ضحايا الأنظمة ليسوا مجرمين

تاريخ النشر: 13.04.2022 | 07:44 دمشق

آخر تحديث: 13.04.2022 | 07:50 دمشق

كل يوم تقريبا نسمع ونقرأ أخبارا عن عائلات تبيع واحدا أو أكثر من أبنائها لأسباب مختلفة يتصدر الفقر والجوع أولها، وإن كان الأمر قبل مدة يقتصر على الشعوب التي تعاني من الحروب والصراعات وما ينتج عنها من مشكلات وأزمات اقتصادية واجتماعية كارثية، فإنه حاليا قد أصبح ظاهرة تكاد تكون عامة في كل بلاد العالم الثالث والدول الفقيرة حتى منها تلك التي تبدو كما لو أنها بلاد مستقرة وآمنة.

ولم يعد الأمر يقتصر أيضا على بيع الأبناء، بل بدأت تظهر أخبار هنا وهناك عن جرائم قتل عائلية، مرتكبوها غالبا آباء فقدوا كل وسائلهم لتأمين لقمة عيش أبنائهم، ووجدوا أنفسهم عزلاء ووحيدين أمام وحوش الجوع والفاقة ومتروكين هكذا في العراء يكابدون شظف العيش وكوارث الفقر مع أبنائهم، فلا يجدون من يبتسم لهم سوى الموت يرون فيه ملاذا للهروب من الذل الذي يسكنهم بسبب الفقر والعجز، فيقتلون زوجاتهم وأطفالهم كي يجنبوهم مصيرا يرونه أقسى من الموت ثم يقتلون أنفسهم منهين بذلك معاناة ومكابدات لا يمكن لمن لا يعيشها معرفة قسوتها وجبروتها، ولا يمكن أيضا فهم ما يمكن أن تسببه من خلل واضطراب في الشخصية، خصوصا للرجل/ الأب في مجتمعات تحمل الذكر مسؤولية رعاية أسرته، وتحمله مسؤولية مسار أبنائه وسلوكهم دون أي رحمة أو تفهم للظروف التي يمرون بها في حيواتهم، فيلجؤون إلى السبيل الوحيد المتاح، الموت العائلي وهم يعتقدون أنهم بذلك يحمون أفراد عوائلهم من الجوع أو الانحراف لاحقا بكل ما يحمله الانحراف من وصمة اجتماعية مؤذية.

سنلومهم على إصرارهم على إنجاب الأطفال وهم ليسوا قادرين على تحمل مسؤولية تربيتهم تربية لائقة واحترام طفولتهم وكيانهم، فكيف الحال ببيعهم أو بقتلهم بقصد حمايتهم من الجوع

سيسهل علينا ونحن نقرأ أخبارا كهذه: بيع الأطفال أو قتلهم، تصنيف مرتكبيها في خانة المجرمين، ويسهل علينا إطلاق الأحكام الأخلاقية عليهم من دون أي تأنيب ضمير، فما يقومون به، خصوصا بيع الأطفال، هو أمر بالغ الفظاعة، ويندرج تحت بند تجارة البشر وتجارة الأطفال تحديدا، وربما سنلومهم على إصرارهم على إنجاب الأطفال وهم ليسوا قادرين على تحمل مسؤولية تربيتهم تربية لائقة واحترام طفولتهم وكيانهم، فكيف الحال ببيعهم أو بقتلهم بقصد حمايتهم من الجوع.

والحال أن زيادة النسل وإنجاب مزيد من الأطفال لطالما ارتبط ارتباطا وثيقا بالفقر، معظم الدول والشعوب الفقيرة لا يتوقف أفرادها عن الإنجاب، وتشهد زيادات ملحوظة في عدد سكانها، ومعظم الشعوب التي تعرضت لظروف سياسية واقتصادية أجبرتها على اللجوء في أماكن جديدة أيضا تشهد نسبا ملحوظة في زيادة عدد مواليدها، يرتبط ذلك أيضا بالجهل، فمع الفقر يزداد الجهل وتزداد الرغبة في الإنجاب، حيث يعوض عدد الأبناء عن المال والسلطة، خصوصا لدى الشعوب ذات العلائق الاجتماعية القائمة على الهويات ما قبل الوطنية، أو تلك التي ترى في تحديد النسل خروجا عن إرادة الخالق وكفرا بنعمته،مما يؤدي إلى الازدياد في عدد الفقراء والعاطلين عن العمل والأطفال المشردين والتجارة بهم والتمييز الجنسي وجرائم مختلفة ومتنوعة.

هؤلاء، أفرادا وجماعات هم مجرد ضحايا، وينبغي لمن يرصد سلوكياتهم بغرض البحث أو التوثيق أن يرصدها بوصفها سلوكيات ضحايا لا سلوكيات مذنبين أو مجرمين أو منحرفين

لكن هل يتحمل هؤلاء المسؤولية عما وصلت إليه أحوالهم أو حتى عن جرائمهم إن اتفقنا جدلا على صحة تسميتها بالجرائم؟ سيبدو هذا إمعانا في تقطيع جثة الضحية أو مشاركة في التقطيع، فالفقر والجهل لا يمكن أن يكونا من خيارات البشر، لا أحد يختار ويفضل أن يكون معدما وجاهلا ولا أحد يختار لأبنائه هذا المصير، ما هم فيه هو نتيجة سياسات التهميش والإقصاء والتفقير، سياسات الدول الاستبدادية والمافياوية والفاشلة، سياسات أنظمة ما قبل المواطنة، أنظمة تكريس الهويات الضيقة والصغيرة، أنظمة المحسوبيات والفساد، فساد القضاء وفساد التعليم وفساد الإدارة وفساد الثقافة وفساد الاقتصاد وفساد كل ما يؤدي إلى مجتمعات فاسدة وجاهلة وفاشلة يعيش أفرادها في تجمعات هوياتية مختلفة ويمارسون سلوكيات طقوسية ليست الوطنية ولا المواطنة من أساسياتها، وسيجدون أنفسهم أمام طرق مسدودة ومغلقة محمولة أساسا على سلوك جمعي لا يعترف بالصوابية المجتمعية، ولا فكرة صحيحة لديه عن حال مجتمعات الدول المتقدمة ما يؤدي به إلى رفضها لمجرد الاختلاف عنها، وإلى رفض كل ما جعلها متقدمة وناجحة، واعتبار نقله من مجتمعاتنا هو من أنواع المؤامرة التي تستهدف وجودنا وديننا وإلخ، طبعا تحديد النسل سوف يكون في أعلى رأس هرم المؤامرات، أو إلى التسليم والرضا بما هو عليه واعتباره اختبارا إلهيا، مبعدا المسؤولية عن مسببيها الحقيقيين، لكن هؤلاء، أفرادا وجماعات هم مجرد ضحايا، وينبغي على من يرصد سلوكياتهم بغرض البحث أو التوثيق أن يرصدها بوصفها سلوكيات ضحايا لا سلوكيات مذنبين أو مجرمين أو منحرفين.

مؤسفة ومحزنة صياغة الأخبار في الميديا العربية، عن آباء باعوا أو قتلوا عائلاتهم وأنفسهم بسبب الفقر والعوز والعجز، يصاغ الخبر بطريقة تتم فيها تبرئة المجرم الحقيقي: النظام الحاكم في هذا البلد أو ذاك، وتوحي بأن من قام بهذا الفعل هو مجرم أو مختل أو معدوم الإنسانية، بينما الحقيقة هي أنه مجرد شخص لا يستطيع احتمال ذل الفاقة والعجز ولا يريد لأبنائه أن يعيشوا بهذا النوع من الذل.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار