icon
التغطية الحية

عزمي بشارة: حماس جاهزة للانخراط في وحدة فلسطينية مثل منظمة التحرير

2024.02.12 | 12:39 دمشق

فع
 تلفزيون سوريا ـ إسطنبول
+A
حجم الخط
-A

دعا المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عزمي بشارة، إلى استحضار تجربة منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها "السبيل الوحيد لترجمة تضحيات الشعب الفلسطيني إلى إنجاز سياسي، والممثل الرسمي للشعب الفلسطيني"، مشيراً إلى أن حماس جاهزة للوجود في وحدة فلسطينية مثل منظمة التحرير.

ورأى الدكتور بشارة في حديث إلى تلفزيون "العربي" مساء أمس الأحد، أنّ إعادة بناء منظمة التحرير هي السبيل لترجمة تضحيات الشعب الفلسطيني إلى إنجاز سياسي. وأكد أنّ منظمة التحرير هي الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني، وقد اكتسبت ذلك بالنضال والتضحيات التي قدّمتها وبدفاع الشعب الفلسطيني عنها، علمًا أنّها تأسّست من نخبة الشعب الفلسطيني كمؤسسة تكاد تكون رسمية للحديث باسم الشعب الفلسطيني عام 1964 بقرار من الجامعة العربية.

وأشار إلى الشعب الفلسطيني الذي ناضل من أجل إيجاد كيان، وبأنّ هذه المنظمة بالفعل تحولت بالتدريج إلى كيان حقيقي انضمت إليه الفصائل المسلحة الفلسطينية والنقابات واتحادات الطلبة واتحادات النساء وأصبح نوعًا من دولة نظرية افتراضية للشعب الفلسطيني.

وأوضح أنّه بعد حرب 1973، حصلت اعترافات كثيرة بمنظمة التحرير من مختلف أنحاء العالم، حتى إنّ عدد الدول التي كانت تعترف بها في مطلع الثمانينات كان أكثر من عدد الدول التي تعترف بإسرائيل. لكنه أشار إلى أنّه "في تلك المرحلة حصلت مؤامرات على منظمة التحرير من حرب 1982 إلى محاولة إنشاء بدائل"، مشدّدًا على أنّ "الشعب ناضل في الضفة وغزة ضد هذه البدائل ودفاعًا عن هذه المنظمة".

وقال بشارة: "أصبحت منظمة التحرير حتى أوسلو الكيان الذي يمثل الشعب الفلسطيني ولم تعد هيئة رسمية فقط بل كيان، وبعد أوسلو أقيمت السلطة ونشأت الازدواجية بين منظمة التحرير والسلطة التي تحكم الضفة والقطاع". وأضاف: "كان يفترض نظريًا أن السلطة تتبع المنظمة لكنّ ما حصل كان العكس، حيث أصبحت منظمة التحرير عمليًا دائرة في وزارة الخارجية الفلسطينية".

وبينما لفت إلى انّ منظمة التحرير كانت هي المثال لحركات التحرر في العالم من حيث بنيتها وهيكليتها، أشار المفكّر بشارة إلى أنّ المشكلة التي واجهتها تمثّلت بتقزيمها وتحويلها إلى أداة، مذكّرًا كيف أنّه في الانتخابات الفلسطينية عام 2005، حين فازت حركة حماس بالمجلس التشريعي، فطنت السلطة لإيقاظ منظمة التحرير، ما أفرغها من أي مضمون".

وتابع: "الأسوأ أنه عقد مجلس وطني واحد بعد أوسلو في غزة عام 1998 لتغيير الميثاق الفلسطيني بموجب طلب الإدارة الأميركية ومن يومها لم تعد، حيث أصبحوا يبتكرون قيادات تجتمع لكنها ليست قيادات رسمية، وهي ليست هيئات المنظمة المنصوص عليها، كما أنّ الشتات الفلسطيني أخرج تمامًا من المعادلة. حين حصل الانشقاق عام 2007 في غزة عمليًا اصبح جزء خارج منظمة التحرير التي أصبحت ملكًا للسلطة التي تستخدمها".

حماس ومنظمة التحرير

بناءً على ما تقدّم، رأى بشارة أنّه "إذا أردنا إحياء منظمة التحرير فعلاً يجب أن تشمل جميع الأطراف". وتحدّث عن حصول تطور كبير في فكر حركة حماس، التي بدأت تصعد شرعيتها بسبب الكفاح المسلح، بمعزل عن الأيديولوجيات، وقد أصبحت شرعيتها كاسحة بعد الحرب الأخيرة، بالتوازي مع التغيّر الذي طرأ على خطابها، حيث أصبح أكثر ملاءمة للوحدة الفلسطينية وهو ما تجلى في وثيقتهم الأخيرة.

واعتبر أنّ حركة حماس جاهزة للوجود في وحدة فلسطينية واحدة كمنظمة التحرير، إلا أنّه لفت إلى أنّ بين القوى التي وافقت على أوسلو، ثمّة أطراف لا تريد أن يكون هنالك شراكة في منظمة التحرير وتعتبر الأخيرة أداة، بمعنى أنّ إعادة منظمة التحرير ليس ضمن رؤية هذه القوى ويخالف استراتيجيتها.

طرفا المشهد السياسي، أي حماس والسلطة، بحاجة إلى منظمة التحرير إذا أرادا أن يبقى الشعب الفلسطيني شعبًا وليس أطراف متحاربة على سلطة فاقدة للسيادة، فهذه حالة عبثية لا توصل إلى أي مكان وهي أوصلتنا إلى ما نحن فيه

وشدّد بشارة على أنّ انضمام حماس والجهاد والمستقلين والوطنيين وغيرهم إلى منظمة التحرير لا يعني بأيّ شكل من الأشكال دعم قيادة المنظمة الحالية، مشدّدًا على أنّ الحديث هو عن شراكة، ولا سيما أنّ لا أحد سيقبل أن يدخل بشروط.

وقال: "يجب أن تكون منظمة التحرير كيانية فلسطينية تجمع كل القوى ويكون فيها شراكة حقيقية"، مضيفًا: "إذا لم يكن ذلك ممكنًا ويحتاج إلى وقت، فلتشكل قيادة سياسية مؤقتة في إطار منظمة التحرير".

وإذ وصف هذا الأمر بالاستراتيجي الحاسم، حذر من بعض السيناريوهات المتداولة إذا استمرّ الوضع على شكله الحالي، كأن يقول طرف يمثل السلطة إنه يجب على الأخيرة أن تبسط سيطرتها على غزة، فيما تكون حماس خارج الصورة، مشدّدًا على أنّ مثل هذا الأمر غير ممكن.

وفيما أعرب عن اعتقاده بأنّ حركة حماس لن تستطيع أن تعود لحكم غزة بمفردها بعد الحرب بمعزل عن نتائجها، وحتى لو تستطع إسرائيل تحقيق انتصار حاسم، شدّد على أنّ المطلوب إنجاز سياسي لصالح الشعب الفلسطيني، تفاديًا لهدر كل التضحيات.

"منظمة التحرير ليست ملكًا لأحد وإنما مكان للشراكة السياسية"

وقال: "الإطار الذي يمكّنك من مخاطبة العالم هو منظمة التحرير على أساس أنّها ليست ملكًا لأحد وإنما مكان للشراكة السياسية". ورأى أنّ طرفي المشهد السياسي هما بالتالي بحاجة إلى المنظمة إذا أرادا أن يبقى الشعب الفلسطيني شعبًا وليس أطراف متحاربة على سلطة فاقدة للسيادة، موضحًا أنّ "هذه حالة عبثية لا توصل إلى أي مكان وأوصلتنا إلى ما نحن فيه".

وقال: "فخّ أوسلو أنهم أنشأوا سلطة بدون سيادة، ولذلك فبدل أن توجه طاقات الشعب إلى تأسيس دولة وكيان توجهت إلى صراع على سلطة بدون سيادة". وأضاف: "مسألة إعادة الاعتبار إلى منظمة التحرير وإعادة بنائها هي السبيل لترجمة تضحيات الشعب الفلسطيني الأخيرة إلى إنجاز سياسي وعدم السماح باليوم التالي بمفهومه الإسرائيلي بمعنى أنّ هناك قوى عربية من ضمنهم السلطة تتفاهم مع نتنياهو حول اليوم التالي بعد القضاء على المقاومة، فهذا لن يؤدي إلى مكان".

وشدّد على أنّ الشرط الأساسي لدخول قوى الشعب الفلسطيني إلى المنظمة ليس متعلقًا بأساليب النضال وإنما الموافقة على ميثاقها وقبول القرارات الدولية المتعلقة بفلسطين لأنها على أساسها تخوض معركتها دوليًا بشأن حقوق الشعب الفلسطيني.

ورأى أنّ الواقع الفلسطيني يدفع بهذا الاتجاه، لكنّ السؤال الكبير يتمحور حول قدرة القيادات الفلسطينية على التحرر من الفخ الذي دخلوا فيه حين أصبح تصوّرهم للعمل السياسي محصورًا في إطار السلطة الفلسطينية.

وأعرب عن اعتقاده بأن الغالبية الساحقة من قيادات حركة فتح، وليس فقط قواعدها، تريد إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، ولا ترضى بهذا الصمت إزاء ذبح غزة، وكأن المعركة ليست معركتها". وقال: "قيادة الحركة غير مرتاحة لهذا الشرخ، وآمل أنّ هذا التوجه هو الذي سيضغط باتجاه الوحدة الفلسطينية".

نتنياهو يعرقل التهدئة لشنّ عمليات عسكرية أخرى

وبشأن مسار المفاوضات حول وقف إطلاق النار، رأى بشارة أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول أن يعرقل الاتفاق، مشيرًا إلى أنّه لا توجد نتائج إيجابية حتى الآن.

ولفت إلى أنّ حركة حماس أرفقت ردّها على اتفاق الإطار أو اقتراح باريس كما سُمّي لاحقًا، بملحق يتضمن كل التفاصيل والآليات، لأنّ المقترح الأساسي كان عبارة عن هيكل بلا مضمون، وكان يفترض أن يعقد اجتماع في القاهرة لنقاش هذا الأمر.

وفي هذا السياق، كشف بشارة عن مفاوضات حصلت بين مصر وقطر وحماس قبل ذلك، حيث تمّ تعديل الملحق ليصبح جزءًا من الإطار، علمًا أنّ التعديلات هي في الحقيقة بناءً على ملاحظات الأميركيين. وبذلك، فإنّ الاقتراح لم يصل إلى إسرائيل باسم حماس، بل باسم مصر وقطر.

وفيما أشار إلى أنّ هذا الطرح نوقش في الحكومة الإسرائيلية، كشف أنّ الرد أتى سلبيًا. وأوضح أنّ الإسرائيليين رفضوا الحديث عن مرحلتين ثانية وثالثة، بل اكتفوا بمرحلة واحدة تستمرّ لـ35 يومًا، كما رفضوا أيّ كلام عن المسجد الأقصى، وعن وقف اعتداءات المستوطنين، وحتى عن أوضاع الأسرى في السجون الإسرائيلية، والتي أصبحت جحيمًا لا يُطاق.

وأشار بشارة إلى أن الأهم من كلّ ذلك، أنّ الإسرائيليين رفضوا أيضًا فكرة الانسحاب خارج مناطق الكثافة السكانية، كما رفضوا أيضًا فكرة توزيع المساعدات على الشمال والجنوب، فضلاً عن فكرة السماح بحركة السكان من الجنوب إلى الوسط والشمال، وبالتالي لم يبق شيء عمليًا سوى تبادل الأسرى وهدنة الـ35 يومًا بدلاً من 45.

في المحصلة، اعتبر بشارة أن نتنياهو يحاول أن يسوّف إن لم يكن يحاول أن يلغي الاتفاق ليقوم بعمليات عسكرية أخرى، بما يؤكد أن العملية العسكرية في رفح وغيرها واردة في الحسبان.

وأوضح أنّ نتنياهو لا يريد الحديث عن مرحلة ثانية وثالثة تتضمن وقفًا لإطلاق النار، لكنّه لفت إلى أنّ ذلك لا يعني أنّ هذا آخر المطاف، معربًا عن اعتقاده بأنّه سيكون هناك رد على الرد.

وفي حين تحدّث عن تراجع حصل، رجّح حصول ضغط لإحياء التفاوض من جديد، وقد يأتي هذا الضغط على شكل مظاهرات جديدة لأهالي المحتجزين الإسرائيليين في غزة، أو ربما تحصل تطورات أخرى.

لكنه اعتبر أنّه يجب أن يكون واضحًا أن نتنياهو هو الذي يعرقل التوصل إلى اتفاق ويتراجع عن اتفاقات تمّ التوصل إليها في باريس.

"كلام بايدن يندرج في خانة الرسائل"

وتوقف بشارة عند التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي جو بايدن، والتي قد تكون جديدة من نوعها، كقوله إنّ الهجوم الإسرائيلي تجاوز الحدّ، أو أنه يعمل للتوصل إلى "هدنة دائمة"، لكنّه اعتبر أنّ هذا الكلام ما يزال يندرج في خانة الرسائل، ليس إلا.

وقال: "هذا كلام نظري يشبه حديثه عن الدولة، وكأنه يقول مشاعره، لكنه لا يوجّه إنذارًا أو تحذيرًا حقيقيًا لنتنياهو، وبالتالي فهو ما زال يشبه النصائح أكثر ممّا يشبه التعليمات". وأضاف: "ربما يكون قناعة حقيقية عند الأميركيين أنهم تورطوا وهم نادمون في دعم شخص بدون تحفظ وتكرار كلامه كالببغاء وتأييد كل ما قام به ثم اكتشاف أن هذا الشخص غير وفي وناكر للجميع ولا يعرفون الآن ماذا يفعلون ولذلك يكتفون بالكلام كنوع من التذمر".

وذكّر بشارة بما قاله نتنياهو قبل أسبوع في ردّه على وزراء اليمين الذين يُعتقَد أنه هو من حرّضهم أصلاً للهجوم على بايدن، حين أشار إلى أنه "يعرف" ماذا يفعل مع الولايات المتحدة، مشدّدًا على أنّ النقد الأميركي لا يصل إلى درجة التحذير أو الإنذار، علمًا أنّ ذلك حصل مرّة واحدة عام 1956، حين ضربت الولايات المتحدة على الطاولة، لكنّ العلاقات يومها لم تكن كما هي اليوم.

وأكّد بشارة أنّ عامل الانتخابات الأميركية أساسيّ في هذه المعادلة، ولا سيما أنّ الإدارة في حالة "ورطة" إن جاز التعبير، فالتراجع أصبح صعبًا من دون إغضاب فئات من المؤيدين لإسرائيل، كما أنّ المضيّ قدمًا أصبح يغضب كل العرب والمسلمين في الولايات المتحدة.

ورأى أنّ الرئيس جو بايدن يحاول لذلك أن يرضي لفظًا العرب والمسلمين، معتبرًا انطلاقًا من ذلك، أنّ كلامه يوجَّه لتهدئة الخواطر للعرب والمسلمين، في حين أنّ الكلام الحقيقي الذي يقال هو التنبيه من التصويت للرئيس السابق دونالد ترمب لأنّه تبعاته ستكون "أسوأ".

ماذا قدمت الحرب للإسرائيليين؟

وبالحديث عن "اليوم التالي" بالمفهوم الإسرائيلي، جدّد الدكتور بشارة القول إنّ الإسرائيليين يدركون أنّ فكرة القضاء على حماس غير قابلة للتطبيق كحركة سياسية وتيار فكري، لكنّهم يتحدثون عن القضاء على الجناح العسكري المتجسد في كتائب القسام وفصائل المقاومة عمومًا.

وأشار إلى أنّ ما يهمّ الإسرائيليين ألا تكون حركة حماس وسائر فصائل المقاومة قادرين على السيطرة على قطاع غزة مستقبلاً، وهم ما زالوا يصرّون على أن هذا الهدف واقعي إذا أعطوا المجال، من دون مهل محدّدة، وهم يتحدثون عن أشهر وربما سنة، "ويجب أن نأخذ هذا الكلام بجدية".

لكنّ بشارة أعرب عن اعتقاده بأنّه يمكن وقفهم بطبيعة الحال، فالثمن الذي يدفعونه فادح، سواء على مستوى هيبتهم التي فقدت، أو على مستوى صورة المقاومة الناصعة في المقابل. إلا أنّه أشار إلى أنّ السؤال هنا هو حول الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الأخرى، وما إذا كانت مصر مثلاً ستتصدّى لاحتمال الهجوم على رفح.

وأوضح أنّ قدرة الإسرائيليين ليست غير محدودة وتوجد مقاومة حقيقية، وبالتالي فهم لن يدخلوا بسهولة وينتهي الأمر، إذ توجد مقاومة تساعد العالم على المواجهة، كما أنّ مدة الحرب تفوق أكثر تقديراتهم تشاؤمًا، ما يعني أنّ العالم لديه وقت لوقفهم خصوصًا أن هناك قضية إبادة جماعية حقيقية.

مع ذلك، أعرب بشارة عن اعتقاده بأنّ الإسرائيليين ماضون في غيّهم حتى النهاية التي أمل أن تكون نهاية الاحتلال وليست نهاية المقاومة. وتحدّث في هذا السياق عن مؤشّرات لافتة برزت في الآونة الأخيرة، كانتشار المقاومة من جديد في وسط وشمال غزة، وكذلك انتشار بعض أوساط الموظفين المدنيين في القطاع، وهو ما وصفه بالأمر المدهش بالنسبة إلى إسرائيل.

وفيما أعرب عن اعتقاده بأنّ الإسرائيليين لن يصلوا في كل الأحوال إلى درجة القضاء على المقاومة، لفت إلى أنّهم يريدون الوصول لدرجة "القدرة على الإعلان أنّهم حققوا أمرًا ما"، وبالتالي التمهيد لدخول سلطات مدنية لحكم القطاع تحت إشراف الاحتلال، وبالتالي تطبيق نموذج الضفة في غزة بشكل أو بآخر.

لكن بشارة رأى أن إسرائيل لن تنجح في ذلك، إلا أنّه نبّه إلى أنّها استطاعت في المقابل تحقيق جزء أساسي من هدفٍ آخر مهمّ جدًا من الحرب، وهو جعل غزة غير صالحة للحياة، وهو ما يشمل المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن وأماكن العمل.

وقال: "الغزاوي بعد وقف إطلاق النار سيجد نفسه في بلد ليس فيه مأوى ولا عمل ولا مستشفى ولا مدرسة ولا جامعة، وفي مثل هذه الحالة يعتقد الإسرائيليون أنّ الهجرة القسرية ستحصل"، مضيفًا: "هذا هدف أساسي من أهداف الحرب وليس هدفًا عارضًا أو جانبيًا، وذلك يقود بالضرورة إلى الإبادة".

وفيما اعتبر خروج عمال إغاثة وشرطة مدنية من حين لآخر عامل "بطولة"، شدّد على أنه ليس دليلاً على "أنهم لم يصحّروا غزة في الحقيقة".

وإذ رأى أنّ الشعب الغزاوي أثبت في كل سلوكه حتى الآن أنه يحافظ على هيبته وكرامته، بدليل أنه لم تحصل ظواهر حرب أهلية أو سلب أو نهب، شدّد على وجوب التحضير للمرحلة بين وقف إطلاق النار وإعادة البناء، والتي وردت في الورقة التي قدّمتها حركة حماس.

وأوضح أنّ هذه مرحلة مهمّة، "يجب أن يعيش فيها ملايين دون أن يهاجروا"، مشدّدًا على وجوب أن تكون هنالك قوى كافية من الدول العربية والغربية للمساعدة في ذلك.

مطلوب إنذار مصري

بالانتقال إلى التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بعملية عسكرية ضدّ مدينة رفح، لم يستبعد المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حصول مثل هذه العملية قبل شهر رمضان، إذا لم يحصل إنذار مصري لإسرائيل، وليس عبر مجرد تسريبات صحافية.

وشدّد على أنّه لا يوجد لحركة حماس أي دافع لتقديم تنازلات أكثر إذا لم ينته الأمر إلى وقف إطلاق نار، لافتًا إلى أنّ الأمر الرئيسي الآن هو التخفيف عن السكان في غزة، ومن دون وقف لإطلاق النار لا يمكن أن يتحقق ذلك، ومستبعدًا أن يؤدي الضغط العسكري إلى تنازلات.

وشدّد على أنّ المطلوب لوقف الهجوم على رفح إنذار مصري علني واضح أنّ الذهاب إلى رفح هو إنهاء لمعاهدة السلام. وشرح في هذا السياق بأنّ اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل تمنع الأخيرة من الدفع بفرق عسكرية إلى رفح، وبالتالي فإنّ إسرائيل ستخرق الاتفاقية في حال الهجوم.

وقال: "يجب أن يقال هذا الكلام وأن يكون هناك تحذير واضح، ولا يجب أن يقتصر التحذير على موضوع التهجير، وكأنّ كلّ ما عدا التهجير مقبول في وقت نرى حجم المذبحة والإبادة التي تجري".

وأشار ردًا على سؤال، إلى أنّه لا يدرك سبب إحجام المصريين عن تقديم مثل هذا الإنذار، قائلاً: "ربما لا يريدون الالتزام بنتائج هذا الإنذار، أو ربما ينتظرون أن تقضي إسرائيل على المقاومة". وأضاف: "لا أدري كيف يفكر الجيران العرب لفلسطين".

ولفت في هذا السياق، إلى أنّ الذبح مستمرّ في خانيونس لكن يجري إلهاء الناس بالحديث عن رفح، للالتفات ربما عمّا يجري الآن. وأعرب عن اعتقاده بأنّ الإسرائيليين سيحاولون احتلال غزة كاملة قبل أن يعلنوا تحقيق "إنجاز ما".

رفح ومحكمة العدل الدولية

وبالحديث عن الهجوم على رفح، انتقد بشارة ما وصفه بـ"النصيحة العجيبة" التي يقدّمها الأميركيون للإسرائيليين حين يطلبون منهم الدخول "بخطة واضحة". ولفت إلى أنه لم يلاحظ خلافًا بين المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل حول رفح، مشيرًا إلى أنّ الأطراف جميعها متفقة على إنهاء الجناح العسكري لحركة حماس، "وربما يكون هناك عدم اتفاق على توقيت الهجوم".

لكنّه مع ذلك تحدّث عن بعض المؤشّرات على وجود بعض الخلافات، كاعتراض نتنياهو مثلاً على لقاء وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن مع رئيس الأركان الإسرائيلي ليسمع منه مباشرة تقديراته للوضع العسكري، وكذلك قول الأميركيين إن كلام نتنياهو غير صحيح عن القضاء على ثلثي قدرات حماس.

وردًا على سؤال عن السجال الذي حصل حول معبر رفح، بعد تصريحات الرئيس الأميركي بهذا الشأن، والردّ المصري، قال بشارة إنّه ما زال يعتقد أنّ التعامل مع المعبر ومع دخول المساعدات عبره والتحكم بها، "هي أوراق تُستخدَم في الضغط".

وفيما ذكّر بقرارات القمة العربية الإسلامية التي عقدت في العاصمة السعودية الرياض، وكذلك ما صدر عن محكمة العدل الدولية لجهة ضرورة إدخال المساعدات والإغاثة، رأى أنّ لا شيء يفسّر عدم تنفيذ هذه القرارات سوى وجود "سبب سياسي"، على طريقة الإمساك بورقة سياسية للضغط.

ومع تأكيده أنّ إسرائيل تتجاهل بسلوكها قرارات محكمة العدل الدولية في دعوى جنوب إفريقيا ضدّها، بدليل أنّ ممارستها تصبح مع كل يوم يمرّ أسوأ من الذي سبقه، قال إن فريق المحامين يعمل على إعداد تقرير تنفيذًا للقرار، لكنّه تقرير يقوم بمجمله على النظريات.

وقال: "إذا كانت المحكمة تريد منهم أن يأخذوا إجراءات لضمان عدم استهداف المدنيين، فإن التقرير سينصّ على أنّهم أخذوا إجراءات وأصدروا تعليمات، وهذه لغة القوانين". وأضاف: "هنا يأتي دور تقارير هيئات حقوق الإنسان لتقول هذا غير صحيح وأنّ القتل ازداد، وقضية الطفلة هند مثال واضح على ذلك".

وبالمجمل، اعتبر بشارة أنّ الهمجية والوحشية الإسرائيلية لا حلّ لها، لافتًا إلى أنّ هذا النوع من التوحش فيه دناءة شخصية ورداءة أخلاقية على مستوى التعدّي على الأطفال والمستشفيات وقتل الناس، حتى إنّ جنود الاحتلال يفاخرون بجرائمهم على منصّات التواصل الاجتماعي".

"حزب الله وإيران ليسا معنيان بالحرب"

وتطرق بشارة في ختام الحديث إلى التطورات على مستوى الجبهة الشمالية، حيث أكد وجود تصعيد إسرائيلي ممارَس ومُعلَن، "لإدراك إسرائيل أنّ حزب الله ليس معنيًا بالحرب وإيران ليست معنية بالحرب".

وقال: "هم مدركون لذلك بعد فترات من التجربة والخطأ، ولذلك هم يصعّدون، ويقابل ذلك تصعيد مقابل قدر الإمكان".

أما عن تطورات الجبهة ما بعد الحرب، فأشار بشارة إلى وجود علامات استفهام عدّة، معربًا عن اعتقاده بأنّ الإسرائيليين سيضغطون لتطبيق القرار 1701 ولترسيم الحدود البرية كما رُسّمت الحدود البحرية، معتبرًا أنّ ذلك سيمنح إسرائيل المجال لتقديم تنازلات، قد يكون الانسحاب من مزارع شبعا من بينها.

وفيما سأل إن كان اللبنانيون، وتحديدًا "حزب الله"، سيوافقون على مثل هذه الصفقة، لفت إلى أنّ كل السيناريوهات واردة، إذ إن أحدًا لم يكن يعتقد أن حزب الله سيوافق على ترسيم الحدود البحرية مثلاً، لكنه وافق.

ورأى أنّ إيران فقدت بعضًا من مصداقيتها على مستوى العالم العربي والإسلامي نتيجة لسلوكها ما بعد عملية طوفان الأقصى، متحدّثًا عن محاولة جدية لتثبيت نفوذ في العراق، لكن الردود الأميركية لا تشي بالموافقة على ذلك. إلا أنّه وضع ما يحصل على هذا الصعيد، في سياق المعارك التي كانت قائمة أساسًا منذ ما قبل 7 تشرين الأول.