخب السويدي الذي لم يكن يهتم كثيراً بالمشاركة فيها، يواجه اليوم استقطاباً حاداً داخل مجتمع ينشغل بمعظمه للجواب عن سؤال جديد: السويد إلى أين؟

تختلف هذه الانتخابات عن سابقاتها بعدة نقاط، الأمر الذي دفع معظم المراقبين للتشديد على أهميتها، واعتبارها محطة فاصلة في تاريخ السويد، والقول إن ما قبلها لن يكون كما بعدها. فالسويد اليوم وبعد استقرار طويل له مرتكزاته الواضحة، يتوجب عليها أن تختار إما حكومة جديدة، بمرتكزات جديدة تنهي الصيغة التي عرفت بها السويد داخلياً وخارجياً، وتذهب إلى مسار يتفارق بشكل كبير مع هذه الصيغة، أو تختار حكومة تحاول الحفاظ ما أمكنها على هوية السويد التاريخية، مع محاولة ملاقاة التطورات الكبيرة التي تحيط بالسويد، وبأوروبا وبالعالم.

هذه الانتخابات تجري على مقربة من حرب مشتعلة أشاعت الرعب في المجتمع السويدي، وهي الحرب الروسية الأوكرانية

الاختلاف الأول لهذه الانتخابات عن سابقاتها يكمن في صعود اليمين المتطرف والعنصري، حسب الاستطلاعات إلى مقدمة الأحزاب السويدية، هذا يرجح أن تكون الحكومة القادمة في عهدة هذا اليمين، وهذا يعني أيضاً أن تحولات عميقة سيبدأ العمل عليها داخل المجتمع السويدي، أهمها علاقة السويد بالهجرة واللجوء.

الاختلاف الثاني، هو كون هذه الانتخابات تجري على مقربة من حرب مشتعلة أشاعت الرعب في المجتمع السويدي، وهي الحرب الروسية الأوكرانية، والتي فرضت على السويد أن تتخلى عن حيادها وسلميتها طوال أكثر من قرنين، لتقرر الانضمام إلى حلف عسكري هو "الناتو".

الاختلاف الثالث، هو في تخوف السويديين من انخفاض حاد في مستوى المعيشة التي كانوا عليها، فالشتاء القادم سيكون الأقسى على السويد حسب محللين اقتصاديين، ليس بسبب تغير مناخي، أو طقس استثنائي، بل لسبب آخر هو انخفاض مصادر الطاقة، وتوقعات بارتفاع حاد في كلفتها، قد يصل إلى حد عجز قسم كبير من السويديين على تسديدها.

الاختلاف الرابع، هو قضية المهاجرين واللاجئين، فالمجتمع السويدي يجد نفسه للمرة الأولى في تاريخه، وتحت تأثير موجة تتصاعد داخله بقوة، وتقودها أحزاب وشخصيات وجهات، في مواجهة مع قضية السويديين من أصول مهاجرة، والتي وصلت نسبتهم إلى ما يقارب ال 16% من عدد سكان السويد، والتي لم تكن يوماً حاضرة بمثل هذه القوة، أو مثل هذه الخيارات.

كل هذه الاختلافات أدّت إلى انقسام حاد في المجتمع السويدي، الأمر الذي انعكس واضحاً في الخطاب السياسي المتداول في الحملات الانتخابية، وفي بروز سلوكيات رافقت الحملات الإعلانية الانتخابية لم تعرفها السويد سابقاً، وسببت صدمة في الشارع السويدي، ولأول مرة يُشحن الخطاب السياسي بجرعات عالية من الكراهية، ومن العنصرية، ومن التهويل والتخويف والابتزاز، ولأول مرة يظهر إلى العلن استعمال المال لشراء أصوات الناخبين.

(ضع شعار حزبنا على سيارتك واملأ سيارتك بالوقود مجاناً)، هذه الدعوة ليست في إيران، وليست في لبنان أو سوريا، حيث تستغل حاجة الناس لربطة خبز، أو كيس أرز، أو سلة معونات من أجل شراء أصواتهم، إنها في السويد، البلد الذي كان يعتبر فيه عملاً كهذا فضيحة لو تم في السر وتم اكتشافه لاحقاً، لكن ها هو الحزب اليميني المتطرف "ديمقراطيو السويد" (SD) يعلنه بوضوح وبكل صراحة.

بعنصرية واضحة، وباستثمار صفيق للدين في الانتخابات، وكما لو أنها وصمة عار يتهم رئيس حزب ديمقراطيي السويد اليميني "جيمي أوكيسون"، الحزب الاشتراكي الديمقراطي بأنه ممتلئ بالإسلاميين، وكأنه يريد القول إن المسلمين في السويد هم أعداء السويديين غير المسلمين، ليس هذا فحسب بل يذهب هذا الحزب لما هو أبعد من ذلك، عندما يضعك وأنت في عربات القطارات السويدية أمام إعلان يقول لك: "المحطة القادمة هي كابل"، كأنه يريد القول للسويديين أنه إذا لم ينتخبوه فإن السويد ستصبح مثل أفغانستان، كل هذا يجري في نفس الوقت الذي يطلب فيه هذا الحزب من الكنيسة السويدية أن تعلن قيادتها رسمياً أنها مجتمع صديق لإسرائيل –  وأن اليهود هم “شعب الله المختار”  وفقًا للكتاب المقدس، وأن يسوع ولد يهودياً، وكان يهودياً.

في وجه التحديات الخطيرة التي تواجهها السويد، في هذه المرحلة والتي تزداد صعوبة يوماً بعد يوم، كان من المتوقع أن ترتقي الأحزاب السياسية إلى مستوى هذه التحديات، بدءاً من أزمة الطاقة التي سببتها الحرب الروسية على أوكرانيا، مروراً بوباء كورونا، وبالأزمة الاقتصادية العالمية، وموجة الغلاء، وصولاً إلى احتمالات توسع الحرب و..و...

يستثمر اليمين السويدي في الخوف، وفي الكراهية، وفي العنصرية، ويبتز السويديين بشبح ملهمه "بوتين"، ويضخم من هواجسهم الاقتصادية، ويثير في نفوسهم الرعب من المهاجرين

 كل هذا يفترض بداهة أن يتغير سلم الأولويات، وأن تصبح القضايا الكبرى، والأهم، هي الشغل الشاغل للطبقة السياسية في أي بلد، وأن تُنحَ جانباً القضايا التي لا تشكل تهديداً لا يمكن تأجيله، والأهم أن يصبح هاجس إنقاذ الوطن أو تجنيبه الأخطار، هو المعيار الأول لكل السياسيين، لكن الغريب هو أن تكون مقاعد البرلمان، والوصول إلى السلطة هو الأولوية الأولى والوحيدة لبعض الأحزاب، وأن تصبح المخاطر مادة للاستثمار، وليست تحديات تتطلب إحساساً عالياً بالمسؤولية.

يستثمر اليمين السويدي في الخوف، وفي الكراهية، وفي العنصرية، ويبتز السويديين بشبح ملهمه "بوتين"، ويضخم من هواجسهم الاقتصادية، ويثير في نفوسهم الرعب من المهاجرين، كل هذا كي يحصد أعلى المقاعد في البرلمان.

هذه الانتخابات في السويد ليست انتخابات عادية، إنها مفترق بالغ الأهمية في مسار هذا البلد الذي استقر طويلاً، وها هو اليوم يقف أمام استحقاقات كبيرة، تحتاج أول ما تحتاج إلى ساسة من طراز "أولف بالمه"، وليس من طراز "جيمي أوكيسون".