"عبرنا جسرا فاهتز".. كتاب يروي قصص لاجئين سوريين

تاريخ النشر: 16.04.2021 | 12:45 دمشق

إيفانستون راوند تيبل- ترجمة: ربى خدام الجامع

كانت ويندي بيرلمان، وهي أستاذة بالعلوم السياسية في جامعة نورث ويسترن المتخصصة بالشرق الأوسط، المتحدثة في المحاضرة التي عقدت بتاريخ السادس من نيسان الجاري ضمن سلسلة محاضرات ليفي، وقد وصفت في محاضرتها العالم المصغر الذي قدمته في كتابها الثالث تحت عنوان: "عبرنا جسراً فاهتز: أصوات من سوريا" والذي نشر في عام 2017. وهذا الكتاب هو عبارة عن مقتطفات منتقاة بعناية من مئات المقابلات التي أجرتها الدكتورة بيرلمان مع لاجئين سوريين ما بين عامي 2012-2016.

 

 

فطلاقة الدكتورة بيرلمان باللغة العربية سمحت لها بإجراء مقابلات دون مساعدة مترجم، وقد جرت تلك المقابلات الشخصية ذات النهايات المفتوحة في الأردن وتركيا ولبنان وألمانيا والسويد والإمارات والدنمارك والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. وحسبما ذكرت كان الوضع بغاية الخطورة، لذا لم تستطع إجراء مقابلات مع أشخاص في سوريا لأن الوضع لم يكن آمناً وقتها.

ويهدف هذا الكتاب إلى تمثيل أصوات أشخاص عاديين وجدوا أنفسهم في خضم الحرب التي شنها النظام على الشعب السوري، فقد بلغ عدد سكان سوريا قبل 2011، 23 مليون نسمة، ولكن منذ أن اندلعت الحرب أجبر 11-12 مليون سوري على النزوح من بيوتهم بصورة قسرية، وصل منهم نحو سبعة ملايين شخص إلى دول أخرى في الشرق الأوسط (5.6 ملايين نسمة)، وإلى أوروبا (مليون واحد) وإلى أميركا الشمالية. ومعظم هؤلاء اللاجئين –وليس كلهم- لا يؤيدون نظام بشار الأسد.

وقُتل أكثر من نصف مليون سوري، الغالبية الساحقة بينهم من المدنيين، خلال السنوات الـ 10 الماضية.

ولهذا فقد رتبت الدكتورة بيرلمان محاضرتها حسب التسلسل الزمني، حيث أطلقت على المرحلة الأولى اسم: (الاستبداد) وهي مرحلة أسست للخوف الذي انتاب غالبية السوريين الذين عاشوا تحت حكم حافظ الأسد، الذي وصل إلى السلطة عبر انقلاب وذلك في شهر تشرين الثاني من عام 1970.

وطوال ثلاثين عاماً، حتى وفاته في عام 2000، عاش السوريون وضعاً اقتصادياً مقبولاً، لكن رئيسهم خلق أجواء الرعب، إذ لم يكن يبدي أي تسامح مع من ينتقده، وهو من أسس الدولة الأمنية القائمة على الحزب الواحد، كما أنشأ العديد من أفرع المخابرات في الداخل، والتي أخذت تراقب وتفحص وتعاقب المواطنين العاديين وكذلك موظفي الدولة ممن يتجرؤون على انتقاد سياسات حافظ. كما كان هنالك جواسيس ومخبرون في كل مكان، ولهذا أصبحت مقولة: "لا تحكي.. الحيطان إلها أدان" قاعدة عامة بين صفوف الشعب حينها.

ولقد أغرق حافظ قوات الأمن بالموالين له واحتفظ بالمواقع القيادية لأبناء جلدته من العلويين. وبذلك حكم البلاد بالترهيب والطاعة، إلا أن أحداً لم يعد يثق بأحد وقتها، كما أن الخطر الذي يستهدف شخصياً وجسدياً كل من ينتقد الأسد قد أسكت أصوات معارضيه.

تغيرت الأمور في عام 1982، وذلك عندما ظهرت أكثر جماعة متمردة تنظيماً في سوريا، ألا وهي جماعة الإخوان المسلمين، والتي قادت تمرداً في مدينة حماة، فأتى رد الأسد عبر تسوية أجزاء كاملة من تلك المدينة بالأرض من خلال قصفها من الجو، أو بالدبابات، كما أخذت حشود من الجنود تقتحم البيوت، بيتاً بيتاً، بحثاً عن الثوار. وهكذا قتل الآلاف من المدنيين، وأصبحت الصدمة التي ترتبت على تدمير مدينة حماة فيما سمي وقتها بالأحداث، مصدر خوف ورعب لجيل كامل من السوريين على الأقل، لذا لم يعد أمام هؤلاء سوى السكوت والإذعان.

مات حافظ في عام 2000، فخلفه ابنه بشار، وهذا ما زرع الأمل بين الناس في بداية الأمر، كونه أسس لسياسات أكثر حداثة شملت الإصلاح الاقتصادي، ولبرلة التجارة، والخصخصة. وما هي إلا أشهر حتى أثرت الدائرة المقربة من بشار وكذلك جميع أفراد عائلته ثراء فاحشاً، في الوقت الذي كانت فيه بقية الشعب تعاني بسبب الحصول على معونات الدولة ورواتب متوسطة، وكذلك من الجفاف وارتفاع نسبة البطالة، ناهيك عن الفقر الذي انتشر في كل مكان.

وهكذا أصبح الفساد والمحسوبية والرشى تمنح للمقربين وليس للأكفاء، إذ أصبحت الطريقة الوحيدة للتطور في تلك البلاد تتمثل في إظهار الولاء للنظام. وبذلك انتقل الطموح إلى رحمة الله، في الوقت الذي ازدهر فيه القمع. ثم تجرأ بعض السوريين على المطالبة بالمزيد من الفرص والحريات في مجال الاقتصاد، إلا أن الغالبية كانت تخشى من المطالبة بذلك.

أتى الربيع العربي في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011، حيث بدأ بتونس، ثم مصر، بعدهما ليبيا. كان الشعب السوري يراقب وقتها ما يجري، ثم بدأ يحلم... فخرجت مظاهرات سلمية طالبت بالمزيد من الحريات، وساعدهم الفيس بوك في نشر المعلومات، ثم انتشرت المظاهرات وامتدت لتعم كل المناطق في سوريا، ومع مرور الوقت أخذت الحشود تكبر أكثر فأكثر، ثم انكسر حاجز الخوف.

وصف اللاجئون مراراً وتكراراً تجربة المشاركة في مظاهرة والهتاف للحرية على أنها تجربة غيرتهم. إذ ذكر أحدهم إحساسه عند المشاركة في أول مظاهرة بأنه كان أجمل من يوم عرسه (وعندما سمعت زوجته بذلك لم تعد تكلمه طوال شهر كامل). كما أن هنالك إحساساً لذيذاً بالتفاؤل، في حين اعترف لها شخص آخر بأنه هو وزوجته وابنته بمجرد أن شاركوا في مظاهرة واحدة ما لبثوا أن تحولوا إلى مدمنين على التظاهر.

وخلال الأشهر الأولى للمظاهرات، أتى رد نظام الأسد عبر الحل العسكري والعنف، حيث أخذ رجال الشرطة يضربون المتظاهرين ويعذبونهم ويغتصبونهم ويستخدمون كل ذلك كسلاح حرب، ناهيك عن تفتيش البيوت والاعتقال. ثم أخذت قوات الأمن تهاجم المظاهرات وتطلق عليها النار، فأتى رد جماعات الثوار بالمثل. ثم تورطت جماعات أخرى من خارج سوريا في هذا النزاع، حيث أخذت ترسل السلاح والدعم المالي، فتوسع النزاع وتحول إلى حرب شاملة.

كما أخذ نظام الأسد يستهدف المدنيين بالقصف الجوي والبراميل المتفجرة والدبابات والأسلحة الكيماوية، لدرجة أصبحت معها تلك الهجمات أمراً شائعاً، ومع ذلك تحولت مسألة العيش في منطقة حرب إلى أمر طبيعي.

فلقد عرضت الدكتورة بيرلمان صورة لأم مع ابنتها وهما تقشران حبات البطاطا في شرفة تطل على جزء من مدينتهما، كانت جميع الأبنية خلفهما قد تدمرت جدرانها المطلة على الشارع، وبذلك أصبحت جميع الشقق في تلك الأبنية معرضة للعوامل الجوية وخالية من أي مظهر من مظاهر الحياة.  

أما الذين استطاعوا الخروج من سوريا فيحاولون التأقلم مع بلدانهم الجديدة، وتعلم لغات جديدة، كما يسعون لكسب لقمة العيش هناك، إذ قالت امرأة للدكتورة بيرلمان: "إن مشكلتنا ليست بالموت بل بالحياة بلا كرامة. ولو كنا نعلم ماذا تخبئ لنا الأيام، لكنا رفضنا الخروج من بلدنا، ولكننا أتينا، ولا يمكننا الرجوع الآن، أي أنه ليست هناك طريق للعودة".

بعد مرور عشر سنوات، انتهت الحرب من الناحية الاصطلاحية للكلمة، حيث استعاد الأسد وقواته السيطرة على الأراضي التي كانت بيد الثوار، ولكن ما الثمن الذي دفع مقابل ذلك؟ لقد تهدمت الغالبية الساحقة من الأبنية في سوريا، كما تهجر الملايين من السوريين، وهنالك نصف مليون أو يزيدون قتلوا بسبب الحرب، ناهيك عن التضخم الذي تفشى إلى أبعد الحدود. أما من يخاطر بالعودة إلى بلده من اللاجئين فيمكن أن يتعرض للاعتقال والحبس والتعذيب أو الاختفاء القسري، لتنقطع أخباره إلى الأبد.

لكن للأسف، ليست هنالك أجوبة جاهزة ولا طريق واضح حيال ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا.

المصدر: إيفانستون راوند تيبل