عفرين بين صورتين (2)

2022.02.24 | 05:35 دمشق

67169e4f-4cc5-4baa-bbcc-5eb514659a51.jpg
+A
حجم الخط
-A

"تواصلت مع قادة بعض الفصائل. عرضت عليهم أن أعطي محاضرات للسكان في عفرين وقراها. لدي طروحات مدعومة بأدلة تاريخية، قد تقنع كثيرين بأن اللعبة أكبر من العرب والكرد والتركمان. كانوا ينظرون نحوي نظرة أعرفها جيداً، وأعلم أن كثيراً منهم قالوا بعد خروجي: ناقصنا مجانين". يملك (شيخو) أرضاً بمساحة جيدة في ريف عفرين، اعتزل بها بعد أن فقد الأمل بأي نشاط يمكن له أن ينخرط به في الشأن العام. التجأ إلى المزرعة، بعد أن تلقى عدة تهديدات. المفارقة كما يراها، أن التهديدات جاءت من الكرد "تعرضتُ لحملة على صفحات الكرد، وصلت لعتبة التخوين، وتوعَّدني بعضهم بالحساب العسير حين تتبدل الموازين، ويعود الكرد فاتحون محررون". كان ذلك بعد أن توجه شيخو نحو المثقفين الكرد في عفرين باقتراح لخلق كيان كردي جامع، يخاطب سلطات الأمر الواقع بالقانون، لمنع الانتهاكات ووقف المظالم، ولمحاورة هيئات المهجرين. هو يعتبر أن بين المهجرين الكثير من العقلاء والشرفاء، وهناك إمكانية لمحاورتهم. "لكني فشلتُ أيضاً".

اللافت، رغم تعرض مواسم أرضه لعدَّة أعمال سلب من قبل متنفذي الفصائل، فإنه حاول جهده، بما يمتلك من روح العدالة الداخلية، ألا يسمح للظلم الذي تعرض له أن يبقيه أسيراً للتعصب العرقي، أو للشعور بأن المهجر العربي هو عدو، وهذا ما يحسب له، ويشعرك بأصالة النبالة في روحه. شيخو، إضافة لإجادته الرسم والعزف على الوتريات، فهو يملك من الثقافة العميقة، ما يجعله يعيش نوعاً من المصالحة مع الذات، وربما لهذا انتهى إلى تلك العزلة الاختيارية. يقول ضاحكاً: "كنت صوفياً ثم يسارياً وبعدها أصبحت أقرب لأحزاب الخضر. أما الآن فقد طلَّقت الجميع. اليوم أفضِّلُ المصاحَبَة على الزواج، فالزواج الرسمي مع الأحزاب أمر غير صحي". بيقين لا يخامره أي شك، يعتبر الرجل أن ما تريده أميركا للمنطقة، هو ما سوف يكون، فهي من تدير الصراع.  يؤكد ذلك، مع تكرار أمنيته بأن يكون مخطئاً.

ليت أميركا كانت عاجزة، وليكن بعدها ما يكون. حتى لو تصارعت القوميات والعقائد وسالت الدماء، فإن هذا الصراع سينتهي حين يدرك الجميع عبث ما في عقولهم

"ليت أميركا كانت عاجزة، وليكن بعدها ما يكون. حتى لو تصارعت القوميات والعقائد وسالت الدماء، فإن هذا الصراع سينتهي حين يدرك الجميع عبث ما في عقولهم. الناس في النهاية ستدرك مصالحها وتتحول إلى الصراع السياسي". يؤكد شيخو أن هناك تاريخاً طويلاً من الصراع بين القبائل الكردية في قرداغ "منطقة عفرين"، وأن كثيراً من الدماء قد سالت بينهم حتى عهد قريب، "كان الصراع بين عائلة فلان آغا وفلان باشا في زمن العثمانيين. أما في زمن البعث فإن الصراع على منصب بسيط كأمين فرقة حزبية، كان يؤدي لاصطفافات تفوق ما ترونه الآن. تحالفات أيام انتخابات ما يسمى مجلس الشعب، كانت تتم بين شيخ قبيلة عربية ووجيه كردي، بمواجهة مرشح ثالث قد يكون عربياً أو كردياً" يضحك ويتابع "حتى المخبرون كانوا من كافة قوميات المنطقة". شيخو الذي تجاوز سنواته الخمسين، اعتزل الجميع ويستمتع اليوم بعمله الزراعي، إضافة لتدريسه بعض الطلاب الصغار اللغة الإنكليزية "كي تكون لهم فرصة للعمل في المستقبل، فاللغة العربية والكردية لا تصلح اليوم لسوق العمل. إنها تصلح فقط لسوق الدم". رغم أن أحكام شيخو ستبدو قاسية بعض الشيء، إلا أنه يبنيها على قناعة راسخة أن قادة الصراع في المنطقة، بما فيهم قادة الفصائل، ليس لديهم أي مصلحة في زوال الاحتقان "لا هم ولا مشغليهم، وقد لفت نظري من احتكاكي معهم أمر مضحك وربما يستحق التفكير بل والدراسة. أكثر القادة حكمة وأخلاقاً، هم الأقل نفوذاً والأقل حصولاً على الدعم".

رغم أن أحكام شيخو ستبدو قاسية بعض الشيء، إلا أنه يبنيها على قناعة راسخة أن قادة الصراع في المنطقة، بما فيهم قادة الفصائل، ليس لديهم أي مصلحة في زوال الاحتقان

"تعاظُمُ الخوف عونٌ للفساد". لا أتذكر من قال هذه العبارة، ولكنها تبدو لي مناسبة لواقع الحال في عفرين اليوم. شادي شاب كردي يمتلك محلاً واسعاً ومعروفاً، يمارس فيه مهنته بنجاح. له سمعة طيبة بين أهالي المدينة والمهجرين على السواء، ويقصده الكثيرون. بنوعٍ من "التشبيح"، طلب منه أحد العناصر العسكريين أن يشاركه في محله فرفض، فالرجل لا يحتاج لشريك. سيرد العسكري الشاب: "لكن أنا بدي انزل معك شريك". طبعاً ليست الشراكة هنا، كالتي يتعارف عليها كل الناس، بل شراكة تذكِّر بالطريقة التي كان مسؤولو نظام الأسد يشاركون فيها بعض الصناعيين، حيث لا يقدم واحدهم أي مال أو عمل أو عقار، بل تنحصر مساهمته بكف أذاه عن شريكه!

حين رفض شادي، هدده صاحب الزيّ العسكري بأنه سيأخذ المحل كله، فهو يملك معلومات أكيدة أن شادي كان مع البي كي كي. رغم زيف الادعاء، إلا أن الرعب الذي أصابه، كاد يوصله إلى ما يشبه الشلل عن التفكير، لينتقل بعدها إلى محاولة مفاوضة العسكري. نجحت مفاوضات شادي بأن يأخذ الشاب منه مئتي دولار أميركي شهرياً كمبلغ مقطوع. استمر الأمرُ شهوراً على تلك الحال، عند نهاية كل شهر يأتي الرجل الغامض ويأخذ الإتاوة المفروضة. بمصادفة ما، شاهده أحد زبائنه وهو يسدد المبلغ لشريكه. الزبون الذي يملك سلطة ما في أحد الفصائل، وهو "خلوق جداً" بحسب شادي، سيسأله عن الأمر. لخوفه من التبعات، لم يفصح لزبونه بأي شيء عن تلك العلاقة، رغم الإلحاح وتأكيد الزبون أنه يعرف الشخص وهو "إمّعة وسيئ"، حسب وصفه، منبهاً إياه، أن الزبائن قد يمتنعون عن التعامل مع محله، فيما لو علموا عن علاقته به.

هناك حالات كثيرة لكرد رفضوا الابتزاز بشجاعة وحزم، ومعظمهم لم يتعرض لأي أذى

شدة خوف شادي دفعت الرجل أن يتحرى بنفسه. جلبَ الشريك وهدده بالسجن إن لم يبين طبيعة ما يجري. اعترف الشريك الغامض بكل شيء، فماضيه لا يشفع له، وبالإمكان سجنه احترازياً دون سبب، وحتى دون أن يخطر لأحد الدفاع عنه. وتم سجنه فعلاً، وتبلّغ شادي بالخلاص من شريكه. أحدهم سيبلغه بمعلومة لافتة "مسألة اعتبار الشخص مع البي كي كي ليست أمراً مزاجياً، هناك الكثير من التقارير التي تتلقاها الجهات المسيطرة أمنياً بهذا الخصوص يومياً. لكن جميع تلك التقارير تخضع لفحص المخابرات التركية، فهي من تأخذ القرار". سيعترف شادي فيما بعد، أن الكثير من الشباب المهجرين، وبعضهم في الفصائل، قد نصحوه بأن يشتكي على خصمه، لكنه كان يخاف من احتمال أن يفتح على نفسه باب الاتهامات. يشير العارفون بأن هناك حالات كثيرة لكرد رفضوا الابتزاز بشجاعة وحزم، ومعظمهم لم يتعرض لأي أذى. لكن بالتأكيد، هناك أيضاً من مثل حالة شادي، ممن ساعد خوفهم على جعل الأمور تبلغ هذا الحد، مما يساهم يومياً في زيادة سعة الشرخ بين قاطني عفرين اليوم، أهلها الكرد والمهجرين العرب. إلى أن يعود المهجرون إلى مدنهم وقراهم بعد سقوط الأسد، وخروج جميع القوى الخارجية، وهذا ما يجب أن تنتهي إليه الأمور "على الناس أن تتفاهم وتتساعد للوقوف بوجه اللصوص والمتسلطين وعديمي الضمير، لجعل الأمر أقل سوءاً" يكرر العقلاء من الجانبين.