طوبى للراحلين

تاريخ النشر: 24.02.2021 | 00:02 دمشق

" تعيش وتاخد عمر" بهذه الكلمات حاولت أن أواسيه بمصابه وأنا أعرف أنها ربما لا تجدي نفعاً وأنها مجرد لغو اعتدنا على تكراره، من دون أن نذهب بعيداً في معناه الحقيقي، لكنه قاطعني قائلاً: لا أريد أن آخذ عمره كنت أريد له أن يحياه".

أجبرني رده أن أكف عن الثرثرة وأن أتمعن في كلمات لطالما رددناها مثل ببغاوات حمقاء، قافزين بها فوق عجزنا أمام الموت.

لم أكن في حالة تسمح لي بالحزن كان علي أن أجتهد في مواساته، وبالرغم من أنني كنت أشعر بغطبة سرية تجاه كل من لم يستطع الاستمرار بشبه الحياة التي يعيشها إخوتنا في الداخل السوري فاختاروا خلاصهم بالموت، إلا أن غصة ما كانت تقف في حنجرتي وتشعرني أننا مسؤولون جميعا عن العبء الذي يرزحون تحته.

ربما هو شعور بالذنب ناتج عن تداعيات التهشمات النفسية التي يعاني منها معظمنا من جراء الكوارث التي ألمت بنا، فمن منا كان قادراً على تغيير سيناريو المأساة السورية وامتنع؟ لذلك فإن أكثر ما استطعنا تقديمه هو أن نكون سعداء لخلاصهم وفي هذا على ما أعتقد شكل من أشكال انعدام العدالة ليس تجاه من يعانون فقط وإنما تجاهنا نحن العاجزون أيضاً الذين نمنّي أنفسنا بالراحة الأبدية.

لقد استسلم معظم الراحلين في النهاية وقرروا التخلص من عبء الانتظار ووهم الأمل، فذهبوا تاركين خلفهم قصصهم وأحلامهم المبتورة

استمرت ثنائية عجزنا وألمهم المتفاقم بالتربص بنا في معظم تفاصيل حياتنا، حتى أصبح الموت مطلباً وأمنية لكل منا وحلماً صعب التحقق في بلاد تكتم أنفاسك كل يوم وتغتال ما تبقى منها.

لقد استسلم معظم الراحلين في النهاية وقرروا التخلص من عبء الانتظار ووهم الأمل، فذهبوا تاركين خلفهم قصصهم وأحلامهم المبتورة ليتألم بها العاجزون أمثالنا ويغبطوا شجاعتهم في التخلي عن شكل الحياة غير اللائق الذي أصبحنا محكومين به. 

ماذا جلب لنا الأمل سوى الخيبة فعلاً؟ لقد أصبح له مفعول المخدر الذي يدخلنا في سبات عميق عقيم مثل الوقت الذي ننفقه في انتظار تحققه.

لكم الحق في أن تصفوا هذه الأفكار بالسوداوية ولكم أن ترفضوها، لكن من الحكمة أن نقف على أرض ثابتة ونحاكم أحلامنا بواقعية لا أن نطير على غيمة عمياء تصطدم بأول جبل، على أن صوتنا الداخلي يحكمنا بأن نرفض أن نحاكم أحلامنا بقسوة الواقع الحقيقي، ذلك أن في تلك الفكرة وحدها وأد لأحلامنا قبل أن تولد، فهي ما منحت الكائن البشري رغبة في الاستمرار ومحاولات البقاء وربما ندين لها بالنجاة حتى هذا اليوم.

لقد دفعنا لبقائنا على قيد الحياة أثماناً كبيرة كي نضمن سلامة النوع على حساب القيمة، ذلك أن أكثر ما اتخذه سلوك الإنسان البشري في المدنية التي ادعاها، هو تقليم أظافره وتشذيب شعره وإجراء عمليات تجميل لأسنانه، في محاولات فاشلة لإخفاء مخالبه أو تحسين شكلها.

إننا محكومون ككائنات أن نصارع من أجل البقاء، وفي هذا مازال العالم يثبت أنه مستمر في معركة الاصطفاء فيبقى الكائن الأكثر قدرة على التحول أو الأقدر على التأقلم وما زال الضعفاء يخوضون تلك المعركة بإعياء رافض لأدوات المعركة المباحة.

والضعفاء هنا لا تعني بالضرورة الأقل قدرة، إنما هم أولئك الرافضون لاستخدام أدوات البقاء الجديدة التي تحتاج جسارة وبأساً لاستخدامها والتعامل معها، فقد خرجنا من الغابة إلى الحياة المدنية منذ زمن بعيد لكن المجريات تثبت أننا حملناها في داخلنا جميعاً.

فالجنس البشري ما زال يقتات على لحم بعضه بعضاً وليس بوسع الفقراء والصالحين الذين لا يملكون من الوحشية ما يجعلهم يمتلكون مزايا البقاء، الذين يرفضون أن يكونوا سمكاً صغيراً ليزينوا موائد الأقوياء القادرين، سوى النأي بأنفسهم عن هذه المعركة والخروج من الجبهات.

ربما لهذا يموتون في مقتبل أعمارهم بأزمات قلبية أو يعمرون مع أمراض عضال، ربما لهذا يرحلون من دون تلويحة وداع وهم يشفقون علينا، نحن الذين ما زلنا نهرب من نهايتنا المحدثة والوشيكة والمحتومة.

من منا يستطيع أن يعلم مدى الضغوط التي يرزحون تحتها، تلك التي لا يستطيعون البوح بها بسبب عزة النفس أو بدعوى عدم استجرار الشفقة.

حدثتني صديقة لي منذ فترة ازدهار جراحة التجميل في سوريا وحجم الأموال التي تنفق عليها، واتساع الهوة بين طبقات المجتمع وظهور طبقة من الأثرياء والمتنفذين على السطح، بينما يموت إخوتنا من الجوع والبرد في أماكن أخرى، كنت أسمعها وأنا غير مذهولة ولا تعتريني الدهشة أليست تلك النتائج الطبيعية للكارثة السورية المستمرة.

يموت أصدقاؤنا هنالك واحداً تلو الآخر، يرحلون غير آسفين على المستنقع الذين نجوا منه، تاركين لنا الأسى والألم والشعور بالعجز، كلما مات أحدهم كانت نجمة تسقط من القلب، فجأة تحول العالم إلى صفحة نعوات، الموت يحيط بنا من كل جانب وربما كان هو الشيء الوحيد الذي رافقنا في المنافي وطيب خواطرنا وربت على أكتافنا راحماً إيانا من لعنة هذا العالم.

تفقد البلاد أبناءها الطيبين أو تأكلهم أو تقتات على فتات أجسادهم كل ذلك سيان، فالأوطان أيضاً أصبحت حيتاناً تأكل السمك الصغير العاجز عن امتلاك مقومات البقاء.

لقد جعلت منا المأساة شعوباً لا تخاف الموت ولا تريد منه مفراً ليس بسبب شجاعتنا وإنما لأننا اعتبرناه تميمة تستطيع أن تنقذنا

بين موت هناك وموت هنا يتملكنا شعور الذنب ونشعر أننا لم نمد لهم يدنا لإخراجهم من تلك الحفرة، بينما نتعامى عن أننا واقعون في الحفرة ذاتها، ربما سبقناهم بدرجة في سلّم النجاة، وكان من واجبنا أن ننطر إلى الخلف لانتشالهم لكن رغبة الحياة كانت تدفعنا نحو الأعلى، غير أننا لم نستطع الوصول ولم نُرِد العودة فكنا أمام خيارين: أن نبقى في المنتصف أو أن نتسابق إلى حتفنا.

لقد جعلت منا المأساة شعوباً لا تخاف الموت ولا تريد منه مفراً ليس بسبب شجاعتنا وإنما لأننا اعتبرناه تميمة تستطيع أن تنقذنا، وجدنا فيه القشة التي نتعلق بها كلما همَّ الغرق بالتغلب علينا، حملناه معنا حيثما ذهبنا وتمنيناه في أوقات كثيرة.

طوبى للراحلين إذن أولئك الذين رفضوا الانصياع لقوانين العالم الجديدة، الذين لم يستسيغوا لحم أبناء جلدتهم ولم تُغرهم السلطة ولا المال ولم يقامروا بطيبتهم وصلاحهم من أجل البقاء، الذين سامحونا ورحمونا من شعور الذنب وكشفوا لنا أن كل المال الذي ينفق على التجميل في هذا العالم لم يستطع أن يغير قباحة وجهه الحقيقي.

كلمات مفتاحية