عابد سرير

تاريخ النشر: 25.09.2021 | 06:38 دمشق

آخر تحديث: 25.09.2021 | 06:58 دمشق

انتشرت في الشعر العربي الحديث الرموز والأساطير الإغريقية والرومانية، بناموس المغلوب يُتبع الغالب في حركات الإعراب المفرد والمثنى والجمع، وزادت غربة الشعر عن الناس مع أنّ الشعر ديوان العرب، فهو سجل وقائعهم وأيامهم، واشتهر أبطال الإغريق وشرّارهم في نصوص الشعراء التي تحتاج إلى معجم أساطير لتفسيرها، واشتهرت شخصيات أسطورية مثل نرسيس وميدوزا وبروكرست قاطع الطريق الشهير، حتى بلغ منزلة سنؤجل ذكرها حتى لا يفسد المقال.

حسب الأسطورة فإن بروكرست هو ابن بوسيدون، وكان معقله الحصين في جبل كوريدالوس الموجود على الطريق بين أثينا وإلفسينا، وكان يملك سريرًا حديديًا، ويضيف العابر ويحسن ضيافته، ويدعوه إلى النوم في هذا السرير.

إذا كان الضيف أطول من السرير قام بروكرست بقطع أرجله ليتناسب مع السرير، وإذا كان أقصر من السرير مطّ جسم الضحية حتى تنخلع مفاصله

بروكرست إلى جانب كونه كريمًا ومضيافًا ومغيثًا للملهوف، كان عادلًا أيضًا وحريصا على أن يناسب طول الضيف السرير، فإذا كان الضيف أطول من السرير قام بروكرست بقطع أرجله ليتناسب مع السرير، وإذا كان أقصر من السرير مطّ جسم الضحية حتى تنخلع مفاصله. ولم يكن لضيف أن ينجو من هذا المصير المرعب. استمر بروكرست بجرائمه المروّعة حتى ألقى القبض عليه سيسوس وأخضعه لنفس ما أخضع له ضحاياه، فأضجعه على سريره، والجزاء من جنس العمل.

يقول الباحث فاضل الربيعي أن أكثر الآلهة الإغريقية عربية هاجرت إلى أثينا فتبنّوها، بوسيدون مثلًا هو أبو صيدون، أبولو هو هبل.. وما يهمنا هنا هو سرير قاطع الطريق الشهير الذي اقتبست منه آلات تعذيب شهيرة مثل بساط الريح والدولاب والمخلعة... ثم سبق القتلة المعاصرون بروكرست وبذّوه في التعذيب، فأخضع قطاع الطرق الذين يلبسون أزياء حكومية ويتكلمون باسم الدولة والوطنية الضيف إلى تعليقه من اليدين ومنعه النوم وحشر عشرات المعتقلين في زنزانة واحدة، أكثر الاعتقالات السورية كانت لشرب فنجان قهوة، هناك عبارة لا يماري فيها كثيرون وهي أن الوطن العربي معتقل كبير. اذهب وانظر إلى المطار السوري، الرحلات محجوزة لشهر كامل هربًا من قاطع الطريق إلى المستقبل.

لم يعرف العرب في جاهليتهم مثل هذا التعذيب الذي اصطنعه بروكرست، وهو أصل أفلام الرعب الأميركية، ثم دارت الأيام فوجدنا بروكرست سيدًا للدولة ورئيسًا لها، ويصدر قوانين تشبه سرير بروكرست، لا يمكن العيش فيه ولا النوم عليه إلا بحيلة قانونية أو تمزيق  للضمير، الرئيس الذي أصدر دستورًا صنعه على عينه، ما يلبث أن تطول قامته السياسية، فيغير الدستور حتى يناسب قامته وإقامته في القصر الجمهوري، ثم تحولت بلاد عربية كثيرة إلى حواجز يقف عليها قطاع الطرق ويطلبون من الرعايا الهويات للجباية والتخويف، لا يخلو طريق مصري ولا سوري من حاجز يقطع الطريق، حتى قيس سعيد أمسى يعتقل الناس في المطار بمن فيهم نواب البرلمان بعد نزع حصانتهم لأنهم غير متناسبين مع مقاس النظام.

 خذ هذه الأمثلة:

أمس صدرت أحكام سعودية بالسجن 10 سنوات على الداعية المعروف ناصر العمر، المعتقل منذ نحو أربع سنوات. أبلغ الضحية قاضي المحكمة الجزائية المتخصصة بعفو له من الملك، إلا أن الأخير رد عليه بأن هذا العفو لا يشمل تغريدات قديمة له، بالإضافة إلى جريمة استضافته رئيس المكتب السياسي لحركة حماس سابقًا خالد مشعل. مُدّدت "مفاصل" حكم الداعية عمر المقبل إلى 4 سنوات، لتناسب القانون بعد أن كانت المحكمة الجزائية المتخصصة قد أصدرت ضده حكمًا بالسجن مدة 6 أشهر فقط. يشار إلى أن السلطات السعودية اعتقلت العديد من الدعاة بعد وصول ولي العهد محمد بن سلمان إلى السلطة، في مقدمتهم سلمان العودة، وعلي العمري، وعوض القرني.

في مصر اعتقل قاطع الطريق عشرات الآلاف من المصريين، أما سوريا فهي الأسوأ عربيًا، النظام يدعو الشعب إلى العودة إلى حضن الوطن، فيختفون، لم تكن ضحايا بروكرست تختفي، كانت تطول أو تقصر من غير حرارة أو برودة.

جرى تطوير سرير بروكرست مع هتلر وستالين إلى حزب وإلى دولة وأمسى له مفكرون مثل نيتشة وجورج برناردشو وأحمد أسكندر سليمان

بالأمس حذّرت منظمة العفو الدولية، في تقرير متأخر أربعين سنة بعنوان "أنت ذاهب إلى موتك"، طالبت فيه الدول الغربية التي تستضيف لاجئين سوريين بألَّا تفرض عليهم العودة القسرية إلى بلدهم، مؤكدة أن سوريا ليست مكانًا آمِنًا لترحيل اللاجئين إليها، وأن من شأنها أن تعرّض العائدين لخطر الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري (تعابير المنظمة شديدة الرقة)، والتعذيب وغيره من ضروب "المعاملة السيئة"، بما في ذلك العنف الجنسي. وكشفت المنظمة الدولية عن "انتهاكات مروّعة" ارتكبتها قوات أمن النظام بحق 66 لاجئًا، بينهم 13 طفلًا عادوا إلى سوريا منذ عام 2017 حتى العام الحالي، وأكدت وفاة 5 أشخاص خلال احتجازهم، فيما لا يزال مصير 17 شخصًا من المختفين قسرًا مجهولًا.

جرى تطوير سرير بروكرست مع هتلر وستالين إلى حزب وإلى دولة وأمسى له مفكرون مثل نيتشة وجورج برناردشو وأحمد أسكندر سليمان إلى أن ظهرت أفكار تحسين النسل والقتل الرحيم.

تقول أسطورة بروكرست إنه كان يحب المساواة والتناسب والتجانس مع السرير مثل الرؤساء العرب الذين يقدسون السرير، بروكرست هو جدهم الأول، والسرير هو الوطن.